حقبة الأزمات: الخريطة السياسية الجديدة للشرق الأوسط

تم نشره في السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • جندي أميركي في العراق - (أرشيفية)

باتريك كوبيرن* (كاونتربنتش) 12/11/2012

 ترجمة عبد الرحمن الحسيني

يبقى الرئيس أوباما محظوظاً في معارضيه، خاصة عندما يتعلق الأمر بتفسير الوهن الذي حل بنفوذ أميركا في الشرق الأوسط. فبالكاد تم ذكر الموضوع في الانتخابات، باستثناء محاولة متقطعة من جانب ميت رومني للوم الإدارة على موت السفير الأميركي في ليبيا، كريس ستيفنز، وإحراق السفارة الأميركية في بنغازي.
وعلى الفور، جدف رومني مبتعداً عن موقفه الأول في مهاجمة أوباما بسبب "اعتذاره لأميركا" وفشله في التأكيد على القوة الأميركية، فاعترف بأن الشيء الوحيد الذي لا يريده الناخبون الأميركيون هو خوض حرب أخرى في الشرق الأوسط. ومن خلال قرع الطبل الوطني بكثير من القوة، جازف رومني بالمقترعين الذين يتذكرون أن الجمهوريين هم من قادوهم، ليس قبل طويل وقت، إلى خوض حربين فاشلتين في العراق وأفغانستان. وعلى مستوى أكثر واقعية، ربما يكون رومني قد أحس بأنه سيكون هشاً أمام الخوض في موضوعات لا يعرف شيئاً عنها.
ولا تعني شبه الحصانة هذه من الانتقاد الفعلي خلال الحملة أن أوباما لا يواجه مخاطر في عموم المنطقة التي فشل في السابق في التمسك بها بشكل ناجح.
وتقف أفغانستان لتكون مثالاً جيداً. وكانت "الزيادة" التي شغلت البيت الأبيض كثيراً عندما تولى أوباما فترة الرئاسة الأولى في العام 2009، قد أفضت إلى زيادة عديد القوات بإرسال 33000 جندي إضافي إلى أفغانستان، والذين فشلوا كلهم في القضاء على طالبان. وسيتم سحب 112000 جندي الذين تبقوا من قوات "النات"و مع نهاية العام 2014، ما يجلب واحدة من أكثر الحروب الأكثر كارثية والأقل فائدة في التاريخ الأميركي إلى نهايتها. ومن المفترض أن تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بتدريب قوات الأمن الأفغانية للحلول محلها. لكن، ومع مقتل العديد جداً من الجنود الأميركيين والبريطانيين على أيدي جنود وأفراد شرطة أفغان، فإن العملية الانتقالية تبدو وأنها تتحول إلى مأزق.
لو أرادت الولايات المتحدة أن تحقق أي شيء على الإطلاق، مثل النجاح العسكري على طالبان، فقد كانت تحتاج لأن تغلق الباب المفتوح على مصراعيه مع باكستان، والذي مكن المتمردين من أن يضمنوا لأنفسهم قاعدة قريبة. وقد أدركت واشنطن المشكلة، لكنها فشلت في فعل أي شيء. وسيواجه نظام حامد كرزاي صعوبة في الاستدامة إلى ما بعد العام 2014، عندما تتحرك طالبان ولاعبون آخرون لملء الفراغ الذي سيتركه خلفهم الأميركيون والبريطانيون عندما يغادرون البلد.
وفي ضوء ما حصل في أفغانستان والعراق وليبيا، نجد من الغريب صدور أصوات صفارات إنذار في الولايات المتحدة تدعو إلى وجوب أن تزيد الولايات المتحدة من تورطها في الحرب الأهلية السورية، من أجل قلب الميزان لغير صالح الرئيس بشار الأسد. وقد قدم العديد من المنتقدين أسباباً توضح الأسباب التي تجعل من هذه فكرة سيئة، لكنْ ثمة نقطتان مهمتان نادراً ما تطرحان. الأولى، تتعلق بطبيعة المليشيات المعادية للحكومة: إن الميليشيات، سواء كانت في سورية أو لبنان أو العراق أو ليبيا أو الشيشان، قد تبدأ العمل بمقاتلين أبطال يناضلون من أجل الحرية والديمقراطية. لكن هذه العناصر غير النظامية وغير مدفوعة الأجر، وما لم يتم ضبطها عبر تنظيم يكون الأشد ضبطاً، تميل إلى أن تكون أمراء حرب محليين أو عصابات إجرامية أو عالة على المواطنين. وأتذكر كيف أن المواطنين المحليين في الشيشان في الأعوام 1999-2001 أصبحوا يكرهون الفرق المتمردة التي كانوا في السابق مستعدين للموت من أجلها، حتى أكثر من كرههم للروس. وحدث الشيء ذاته في بغداد في العامين 2006-7 وفي ليبيا في العام الماضي.
وفي سورية، بدأ الناس يقولون، مرددين أصداء ما كان قد قيل في صراعات مماثلة، "إن المقاتلين يقولون إنهم يموتون من أجل الناس، لكن الناس هم من يموتون من أجل المقاتلين". والجهاديون والمتشددون الإسلاميون يصنعون جنوداً متشددين وفعالين، لكن عنفهم غير المقيد يحيد الناس الذين يدعون بأنهم يحمونهم. وهذا ما أفضى إلى الصحوة العشائرية السنية بالتحالف مع القوات الأميركية ضد "القاعدة" في العراق.
وتشكل هذه التطورات أخباراً سيئة بالنسبة لتقديم دعم عسكري أكبر للمليشيات السورية "المعتدلة" التي من المفترض أن تقوى من خلال تدفق متزايد للأسلحة والمعدات الأميركية.
وثمة نقطة ثانية نادراً ما تبحث. إنني أفترض أن حكومة الأسد ستسقط، وهذا يعني توجيه صفعة قوية لإيران، لأنه يحرمها من حليفها العربي الوحيد. كما يعني أيضاً إضعاف حزب الله، حركة الميليشيات الشيعية في لبنان. ويحتمل أن يحدث كلا الأمرين. لكن عليك أن تضع في البال أن نظام الأسد ستتبعه على الأرجح فوضى عامة عارمة في سورية، أو حكومة ضعيفة في أفضل الحالات. وحكماً على التجربة في العراق ولبنان، فإن الإيرانيين وحزب الله هم أمهر من الولايات المتحدة من حيث الاصطياد في المياه العكرة. وتعد الأوضاع المعقدة مثالية بالنسبة لاستغلالها من جانب الإيرانيين، المعروفين بخبرتهم في خوض في الألعاب السياسية المخادعة.
 فهل تستطيع إسرائيل خداع الولايات المتحدة للانضمام إلى هجوم على إيران؟ دائما ما أعتقد بأن الإسرائيليين يخادعون. ودائماً ما يناسبهم الظهور بأنهم على وشك مهاجمة إيران بشكل حسن، ما يعطيهم الكثير من الأهمية في عالم يريد منع اندلاع مثل هذه الحرب.. وقد تسببت التهديدات الإسرائيلية بفرض عقوبات اقتصادية كارثية ضد إيران وهمشت مشكلة الفلسطينيين. لكن هجوماً عسكرياً فعلياً من غير المرجح أن ينجز الكثير، ومن شأنه أن يفضي إلى دفع إيران نحو بناء جهاز نووي.
إلى ذلك، تخدم القصص التي تحدثت عن كيف تم منع شن هذه الحرب بفضل رئيس الأركان الإسرائيلي ورئيس الموساد فقط أهداف بنيامين نتنياهو أفضل ما يكون، من خلال جعل تهديده بتوجيه ضربات جوية إسرائيلية وشيكة أكثر مصداقية.
وللحظة، ربما يعد الشرق الأوسط وغرب آسيا مكانين ينبغي للولايات المتحدة وقوى أجنبية أخرى الابتعاد عنهما. وتقدم ليبيا مثالاً أخيراً لما يمكن أن يذهب في الاتجاه الخطأ. وحتى شهور قليلة مضت، ظنت واشنطن بأن دورها الخفي في الإطاحة بالقذافي كان أنموذجاً لما يمكن أن يكون عليه التدخل الخارجي. لكنها نسيت أن جهد الحرب من جانب كتائب ميليشيات الثوار كان نوعاً من الخدع الدعائية، لأن الحرب الفعلية هي التي خاضتها القوة الجوية للناتو. لكنه تردد، بعد وقوع الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي يوم 11 أيلول (سبتمبر) هذا العام، أن الوحدة المحلية لوكالة المخابرات الأميركية (السي آي إيه) ناشدت عبثاً رجال الميليشيات المحليين الحضور لمساعدتها.
تنطوي الخريطة السياسية الجديدة للشرق الأوسط على المزيد من الأفاعي أكثر من السلالم بالنسبة للولايات المتحدة، لكن الفكرة تقول بأنه ليس هناك من سلالم على الإطلاق. وكان أوباما سريعاً في التخلي عن حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس خلال الأيام الأولى من الربيع العربي.
وفي الأثناء، لا تريد جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا خوض مواجهة مع الولايات المتحدة، بينما يسعيان إلى أسلمة مجتمعيهما. وهما يحتاجان لأن يجردا معارضيهما المحليين من أي فرصة للاستحواذ على الدعم الأميركي. وبوجود العديد من الصراعات التي تصيب بعضها بعضا بالعدوى، فإننا ربما نكون قد دخلنا في حقبة صراعات في المنطقة، والتي تتجاوز أي شيء كنا قد شهدناه منذ الستينيات من (القرن الماضي).

*مؤلف كتاب: "مقتدى الصدر، الانبعاث الشيعي والنضال من أجل العراق.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 The New Political Map of the Middle East

التعليق