سياسة مصر تجاه غزة: حان وقت التغيير

تم نشره في الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً
  • الرئيس المصري محمد مرسي أثناء استقباله رئيس حكومة حماس إسماعيل هنية - (أرشيفية)

رمزي بارود– (ذا بالستاين كرونيكل)
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
إذا كانت القيادة المصرية الجديدة تعتقد بأن من الممكن تحقيق مصالحة دائمة بين الفصيلين الفلسطينيين المتنافسين، حماس وفتح، ضمن المناخ السياسي الحالي، فمن المرجح أنها ستصاب بخيبة أمل. وفي حالة غزة، ينبغي لحكومة محمد مرسي أن تنتهج في الواقع سياسات معقولة تكون متحررة من تأثير الفجوة المطولة والمعقدة القائمة بين الفصيلين. أما إذا ظلت واقعة في شباك التردد، فإن إسرائيل والعناصر المتطرفة المشتبه بها في سيناء، سيكثفون جهودهم على الأرجح لعرقلة أجندة سياسة مصر الخارجية وإخراجها عن مسارها.
لا شك أن الانقسام بين الفصائل الفلسطينية أمر مؤسف، لكنه يمكن الوصول إلى أصوله بمجرد وضعه في السياق السياسي السليم. إن كلاً من فتح وحماس عالقتان في صراع قوي تقوم بتغذيته وإدامته أطراف إقليمية ودولية.
وفي الوقت الراهن، أصبحت حركة فتح التي تسيطر على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية مفلسة مالياً وسياسياً، بينما تظل إرادتها رهينة وخاضعة لإملاءات قرارات إسرائيل والولايات المتحدة.
وعلى الناحية الأخرى، تتمع حماس، التي تدرك تماماً موقف فتح غير المستقر، بالكاد بالحصانة من تأثير التيارات السياسية المتبدلة في المنطقة، ومن الضغوط الخارجية والابتزاز المالي.
ومنذ فوز حماس في الانتخابات الديمقراطية التي أجريت في الأراضي المحتلة في العام 2006، استثمر اللاعبون الإقليميون والدوليون بكثافة في الحيلولة دون حدوث تحول كبير في السياسة الفلسطينية، والذي ربما كان ليفضي إلى تحقيق الوحدة والمصالحة. وباستخدام ليّ الذراع السياسي، والتهديدات المالية والمؤامرات التي تهدف إلى زعزعة استقرار حكومة حماس المنتخبة، ثم إسقاطها في نهاية المطاف، أعملت الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبعض الأطراف العربية، كل قدراتها الخلاقة من أجل الإبقاء على الفلسطينيين منقسمين.
وكان من شأن قيام وحدة وطنية في الأراضي المحتلة أن يؤدي إلى إعادة تنشيط منظمة التحرير الفلسطينية، وبما يسمح للفلسطينيين بالتحدث بصوت واحد وبانتهاج استراتيجية واحدة مشتركة. وبالنسبة لإسرائيل وحلفائها الغربيين والإقليميين، كان مثل هذا الاحتمال، وما يزال، أكثر شؤماً وقتامة من أن تستطيع التعامل معه. وفي العام 2007، تحولت الفجوة الرسمية إلى حرب أهلية مصغرة، مما جعل الانقسام ليس سياسياً فقط، وإنما جغرافياً أيضاً، مع كل ما يصاحب ذلك من أنواع الأبعاد الغرائبية. وبينما تظل الوحدة بين حماس وفتح متعذرة التحقيق في سياق ألعاب السلطة السياسية الراهنة، فإن قيام وحدة فلسطينية يمكن أن تعيد تعريف الأولويات الوطنية، تذهب فيما وراء الفروقات الأيديولوجية، والسياسة والعشائرية، ما يزال أمراً ممكناً. ويمكن لمصر أيضاً أن تساعد في توليد هذه العملية، بمجرد أن يبادر الفلسطينيون إلى إطلاقها وعرضها هم أنفسهم.
في الوقت الحاضر، يحاول كل طرف تمديد وإطالة المرحلة الانتقالية السياسية الحالية، على أمل أن يفضي الدفق الثوري، والفوضى السياسية والصراعات الدموية الجارية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، إلى تحقيق بيئة سياسية مواتية بمجرد أن تتم تسوية كل الصراعات. وكانت حماس على وجه الخصوص سريعة في الاستفادة من المعادلة السياسية الجديدة التي تقوم بتعريف السياسة المصرية باطراد. فبعد كل شيء، كانت حركة الإخوان المسلمين في مصر هي الجذر الأساسي الذي نبتت منه حركة حماس الفلسطينية.
 لكن السياسة لا تكون أبداً بهذه البساطة والمباشرة. وليس الرئيس المصري الجديد محمد مرسي وحده في إعادة رسم خريطة الطريق لسياسة بلاده الخارجية. ومع تقديم الولايات المتحدة، والمؤسسات المالية الغربية الدولية، ومختلف الدول العربية عروضاً سخية على أمل شراء أسهم في الأصول السياسية لمصر الجديدة، يشعر مرسي بالقلق من الوصول إلى حماس ومد يده إليها بطرق يمكن أن تثير الشبهات.
وتمكن الغرابة في أن معظم مؤيدي مصر السخيين الجدد هم الذين كانوا قد حافظوا في الواقع على سبل ديمومة حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك. وكانت إحدى المهام الرئيسية لمبارك، بطبيعة الحال، هي الإبقاء على حماس في وضع حرج وإبقاء قطاع غزة محاصراً. وكانت حكومته حليفاً وثيقاً للرئيس الفلسطيني محمود عباس. وكان رئيس جهاز الاستخبارات المصرية في ذلك الوقت، عمر سليمان، على صلة وثيقة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأجهزة المخابراتية الغربية المختلفة وغيرها. وكان معروفاً بمحاولاته المستمرة سيئة السمعة لعزل غزة بكل وسيلة ممكنة. وما يزال يتعين الشعور بأصداء ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 عبر كامل البنية المخابراتية، والعسكرية والسياسية المعقدة التي حكمت مصر طوال عقود.
كان هجوم 5 آب (أغسطس)، 2012 الذي شُنّ على موقع عسكري في سيناء المصرية وخلف 17 جنديا قتيلاً، بمثابة التذكير بكيف أن الفلتان الأمني الذي جرى توليده سياسياً كان متاحاً بسهولة وبلا هوادة من أجل صرف الأنظار عن أي محاولات لرأب الصدع بين الفلسطينيين والمصريين. وليس من قبيل الصدفة أن يتم توقيت الهجمات في سيناء بدقة سياسية مثيرة للإعجاب. على سبيل المثال، يوماً أو نحو ذلك قبل أو بعد وصول وفد رفيع المستوى من حماس إلى القاهرة. وفي حين يعرب عباس علانية عن سخطه من زيارات حماس الرسمية المتكررة لمصر، يتم إحباط حماس بحقيقة أن الرحلات التي تقوم بها قياداتها في المنفى برئاسة خالد مشعل أو من الحكومة في غزة بقيادة إسماعيل هنية، لم تترجم إلى التزام مصري بوضع نهاية للحصار المضروب على القطاع. وتريد حماس استبدال شبكة واسعة من الانفاق -شريان الحياة الاقتصادي الرئيسي للقطاع- والمخبأة تحت الحدود بين مصر وغزة، ببديل ذي جدوى اقتصادية وقابل للحياة، مثل إقامة منطقة للتجارة الحرة. وتشعر فتح بالقلق من الأهمية السياسية لمناورات حماس، محتجة بأن مثل هذه الخطوة قد تنطوي على الاعتراف بحماس كممثل فلسطيني شرعي. وهو منصب احتفظت به حركة فتح لنفسها منذ فترة طويلة من خلال هيمنتها على منظمة التحرير الفلسطينية.
من المتوقع أن تفترق حكومة مرسي عن سياسات مبارك سيئة السمعة تجاه الفلسطينيين. ولكنها ما تزال تفتقر إلى الخبرة في التفاوض على مسار واضح في السياسة الخارجية في مثل هذا الوسط متعدد الأوجه. وهي عالقة في مأزق، واللغة المنبثقة عن المسؤولين المصريين عن ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية بعيدة المنال، تبدو أولاً وكأنها إعادة صياغة للغة نظام مبارك. ومن المرجح أن الوضع الراهن سوف يسود إذا لم تعمد مصر إلى اتخاذ خطوة حاسمة لكسر وإنهاء الحصار المفروض على غزة مرة وإلى الأبد، مدفوعة بالاحتياجات الإنسانية العاجلة في غزة، ومن واقع التزامها بأجندة سياسة خارجية مستقلة فعلاً. وسيكون من شأن استمرار الحصار على غزة تمديد وإطالة حالة عدم الاستقرار التي خضعت لها غزة وسيناء طوال سنوات. كما أن هذه الحالة من عدم الاستقرار تساعد أكثر ما يكون أولئك الذين يروجون الفوضى من أجل تحقيق غايات سياسية.
تشكل المصفوفة المثيرة للازدراء التي تعمل فيها السياسة الفصائلية الفلسطينية تذكرة بالتبعية السياسية الفلسطينية خلال أكثر معظم فترة الخمسينيات والستينيات، قبل ظهور منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة فلسطينية. ويجري تبديد منجزات هذه العقود بسرعة، بينما يتقاتل عليها الناطقون الغاضبون باسم الفصائل على شاشات التلفزة، وبطريقة تحرج الملايين من الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، لا ينبغي على مصر أن تكون رهينة للأجندات الفصائلية والإقليمية والدولية المتنافسة. ويرجح أن يؤثر عملها أو تقاعسها عن العمل على مصير 1.7 مليون فلسطيني في غزة، بغض النظر عن ميولهم الحزبية. ولا يتوقع الفلسطينيون في غزة، الذين عانوا في ظل نظام مبارك، والذين احتفلوا بانتصار الثورة المصرية بشكل جماعي، أن يتم التصدق عليهم بالإحسان أو بالحلول قصيرة الأجل.
لا يمكن للحلول قصيرة الأجل للأزمة أن تديم الحياة في منطقة معدمة، والتي أعلنتها الأمم المتحدة غير صالحة للسكن بحلول العام 2020، وستكون مياهها غير صالحة للشرب بحلول العام 2016. إن أزمة غزة ملحة وعاجلة، وتحمل مصر المفتاح الأساسي لحلها. وفقط من خلال إعطاء غزة شريان حياة دائم، وحرمان العناصر المشتبه فيها من استخدام القضية التي لم تحل لتسجيل نقاط سياسية، ستقطع حكومة محمد مرسي خطوة أولى نحو بناء سياسة خارجية مصرية أكثر حزماً، وتبشر بعودة البلاد إلى موقفها القيادي الذي كان لها في الماضي.

* كاتب عمود دولي، ومحرر موقع الحكاية الفلسطينية "ذا بالستاين كرونيكل".
* نشر هذا المقال تحت عنوان: Egypt's Gaza Policy: Time for Change is Now

التعليق