إسرائيل وحماس: معادلة جديدة

تم نشره في السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • إسرائيليون يختبئون في ملاجئ تل أبيب خوفاً من صواريخ غزة - (أرشيفية)

بنيامين بارت - (لوموند) 2012/11/18

 ترجمة: مدني قصري

العملية العسكرية الإسرائيلية الجديدة على قطاع غزة، والتي أطلق عليها اسم "عمود الدفاع" بدأت مثل نسخة جديدة كاملة لسابقتها، المسماة عملية "الرصاص المصبوب". فكما حدث في كانون الأول (ديسمبر) 2008، ومن خلال عملية خداع محددة أدت بحماس لأن تكشف عن نفسها، استطاعت إسرائيل أن تنطلق في أعمالها العدائية.
وفي تلك الأثناء، تعرضت الحركة الإسلامية لتشكيل فهم خاطئ بسبب التسريبات التي دبرتها بعناية فائقة حكومة إيهود أولمرت، رئيس الوزراء آنذاك، والتي كانت تشير إلى أن قرار الهجوم الانتقامي ردا على إطلاق الصواريخ من جانب حماس، قد أُجل إلى الاجتماع المقرر يوم الأحد 28 كانون الأول (ديسمبر). وفي ذلك الوقت، أمرت القيادة الإسلامية رجالها باستئناف روتين حياتهم اليومي، وعلى هذا النحو قُتل 40 من رجال الشرطة، في يوم 27 كانون الأول (ديسمبر) نتيجة الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على إحدى الثكنات في غزة.
من المسؤول عن الخطأ؟
ويوم الأربعاء 14 تشرين الثاني (نوفمبر) تعرض أحمد الجعبري، القائد العسكري لحركة حماس، للخداع عن طريق عملية تضليل مماثلة: عدم الاكتراث الذي أظهره رئيسُ الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إيهود باراك، اللذان كانا يقومان في جولة في هضبة الجولان، جعله يُوقن يقينا تاما بأن عدوّه -إسرائيل- مستعد للالتزام بالهدنة بسبب التفاوض الذي جرى قبل ذلك بيومين في مصر، ردا على سلسلة من عمليات القصف المتبادلة. وكان ذلك الخطأ فادحاً. فلم يكد يخرج من مخبئه "العام"، حتى حَصد "الجنرالَ" كما يسميه الغزيّون، صاروخٌ قاتل.
من المسؤول عن هذه الجولة الجديدة من العنف؟ إن الاتجاه السائد اليوم، كما بالأمس، يتمثل في تجريم حماس، المتهمة بكونها عاجزة عن ضبط بعض "قاذفي الصواريخ"، إما في داخل صفوفها، أو لدى منافسيها في الجهاد الإسلامي. ويرجع هذا التحليل مقدمات "عماد الدفاع" إلى يوم 10 تشرين الثاني (نوفمبر)، وهو التاريخ الذي أصيب فيه أربعة جنود إسرائيليين بصاروخ مضاد للدبابات، أطلق ضد سيارتهم "الجيب" على الحدود مع غزة. ولكن، وفي سياق مسلسل الثأر الذي لا ينتهي بين حماس والجيش الإسرائيلي، يُعتبر التعامل مع عامل الزمن فنًّا دقيقا للغاية. فقبل يومين من هذا الهجوم، في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) كانت القوات الإسرائيلية هي التي استفزت الجماعات الفلسطينية المسلحة، بدخولها إلى قطاع غزة. وكان هذا التوغل الذي قطع فترة الهدوء التي دامت أسبوعين، قد أسفر في النهاية عن وفاة طفل عمره 12 عاما، قتل في قلب مباراة لكرة القدم.
فهل كان ذلك صدفة؟ إنه اقتحام إسرائيلي من نفس نوع الاقتحام الذي حدث في يوم 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، والذي أنهى الهدنة القائمة في غزة التي كان قد مرّ على سريانها خمسة شهور في قطاع غزة، والذي تسبب في سلسلة من الهجمات والهجمات المضادة التي انتهت بالهجوم في عملية "الرصاص المصبوب". أما أقصى التشابه بين الاقتحامين فهو: أن هذين الهجومين قد حدثا، في العام 2008 كما في العام 2012، تحت ستار الانتخابات الرئاسية الأميركية التي استقطبت انتباه وسائل الإعلام.
أضرار جانبية محدودة
ونتتهي أوجه التشابه عند هذا الحد. ذلك أن عملية "عمود الدفاع" ليس بالضرورة "الرصاص المصبوب 2". لأنه في غضون أربع سنوات استخلص الجانبان بعض الدروس من الحرب الأخيرة في غزة، والتي كانت مرادفا لإخفاقٍ كبير لهذا الطرف وذاك على السواء. فمن جانبها، تبدو إسرائيل وأنها استوعبت كون المذبحة الناجمة عن القصف العشوائي الذي شنه الجيش (1400 قتيل، معظمهم من المدنيين، على الجانب الفلسطيني، مقابل 13 حالة وفاة، معظمهم من الجنود على الجانب الإسرائيلي) قد جعلها تخسر على جبهة الإعلام، معركةً كانت جد متفوقة على أرض الواقع.
ومقارنة بعدد الضربات الـ 500 التي شنها الطيران الإسرائيلي منذ يوم الأربعاء حتى تاريخ كتابة هذا الموضوع، ما يزال عددُ القتلى الفلسطينيين (ما يقرب من 50، منهم قلة من المدنيين) يُعد ضعيفا حتى الآن، حتى وإن كانت كل حالة وفاة تعني دائما أن ثمة روحا جديدة قد أزهقت. وقد قوّضت إسرائيل قدرات حماس العسكرية (ورشات تجميع الصواريخ، والمخازن، وما إلى ذلك)، مع الحد من الأضرار الجانبية. لكنه لا شيء يقول بأن هذا التحفظ النسبي سيستمر في خلال الأيام المقبلة، وخاصة إذا تجسدت التهديدات بتنفيذ العملية البرية. لكنها ستكون قد أثبتت بالفعل كم كان الاتهام بالتفاوت وعدم التكافؤ ما بين الطرفين، في هجوم العام 2008-2009، مبررا.
صاروخ جديد، فجر 5
من جانب حماس، فإن الشيء الجديد هو أن ترسانتها قد تعززت بصواريخ يمكنها أن تطال مشارف تل أبيب والقدس: صواريخ فجر 5، ذات الصنع الإيراني. فحتى الآن، ظلت صواريخ القسام وغراد، قصيرة المدى، التي يستخدمها المحاربون في غزة، تحصر الحربَ في حدود النقب، على مشارف دولة إسرائيل. لكن الأسلحة التي تقدمها طهران تهدد اليوم قلب إسرائيل. وكانت قد دخلت إلى قطاع غزة في شكل قطع غيار، عبر الأنفاق على حدود رفح، في ظل الفوضى السائدة في سيناء المصرية منذ سقوط حسني مبارك.
لكن من الصحيح أن هذه الأسلحة الجديدة بعيدة كل البعد عن أن تخلق "توازنا في الرعب" بين المعسكرين. فإسرائيل ما تزال تتمتع بالقوة النارية، وبقدرة الردع المتفوقة بشكل كبير، والتي يجب أن تدفعها إلى أن تخفف وطأة الحرب من جانبها أوّلا. كما أن لديها نظام صدّ الصواريخ الذي دخل الخدمة في نيسان (أبريل) 2011، ودرعٌ مضاد فعال للصواريخ. فمن بين 280 صاروخا أطلقت في غضون ثلاثة أيام من غزة، تم اعتراض 131، وفقا للأرقام الصادرة عن الجيش الإسرائيلي. ومع ذلك، يبقى أن صواريخ الفجر التي تُعطي مسؤوليات جديدة للإسلاميين الحاكمين في غزة، توفر القدرة حقا على زعزعة الاستقرار الإسرائيلي النفسي والسياسي على السواء. وإذا تسبب أحدها في قتل مواطنين، سواء في القدس أو في تل أبيب، فإنه سيصعب ساعتها وقف آلة الانتقام الإسرائيلية. في حين أن حماس لن تكسب شيئا من وراء كل ذلك على الأرجح.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Israël-Hamas : la nouvelle équation

[email protected]

التعليق