أوباما الجديد

تم نشره في الاثنين 3 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • الرئيس باراك أوباما.. أتعبته السياسة - (أرشيفية)

جوناثان شِل*

نيويورك - بعد المناظرة الثانية بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ومنافسه الجمهوري مِت رومني أمام الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة، ردد أنصار أوباما في شبه انسجام: "لقد عاد!" فقد اختفى المؤدي الفاتر الباهت المنسحب الذي ظهر في المناظرة الأولى، وعادت إلى الظهور الشخصية المحبوبة التي شاهدها الناس في حملة العام 2008 الظافرة. وعلى حد تعبير المعلق أندرو سوليفان: "لقد رأيت الشخص الذي رأيته أول مرة... رأيت الرئيس الذي كنت أعرفه".
لكنني أرى، حسب اعتقادي الشخصي، أن أوباما القديم لم يعد، وإنما ظهر أوباما جديد. فقد كان أوباما القديم شاباً فاتناً رشيقاً ونفسه عامرة بالأمل. وكان سلوكه حاداً ولكنه سلس. وكان خطابه سامياً وابتسامته كافية لإضاءة ملعب لكرة القدم.
أما أوباما الذي ظهر في المناظرة الثانية –والثالثة- فكان أكثر صرامة وحزناً وكآبة. وكان وجهه متوترا، وحديثه مقتضباً كما لو أنه خاضع لسيطرة شيء صارم مستمر. ولم يحلق خطابه في الأعالي، وإنما كان عاجزاً عن التحليق. وكانت ابتساماته متفرقة ومقيدة.
ولكن تحكمه بالتفاصيل والحجج كان قوياً كالصخر. وكانت جمله مفصلة وواضحة. وكان يتحدث بطاقة باردة منضبطة. وأثناء فترات صمته (كما أظهرت الشاشة المنقسمة في لقطات رد الفعل) كان يبدو ساكناً تماما أكثر الوقت، وكأنه تمثال من الصوان، أو كمن يقف ثابتاً في انتظار التقاط صورة له.
وفي الواقع، كانت هناك كلمة واحدة يمكن أن تلخص كل هذا: "رئاسي"، بما يعبر عن الاقتدار والحكمة وإدراك الواقع. ولكن هذه الكلمة تشير أيضاً إلى صفات مخيفة، كالقسوة والوحشية وكل ما ينبغي لأي تصوير أمين لمنصب رئيس الولايات المتحدة أن يشتمل عليه في أيامنا هذه. لقد سكن أوباما البيت الأبيض أربعة أعوام؛ والآن، أصبح البيت الأبيض هو الذي يسكن أوباما.
في هذا الخريف، سبق لأوباما وأن تحدث وعرض أداءه أكثر من مرة أمام عشرات الملايين من الناس -في خطاب التنصيب الذي ألقاه في مؤتمر الحزب الديمقراطي، وفي المناظرة الأولى. وفي كل مرة كان أداؤه ثابتا. وبدا في المؤتمر وكأنه يأمل باستحضار أوباما القديم، الذي فتن الناس وحلق بهم عاليا، ولكن ذلك الرجل أصبح ببساطة، غير متاح.
والحق أنه بدا وكأن مصدر إلهامه قد هجره في وقت ما من العام الأول من رئاسته. وكانت النتيجة صورة زائفة من أوباما القديم، وكأنه كان ممثلاً يلعب دور نفسه.
ثم في المناظرة الأولى، لم يكلف أوباما نفسه حتى عناء بذل مثل هذه الجهد العقيم، بل لم يكن هناك أوباما على الإطلاق، لا القديم ولا الجديد. وكما لاحظ العديد من المعلقين، فإنه ببساطة "تخلف عن الحضور". ولعله أيضاً تصور أنه لم يكن في حاجة، مع تقدمه الكبير في استطلاعات الرأي- إلى تجشم عناء الاشتباك مع غريمه المزعج الذي فكر في أخذ مكانه في البيت الأبيض.
ويبدو أن اختفاء أوباما القديم بات مقبولاً في المناظرة الثانية، فظهر لأول مرة أوباما الجديد -القائم والحقيقي والمتاح، والذي يعمل الآن في المكتب البيضاوي.
تُرى هل كان منصب الرئاسة سبباً في تقسية قلب أوباما؟ هل حوله المنصب إلى وحش؟ إن هناك من الأسباب ما قد يجعلنا نتصور هذا.
فأولا، ربما تلقى أوباما من معارضيه السياسيين انتقادات أشد كثيراً من تلك التي تلقاها أغلب الرؤساء من قبله. والواقع أن موضوع حياة أوباما، الذي عبر عنه بوضوح في مذكراته الفصيحة في كتابه "أحلام والدي"، والذي ظهر في الفيلم الوثائقي الأخير "الاختيار" من إنتاج شركة "فرونت لاين"، هو التوفيق والمصالحة. إنه ليس الرجل الذي حصل على هويته بالميلاد. فقد ولد لأم بيضاء البشرة وأب كيني غائب، وأقام في إندونيسيا في صباه، ونشأ تحت رعاية أم بيضاء منفردة في هاواي، وأرغم على إيجاد مكان لنفسه وبنفسه في الحياة. وقد وجد مكانه بالفعل في فكرة المصالحة -على المستويين العرقي والإيديولوجي.
وكانت المصالحة موضوعاً لخطابه الذي عرفه الناس من خلاله في مؤتمر الحزب الديمقراطي في العام 2004، بكلماته المشهورة: "لا توجد أميركا ليبرالية وأخرى محافظة؛ بل لا يوجد سوى الولايات المتحدة الأميركية".
وكان من المفترض أن يصبح هذا الشعار موضوعاً لرئاسته. ولذلك، وعندما ألقت المعارضة الجمهورية العنيدة إيديولوجيا، في أيامه الأولى في المنصب، بهذه الرؤية في وجهه، وتبنت سياسة الأرض المحروقة في المعارضة، فإن رفضها لم يكن لسياساته فحسب -لقد آثر رفضها على كيانه ذاته. فقد بلغت أحلام والده منتهاها، وبات مضطراً -كما أدرك ببطء- إلى مواجهة ضرورات عملية براغماتية بلا روح، والتي أصبحت السمة المميزة لإدارته.
ومع عجزه عن إيجاد أرضية مشتركة مع المعارضة الجمهورية، ذهب أوباما إلى عقد الصفقات مع قوى أخرى سرعان ما أحاطت بالرئاسة: الأجهزة العسكرية والأمنية، وشركات المستحضرات الصيدلانية الكبرى، والبنوك الكبرى، ووسائل الإعلام الكبرى. ولعل الأمر الأكثر أهمية كان الإذن الذي أصدره بنفسه بممارسة العنف وقمع الحقوق: استخدام الطائرات بدون طيار التي قتلت الأطفال إلى جانب الإرهابيين، وزيادة القوات العقيمة في أفغانستان، واستمرار تشغيل سجن خليج جوانتانامو، والاعتماد على المحاكم العسكرية، والحملة غير المسبوقة ضد فاضحي الفساد، والتأكيد على حق إصدار الأوامر باغتيال الأجانب والأميركيين على السواء وفقاً لتقديره وحده.
كل هذا أيضاً كان حاضراً وراء أداء الرجل على خشبة المسرح أثناء المناظرتين. أما وقد أعيد انتخابه، فإن هذا الرجل الجديد هو الذي سيحكم. إن أوباما العام 2008 لم يعد، ولن يعود. لقد ذهب إلى الأبد.


*زميل معهد الأمة، وزميل زائر في جامعة ييل، ومؤلف كتاب "العقد السابع: الهيئة الجديدة للخطر النووي".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت،" 2012.

التعليق