تشويه إرث رابين

تم نشره في الأربعاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

معاريف

حاييم آسا

نشهد هذه الأيام جدالا عن طبيعة الاحتفال السنوي في ذكرى اسحق رابين. ويوجد طرفان. طرف واحد، يخرج مهرجان الذكرى لرابين في 4 تشرين الثاني في الميدان، يدعي بأنه يجب مواصلة أمسيات الانشاد التي تدور حول السلام؛ ومقابله طرف ثانٍ، تمثله "درور يسرائيل" (والتي هي حركة رائعة) وحركات الشبيبة، يدعي بأننا غير ملزمين بالتركيز على مسألة التهديد على الديمقراطية الاسرائيلية وضياع النقاش الجماهيري في هذا الموضوع (والذي يعتبر التعبير عنه ضمن امور اخرى في ضياع منظومة اعلامية انتقادية وغير متحيزة) – ولهذا فإنه يخرج مهرجان ذكرى في 27 تشرين الأول في ميدان.
حتى لو أجري مهرجان ثالث أو رابع لذكراه، فإني سأحضرها جميعها، ولكن بالذات الى المهرجان الذي يركز على السلام سأحضر بالقوة، بصعوبة، مع تثاؤب وعصبنة. لماذا؟ لأن أحد السياقات والتشويهات التي مررنا بها في الـ 15 سنة الاخيرة هو الذي بفضله تحول رابين من استراتيجي، رأى الواقع في الشرق الاوسط بعينين حادتي النظر ونقيتين، الى رابين الساعي الى السلام الأعمى، مثابة فيلسوف سلام. وهذا لم يكن عليه باراك بأي شكل، بأي صورة وبأي حال.
التشويه في صورة رابين (في سياق مفهومه السياسي) يمس بنا جميعا لأن مفهومه الحقيقي تبدد، وكل ما حاول مواصلته وتطويره ليتلاءم وعصرنا يعتبر يساريا اشوه ومجتثا لإسرائيل. هذا أنشأ فراغا جعل اليمين اللاعب الوحيد في الملعب السياسي. هذا الفراغ خطير، وإن كان فقط بسبب حقيقة أنه لا يوجد جدال جماهيري متوازن، ولا يوجد جدال على الاتجاه الذي يتعين على السفينة التي تسمى اسرائيل ان تتحرك فيه.
مسيرة السلام التي خلقها رابين في 1993 شكلت خطوة اولى (أوسلو) في مسيرة تضمنت عدة خطوات، كجزء من سياق استراتيجي واسع من استقرار علاقات اسرائيل مع كل الدائرة الاولى للدول حولها. فقد رأى حاجة لسياق كهذا كي يخفض "حالة الاحتكاك العنيف" بين اسرائيل والبلدان العربية المحاذية لها (سورية، الاردن والفلسطينيين)، وبالتالي سحب البساط من تحت أقدام دول الدائرة الثالثة (ايران وعندها أيضا العراق) التي عرضت منذئذ تهديدا عنيفا على اسرائيل. وكان لهذا السياق ان ينتهي بتسوية سلمية مع سورية، نقل سورية الى الطرف الغربي (الولايات المتحدة)، تجفيف حزب الله وعزل ايران.
كل هذا السياق، الذي أساسه استقرار الدائرة الاولى، جاء لزيادة البقاء المادي لإسرائيل، ولم تكن فيه أي اعتبارات تنبع من الفلسفة المرتبطة بفلسفة الاخوة لدى مهاتما غاندي. لقد فهم رابين منذ التسعينيات بأن التطور التكنولوجي لايران سيرفعها الى المكان الذي توجد فيه اليوم. وقد فهم منذئذ بأن الدولة الوحيدة التي يمكنها أن توقف السياق التكنولوجي المهدد في ايران هي الولايات المتحدة، وأن هذه هي مهمتها ايضا. سياق وقف ايران لم يكن يقوم على اساس الهجوم عليها بقوة عسكرية، بل على اساس عزلها في الشرق الاوسط وفي العالم، وكذا على أساس عزلها في السياق الثقافي الشيعي. الاتفاق مع الفلسطينيين وسورية (الذي تضمن تجفيف حزب الله) كان يفترض أن يخدم هذه المسيرة.
وهكذا نجد أنفسنا اليوم بالضبط في مسار معاكس. ايران ليست منعزلة، واسرائيل مشلولة من ناحية سياسية. وبدلا من عزل ايران، عزلنا أنفسنا، إذن ما الذي تبقى عمله؟ التلويح بقوتنا وبالقدرة العسكرية الكامنة غير المحدودة، ظاهرا، لدينا. هذه استراتيجية الضعفاء. استراتيجية الهستيريين.
التاريخ وحده سيحكم ما هي أو ماذا كانت الاستراتيجية السليمة، ولكن على أمر واحد لا جدال – محظور علينا كم الافواه ومحظور علينا السماح بكم أفواه الآخرين. علينا أن نتجادل وأن نناقش في نقاش جماهيري عميق ومكثف، وفقط روح ديمقراطية ومنصات ديمقراطية ستعيد ذلك. عدد المنصات التي يمكن ان يجرى فيها نقاش جماهيري آخذ في الهزال ووصل عمليا الى الصفر. فالسيطرة المشوهة على مفهوم رابين وعلى فلسفة السلام احادية البعد تمس بنا بشكل خطير. وعليه فإن المهرجان الذي يركز على إعادة الروح الديمقراطية الى المجتمع الاسرائيلي هو مهرجان حرج وعلى أي حال يشجع وجود كل مهرجان آخر.

التعليق