دراسة: 550 طفلا يستبدلون مدارسهم بالعمل في البترا لارتفاع دخل السياحة

تم نشره في الاثنين 17 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • طفل يبيع صورا للبترا لسياح أجانب في المدينة الوردية -(من المصدر)

حسين كريشان

البتراء - يعكس حجم عمالة الأطفال في قطاع السياحة في مدينة البتراء الاثرية، حالة من القلق لدى مؤسسات حكومية ومنظمات مجتمع مدني نظرا لتزايدها المستمر، مع وجود محاولات وإجراءات وطنية للحد من هذه الظاهرة.
وأكد مختصون أن عمالة الأطفال تعد واحدة من مظاهر الخلل التي نتجت عن التنمية السياحية، لما توفره من فرص مغرية لعمل الأطفال، لكنها أدت إلى حرمان الأطفال من التعليم، مما يسهم في تشويه إدارة المواقع الأثرية والرحلة السياحية في المدينة.
ويرى هؤلاء أن هذه الظاهرة أسهمت في تنامي أعداد التسرب من المدارس وارتفاع معدلات الأمية، مما ينعكس سلباً على مدى أكثر من أربعة أجيال من الاطفال والشباب واستمرار تدوير هذه التأثيرات السلبية واتساع دائرتها.
ورغم أن مدينة البتراء تعد نقطة الجذب الاولى  في المملكة لعمالة الاطفال، إلا ان المختصين يعتبرونها تشكل تحديا كبيرا للجهات الرسمية والاهلية، وذلك بعد ظهور نتائج مسح دائرة الاحصاءات العامة لعام 2008 الذي اشار الى وجود 32676 طفلا عاملا في المملكة دون سن 18 عاما.
وأظهرت دراسة عرضت في المؤتمر الأردني الأول حول دراسة الفقر والتنمية المستدامة في محافظات الجنوب نهاية الشهر الماضي، أن عمليات المسح الشامل أظهرت أن معدل عدد الأطفال العاملين في قطاع السياحة في البتراء 400 طفل، حيث يصل الى 550 طفلا في أوج الحركة السياحية ويتراجع الى نحو 250 طفلا في فترات تراجع الموسم السياحي.
وأشارت الدراسة، التي قدمتها الدكتورة مرام الفريحات في المؤتمر الذي عقد في جامعة الحسين بن طلال مؤخرا حول "عمالة الاطفال في السياحة"، أن عمالة الاطفال في قطاع السياحة تعد أحد أخطر انواع العمل التي تجذب الاطفال نظرا للجاذبية التي يوفرها العمل في المرافق الخدمية السياحية.
وبينت الفريحات أن حجم المردود المالي الذي يحصل عليه الاطفال والذي يؤدي الى حرمانهم مبكرا من التعليم ومن فرص الحياة المستقبلية، دفع منظمة العمل الدولية الى وصف الاطفال العاملين في السياحة بأنهم أفقر الفقراء.  وأوضحت الدراسة أن عمل الاطفال في قطاع السياحة في البتراء يشكل خطرا على مستقبلهم مقارنة بالعمل في قطاعات اخرى، فضلا عن ارتفاع اعداد الاطفال الذين تركوا مدارسهم للعمل في سن مبكرة لسهولة اداء العمل في السياحة، الى جانب سوء الاحوال السلوكية التي يكتسبها الطفل من خلال الاتصال الثقافي مع السياح والعاملين الكبار معه في نفس المكان والاحتكاك والمنافسة بين الأطفال انفسهم. وأظهرت الدراسة ارتفاع نسبة الذكور العاملين مقارنة مع الإناث وهذه نسبة تتفق مع الإحصاءات الوطنية والإقليمية والعالمية، فجاءت نسبة الذكور 89 % والإناث 11 %، وتركزت أعمار الأطفال العاملين بالفئة العمرية 7-12 سنة بنسبة 41 % ويليها الفئة العمرية 16-18 سنة بنسبة 36 %، يوجد 54 % من الأطفال العاملين في المرحلة الأساسية وهناك نحو 18 % من الأطفال العاملين هم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، واغلب الأطفال بنسبة 90 % يقيمون في منطقة ام صيحون وهناك مجموعة أخرى تقيم في منطقة وادي موسى بنسبة 2.8 %.
وأشارت الدراسة الى ان اغلب الأطفال يعملون كبائعين متجولين بنسبة 58.2 % ويلي ذلك نحو 32 % يعملون مرافقي خيول أو حمير أو جمال، اما دخولهم الشهرية من العمل فقد تركزت في فئة 301 دينار فأكثر بما نسبتة
42 %، ويليها فئة الدخل 101-200 دينار بنسبة 36 %، وهي مرتفعة مقارنة مع دخل الأطفال العاملين في قطاعات أخرى في الأردن، التي لم يتجاوز متوسط دخلها 86 دينارا في الشهر.
وتلاحظ الدراسة ارتفاع نسبة الأمية بين آباء وأمهات الأطفال العاملين وشكلت نسبة الأمية للآباء 40 %، مما يشير إلى عدم توفر البيئة الأسرية التي تعي أهمية التعليم والحد من تسرب الأطفال من المدارس، وفي المقابل تبين الدراسة أن 49 % من آباء الأطفال عاملون في قطاع السياحة و17 % من أمهاتهم عاملات في القطاع ذاته.
كما أكدت الفريحات أن الفقر والظروف الاقتصادية لأسر الاطفال العاملين في القطاع السياحي ليس سببا وحيدا دفعهم للعمل وترك المدرسة، وانما أغلب الاطفال العاملين تتصف أسرهم بدخل مرتفع واغلبهم يتركز في منطقة أم صيحون.
وبينت أن الاطفال العاملين في ازدياد خاصة داخل الموقع الاثري مما يشكل مصدرا لإعاقة التنمية السياحية والتعدي على الموقع الاثري مثل تفتيت الصخور الملونة بهدف بيعها والحفر على الواجهات الصخرية وتشويهها، فضلا عن استخدام الكهوف الأثرية لقضاء الحاجات الصحية. وأوصت الدراسة باطلاق برامج لدعم تحسين بيئة المدارس في مناطق أم صيحون والبيضا ووادي موسى لتكون اكثر جاذبية للاطفال، اضافة الى تطوير برامج لتدريب المعلمين والمعلمات واكسابهم مهارات جديدة تمكنهم من التعامل مع الأطفال المعرضين للخطر.
الى ذلك أكد مدير مشروع مكافحة عمالة الاطفال بالمواقع السياحية في الهيئة العربية للتواصل الحضاري والثقافي "بيت الانباط" محمد الحسنات أن تضخم المشكلة سببها الحكومة، وذلك لعدم تطبيق القوانين الموضوعة والتي تخص عمالة الأطفال، وكذلك الأسر التي تشجع الأبناء على ترك دراستهم للعمل في السياحة التي تؤمن للطفل دخلا عاليا.
وبين الحسنات أنه تم نشر إعلانات لتوعية السياح تجاه مسألة عمالة الأطفال، وطلب منهم رفض شراء ما يعرضه الأطفال عليهم من قطع وبطاقات وغيرها، الى جانب توعية الاسرة بمشاكل العمالة وخطورتها، وضرورة تعزيز رغبة الطالب تجاه التعليم وتنمي تطلّعاته تجاه التفكير بالمستقبل من خلال البيئة المدرسية. وقال إن المشروع الذي يتم تنفيذه حاليا في البتراء  يهدف الى المساهمة في تقديم معرفة علمية حول واقع عمالة الأطفال في الأنشطة السياحية في المدينة الأثرية، من خلال دراسة حجم الظاهرة وخصائص الأطفال المشتغلين وطبيعة الأنشطة الجاذبة لهم من اجل تقديم المعلومات للجهات المعنية بتطبيق القانون.
 وأقر رئيس سلطة اقليم البتراء المهندس محمد ابو الغنم بوجود مشكلة عمالة الاطفال داخل المواقع الاثرية، لافتا أنها تعد من أبرز التحديات التي تواجه عمل السلطة ومحمية البتراء الاثرية، من حيث تأثيرها على سير العملية السياحية داخل الموقع الاثري وتسبب ارباك للزوار والعاملين من مراقبين وإدلاء وغيرهم.
واعتبر أبوالغنم أن هذه الأنواع من العمالة غير شرعية ومخالفة لقانون العمل، مشددا على أن السلطة تبذل قصارى جهدها للحد من المشكلة بكل جوانبها بالتعاون والتنسيق مع الدوائر الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني في اللواء. ويعزو عدد من  مديري مدارس اللواء أسباب التسرب من المدارس إلى الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها السكان في بعض مناطق الإقليم وعدم وعي ذوي الأطفال بخطورة تسرب أبنائهم.
ويروي البعض أن السياحة شغلت فكر كثير من الأهالي وأغرتهم بسبب النقود التي تجنى منها، ما جعلهم يستبدلونها بالتعليم رغم أن ذلك يعد مصدر دخل غير ثابت، يضيع فرص التطور الأكاديمي للأطفال.
وأشاروا إلى أن القسم الإرشادي في مدارس المنطقة، يحرص على التواصل مع أهالي الطلاب باستمرار لتوعيتهم بقيمة التعليم وأهميته، ومخالفة عمالة أولادهم قانونيا واجتماعيا، فضلا عن دور المعلم في الحد من هذه الظاهرة.
ويشير عدد من الاطفال الذين يوصلون السياح على الدواب إلى الأماكن الوعرة والخطرة، إلى أن ذلك يساعدهم في توفير لقمة العيش وتحمل المسؤولية مع ذويهم ويعود للحالة والظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها أسرهم خاصة مع ارتفاع الاسعار وكلفة المعيشة. ويعمل أطفال صغار في مجالات بيع الصور السياحية، داخل المدينة الوردية تليها "بسطات" لبيع البطاقات والإكسسوارات والتحف الشرقية، وتتوزع على جانبي دروب المدينة الأثرية.
وكان "بيت الأنباط" قد نفذ مرحلتين من مشروع مكافحة عمالة الاطفال في المواقع السياحية والاثرية في مدينة البتراء بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني والسفارة الكندية في عمان، إلى جانب تنفيذ المرحلة الثالثة من المشروع بالتعاون مع سلطة الإقليم في البتراء.
واشتملت مراحل المشروع على إجراء دراسة مسحية على ظاهرة عمالة الأطفال في البتراء، وتوفير مضمون توعوي يستخدم في حملة توعية محلية تشمل الفئات الآتية: الأسر والأطفال أنفسهم والأدلاء السياحيين والعاملين في الأنشطة السياحية والسياح وزوار المدينة الأثرية. وكانت منظمة العمل الدولية في الأردن "اليونيسيف" قد أصدرت تقريرا منتصف العام الحالي انتقدت فيه عمل الأطفال في قطاع السياحة، حيث بلغ عدد الذين يعملون في قطاع السياحة في البتراء حوالي ثلاثة آلاف اعمارهم تتراوح بين 5 و17 عاما.
واشار التقرير الى انه تم إحراز تقدم كبير في السنوات الأخيرة لمعالجة ظاهرة عمل الأطفال، بما في ذلك الاعتماد الرسمي "للإطار الوطني لمكافحة عمل الأطفال" في آب الماضي واعتماد لائحة منقحة من الأعمال الخطرة للأحداث العاملين في حزيران العام الماضي حيث ما يزال يشكل عمل الأطفال تحديا كبيرا، وهناك مخاوف من التداعيات المحتملة للأزمة الاقتصادية على هذه الظاهرة.

[email protected]

التعليق