رسالة من سورية "الحرة": كيف تدار بلدة محررة؟

تم نشره في الخميس 2 آب / أغسطس 2012. 02:00 صباحاً
  • فتيان سوريون يحملون علم الثورة خلال مسيرة في بلدة سراقب السورية في إدلب - (أرشيفية)

رانية أبو زيد - (مجلة تايم) 24/7/2012

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

سراقب- ما تزال بلدة سراقب تحت رحمة دبابات الرئيس بشار الأسد، تماما مثلما هو حالها منذ حوالي العام. فقد غزاها الجيش خلال شهر رمضان المبارك في العام 2011، وأعاد دخولها في 24 آذار (مارس) الماضي لمدة يومين. كما قام الجيش بقصف سراقب يوم 19 تموز (يوليو) ردا على هجوم شنته عناصر محلية من الجيش السوري الحر الثائر على نقطة تفتيش في أطراف البلدة. وكان نحو 15 شخصا قد قتلوا خلال عدة ساعات من القصف في تلك الليلة. وها هو رمضان يعود مرة أخرى، وها هي الدبابات تطلق قذيفة بين الفينة والأخرى باتجاه البلدة لتذكير سراقب بأن قوات الأسد ما تزال في الجوار.
لكن علماً مختلفاً يرفرف في سراقب: علم الثوار ذو النجمات الثلاث. كما أن الحكومة المحلية تعمل، وما تزال البلدية أو المجلس المحلي في هذه البلدة السنية التي تضم 40.000 مواطن في محافظة إدلب الشمالية الغربية تؤدي عملها. وما يزال موظفوها البالغ عددهم 90 أو نحو ذلك يداومون في مكاتبهم ويتقاضون رواتبهم. ويقول معظم الناس في سراقب إن بلدتهم حرة ومحررة من نظام الأسد، لكنهم احتفظوا عن وعي ببعض عناصر النظام القديم.
ووراء الزاوية من مبنى البلدية الذي يصعب وصفه، ثمة مكاتب حكومية أخرى مثل دائرة سجلات المواليد والوفيات والزواج، والمكتب الزراعي (الذي يوزع الأسمدة المدعومة والمواد الغذائية الأخرى الحساسة بالنسبة لهذه المنطقة الزراعية) والتي لم تُمس. ولا ينطبق الوصف على المقرات الرئيسية المجاورة لحزب البعث. ويقول محمد (21 عاماً) طالب الاقتصاد الذي تحول إلى ناشط ومقاتل في الجيش السوري الحر: "لقد أحرقناها لأنها لم تخدم أي غرض". وأضاف: "لكننا لم نحرق الشجر الذي يوجد في الخارج".
تبدو الأزمة السورية المستمرة منذ 17 شهرا في نهاية اللعبة الآن، حيث يبدو ذلك واضحا جدا. وفي الأسابيع القليلة الماضية، جلب الجيش السوري الحر وغيره من المجموعات المسلحة القتال إلى حصني النظام الرئيسيين، العاصمة دمشق والمركز التجاري للبلد في حلب في الشمال. أما الذي ما يزال غامضاً فهو ما ومن سيملأ الفراغ في اللحظة التي تصل فيها أربعة عقود من حكم عائلة الأسد إلى خط النهاية. وقد قالت المعارضة السياسية والعسكرية السورية على حد سواء مراراً، إنها تريد سقوط النظام البعثي السوري وليس سقوط الدولة السورية، وهو ما يعني بعبارات أخرى المحافظة على المؤسسات العاملة -بما فيها القوات المسلحة- مع إزاحة بعض المسؤولين الرفيعين في النظام منها.
ويعلم السوريون ما هو الشكل الذي سيكون عليه الانهيار التام. ويقف عراق ما بعد صدام، في الجوار، ليكون مثالاً واضحاً على ما الذي يتوجب عدم علمه. فقد ساعد حل حزب البعث المشرذم بيد ثقيلة، بإلهام من الولايات المتحدة، بعد فرض العقوبات عليه -والذي اعتبر كل عضو من حزب البعث الحاكم في العراق عدواً للدولة الجديدة الهشة- ساعد ذلك في خلق تمرد مسلح ومجندين مستعدين في أوساط الجنود المغضبين العاطلين عن العمل، وكذلك في أوساط موظفي الدولة بالإضافة إلى مجموعات محرومة أخرى.
وفي الأثناء، يبدو أن لدى المقاتلين الثوار في سورية هدفاً أكثر تحديداً. ويقول فايز، (40 عاماً) والمحامي في سراقب: "ما تزال الدولة حاضرة هنا في مكاتبها كما في دباباتها عن بُعد. ونحن ونريد إبعاد الدبابات. ومن الواضح أن شكل سورية ما بعد الأسد يعتمد على الكيفية التي ستتم من خلالها إزاحة الأسد. فكلما أخذت العملية وقتا أطول، كان ذلك أكثر بشاعة ويجعل من أمر إعادة تعمير نظام جديد من العدم أكثر صعوبة أيضاً. ويقول معتز (30 عاماً) المعلم المحلي والعضو السابق في لجنة التنسيق المحلية في البلدة: "نعرف أنه حتى لو سقط النظام، فستكون المعركة الأصعب هي تشكيل بلد جديد". وأضاف: "وسنضحي أكثر بكثير من أجل خلق بلد جديد قياساً مع الاطاحة بالنظام".
ومعتز عضو سابق في لجنة التنسيق المحلية في سراقب. وكانت اللجان قد ظهرت كنظام شعبي للخدمات الاجتماعية، ومن المرجح أن تلعب دوراً محورياً في أي فترة لما بعد الأسد. وقد عنت عقود من حكم حزب البعث الأحادي أن سورية لم تتوافر على تمثيل حقيقي لمجتمع مدني. لكن هذه المجموعات المحلية سرعان ما نجمت لملء ذلك الفراغ. وقد تشكلت من الناحية الميدانية للاجتماع والتخطيط وتنظيم المظاهرات المعادية للنظام في مجتمعاتها المحلية، وإيصال المعلومات إلى وسائل الإعلام. لكن لجان التنسيق المحلية اضطلعت، وعلى نحو متزايد، بدور أكبر، والذي اقترن بنجاح متفاوت مع تآكل الأموال.
وفي سراقب، يجري تكليف كل واحد من الأعضاء التسعة في اللجنة بدور مختلف. فهناك مسؤول ارتباط إعلامي، ومسؤول مالي، ومسؤول ارتباط عسكري، ومسؤول سياسي وممثل للمحاكم الثورية، ومنسق خدمات وخدمات طبية، ومسؤول ومنسق مظاهرات. وهي مناصب دوارة ومنتخبة تكون مدة كل دورة فيها ثلاثة شهور وحسب. وقال واحد من تسعة ممثلين طلب عدم الكشف عن هويته: "ليس هناك قائد في المجموعة. إننا نريد أن نتخلص من هذه الفكرة".
ولن يكون محو "الأنا" والأنظمة السياسية العائلية والفساد شيئاً سهلاً أيضاً. ولطالما نظر الناشطون في المنفى إلى لجنة التنسيق المحلية في بلدة "بنيش" المجاورة، والتي تبعد نحو 15 كيلومترا مثلا، كمثال ناجح لنظام إداري يحل محل نظام الدولة. لكن اللجنة تعرضت للنقد بسبب نزاع نشب بين أكبر عائلتين في البلدة: عائلة السيد وعائلة السيد علي، على قائمة طويلة من القضايا.
وللجنة التنسيق المحلية في سراقب مشكلاتها الخاصة، خاصة المالية منها. فقد علقت اللجنة نشاطها بسبب فاتورة بقيمة 1.2 مليون ليرة سورية (18.700 دولار)، والتي استحقت على عيادتين طبيتين تعودان للتنظيم. وثمة شك في أن وصولات زائفة -وهناك الكثير منها- قد حررت من جانب البعض، وما تزال المسألة قيد التحقيق.
وتعول اللجنة المحلية في سراقب على المنح، وبشكل رئيسي تلك التي يقدمها السوريون في الشتات. لكن الأموال لا تصلها بشكل منتظم. وقال ممثل سابق في لجنة التنسيق المحلية: "قد نتلقى في أحد الأشهر 10 ملايين ليرة سورية. وفي شهور أخرى ربما نتلقى مليوناً واحداً". وكان المجلس الوطني السوري، الذي يعتبر تنظيم المظلة السياسية الشاملة، والمكون بشكل رئيسي من منفيين، قد منح لجنة التنسيق المحلية في سراقب 40.000 يورو (48.400 دولار) كإحدى الدفعات بعد غزو الجيش السوري للبلدة في رمضان الماضي. ويقول أعضاء اللجنة، السابقون والحاليون على حد سواء، إنهم لم يتسلموا أي سنت منذئذ، وثمة نحو 113 عقاراً قد أحرقت في التوغلات المختلفة للجيش.
وفي الاثناء، تظل العديد من المنازل مسودة ومهجورة، وما تزال بعض المخازن في السوق الرئيسية في البلدة مغلقة بسبب نسف أبوابها المثقوبة بطلقات الرصاص، والمشوهة بفعل قوة الانفجارات في الشارع. ويقول عبدالإله، مبيض المنازل المحلي، إنه ما يزال يحاول ترميم وتبييض وإصلاح الكثير من الأضرار. ويقول أيضاً إن أصحاب المنازل غالباً ما لا يستطيعون الدفع له، أو أن المطاف ينتهي بهم إلى دفع عشر السعر الاعتيادي. لكنه يقوم بالعمل انطلاقا من إحساسه بالمسؤولية المدنية.
ويقول السيد، من لجنة التنسيق المحلية إن المسؤولية المدنية يجب أن تتمدد لتشمل الدفع للجان التنسيق المحلية. وقد توقف لأشهر الآن عن تسديد فواتير استخدام مرافق الدولة، بما في ذلك الكهرباء والطاقة والمياه (وتستمر الخدمات بالرغم من أن حالات انقطاع الكهرباء أصحبت أكثر تكراراً). ويضيف السيد: "إننا نحتاج لإبلاغ الناس بأنه يجب أن يدفعوا ما كانوا يدفعونه للنظام نظير الماء والكهرباء إلى لجنة التنسيق المحلية حتى نستطيع العمل. ونحن لا نريد أن نطلب هذا من الناس الذين يكافحون، لكن هذا هو واقعنا".
ويتوقع العديدون من أبناء البلدة مثل إياد، الحلاق البالغ من العمر 36 سنة، ووالد طفلين، أن يتلقوا المساعدة من لجنة التنسيق المحلية وليس تزويدها بالأموال. وكان محل الحلاقة الذي يمتلكه قد أحرق في أواخر آذار (مارس) عندما دهم الجيش البلدة، وقد التقت به مجلة تايم في بلدة صغيرة تقع على الحدود السورية التركية قبل أن يعبر الحدود إلى تركيا. وكان إياد غاضباً من اللجنة التنسيقية المحلية في سراقب، وشن هجوما على عضو فيها والذي كان قد لجأ أيضاً إلى البيت الصغير الآمن. وقال عن محله: "لقد كان مصدر رزقي.. وقد أصبحت منسياً ولم يسألني أحد عم أحتاج، وكيف أطعم عائلتي، ونسوا إصلاح محلي".
وأضاف أن عضو لجنة التنسيق المحلية قال لي: "هناك حالات أكثر حرجاً من حالتك".. فمن هو الأهم مني ومن عائلتي؟ لقد أعطي المال للصوص.. لأناس لهم صلة معكم. وقالت لي لجنة التنسيق: إن لك أرضاً فاذهب وبعها! لقد قاتلت في هذه الثورة، وهذه هي الطريقة التي يعاملونني بها؟ لأن هناك فسادا في لجنة التنسيق المحلية". ولم يُجب عضو اللجنة.
وراء في سراقب، كان أبناء البلدة يعملون على إعادة بناء لجنتهم. وبدلا من تسعة أعضاء، تم وضع خطة لاختيار 45، وتشكيل 15 لجنة فرعية. وسيكون لدى معظم العائلات الرئيسية في البلدة أعضاء في المجموعة الجديدة. وكانت النقطة الرئيسية العالقة تتعلق بكيفية ضمان أن تخضع مختلف المجموعات المسلحة في البلدة للسيطرة المدنية. ولك أن تسحب ذلك على عدد البلدات فيما يسمى "سورية الحرة" لتصبح لديك فكرة عما قد ينطوي عليه المستقبل.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 A Dispatch from "Free" Syria: How to Run liberated Town

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق