التدين والإبداع

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

محمودٌ أبو فروة الرجبي*

حينما ننظر إلى قوائم المبدعين والناجحين في المجتمع، خاصة في مجال الفنون والآداب، فإنه قلماً نجد متديناً مبدعاً في هذه المجالات. وقد يقول قائل: هل تستطيع أن تكشف عن قلوب الناس ومعرفة ما فيها، لتفرق بين متدين وآخر؟ الإجابة طبعاً لا. ولكن حينما تختلط في هذه الأوساط تعرف أن ما أقوله صحيح. وهدفنا من الموضوع ليس تفريقيا، ولكن من أجل إزالة ما يؤثر على الإبداع ويثبطه في الخطاب الإسلامي.
ما دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو ما لاحظته سابقاً من بعد عن الدين عند عدد هائل من الأدباء والفنانين. وحينما كنت أزور بعض الجهات التي لها علاقة بإنتاج الأفلام القصيرة، على سبيل المثال، كنت ألاحظ الشيء نفسه هذا داخل الأردن. وحينما اطلعت على بعض إنتاجات هذه الأفلام في إحدى الجامعات المصرية، فوجئت من العداء الشديد للمتدينين عند من تمكنت من الإطلاع على إنتاجهم هناك. هذا إضافة إلى أنك حينما تطلع على سير بعض المشاهير، والفنانين، والأدباء، تجد أنهم في مراحل معينة من حياتهم إما كانوا من رواد المساجد، أو انتموا إلى إحدى الجماعات الإسلامية.
إذن، ماذا يحصل؟ هل يبدأ المبدع والفنان حياته متديناً ثم ينقلب، أم أن هناك شيئاً ما يحصل في مسيرته يجعله يحول المسار؟
الحقيقة، وبناء على ما قمت به من مسح سريع لعدد من المبدعين، وكذلك من خلال استذكار قصص بعضهم، فإنني توصلت إلى ما يأتي:
أولاً: هناك خطاب إسلامي يعادي –غالباً- الفنون والآداب. وهذا يؤدي بالمبدعين في هذه المجالات إلى الدخول في صراع مع الناس من أجل ما ينتجونه، وغالباً ما يتعرضون للنقد الشديد من قبلهم، والاتهام بأنهم يقومون بارتكاب المحرمات. والمبدعون أمام ذلك إما يتركون الإبداع، ويتوقفون عنه تماماً، أو يقررون إراحة رؤوسهم والابتعاد عن أوساط المتدينين، أو يضطرون إلى العيش ضمن سياسة الوجه المزدوج؛ فهم يبدعون سراً، ويقدمون للآخرين ما يرضيهم علناً. هذا عدا عن تأنيب الضمير، والشعور بالذنب، وبأنه يقترف المحرمات. وهذا كله يقلل من الإبداع، ويجعل من المبدع يعيش في دوامة من الصراع غير المريح، وهم بذلك يكونون ما بين مطرقة الضمير وسندان الناس.
والغريب أن قمع السلطات والأجهزة الأمنية يهون ألف مرة عن القمع الاجتماعي. والتجارب تثبت أن غالبية الناس في العالم الإسلامي يحرّمون ما أحل الله في بعض الأحيان، ولا يتعاملون مع المنتجات الإبداعية بعقلية متفتحة، بل بعقلية الاستمتاع بالتحريم، ثم يخرج من يقول لك: لماذا يسيطر العلمانيون على عالم الإبداع؟ مع أن الإجابة بديهية.
ثانياً: تلاحظ من خلال تتبع الخطاب الإسلامي أن هناك تشجيعاً دائماً على الانغماس في العلم الشرعي، وهذا ليس فيه شيء، ولكن المشكلة أن من يتصدى للمجالات الأخرى، ويسعى للإبداع فيها، يتعرض للانتقاد. وقد لاحظت مثلاً من خلال عملي في رعاية الموهوبين أن هناك طفلة تحمل مسبحة إلكترونية تعد المرات التي تسبح فيها، فذهلت حينما علمت أن معلمتها تقول لها إنه يجب ألا تضيع ثانية واحدة بدون تسبيح. ولا أدري من أي جاءت بالدليل الشرعي على ذلك، وهل ستجد تلك الفتاة وقتاً لتقرأ، وتطور هواياتها، ما دامت قد زرعت فيها تلك المعلمة أنه يجب ألا نفعل إلا هذا؟
ورغم أن هناك حساسية منا -نحن المسلمين- تجاه حصر الإسلام بالشعائر، وننفي ليل نهار أن الإسلام دين شعائري فقط، ولكن ما يحصل على أرض الواقع عكس ذلك. فهناك تطرف شديد من البعض في حصر الإسلام في هذه الأمور، وهذا يؤثر على الإنتاجية بشكل عام، ومن ضمنها الإنتاج الابداعي. وقد  صدمت في إحدى المرات من أحد الأصدقاء الفنانين التشكيليين حينما توقف عن ممارسة الفنون بناء على طلب من إمام المسجد الذي جعله يعيش في صراع نفسي، حينما راح يتذكر المكافآت المالية التي حصل عليها في حياته، والتي تصب في باب الحرام، ويتساءل عن الكيفية التي سيتخلص فيها من المال الحرام الذي حصل عليه في حياته، وقد انتهى به المطاف إلى العمل في مهنة لا علاقة لها بالفن.
وزاد الطين بلة ما قام به بعض الفنانين من وصف أنفسهم تائبين من الفن، مع أنه كان أفضل القول التوبة عن الممارسات الخاطئة في الفن، لأن الفن ليس عيباً أو عملاً محرما كي يتوب منه الإنسان، فهو وسيلة يمكن أن تستخدم في الخير أو عكس ذلك، وهذا كله رسخ في أذهان الناس حاجزاً بينهم وبينه.
وفي هذا المقام لن أعيد ما أردده دائماً من رعب وخوف بعض علماء الدين من تصحيح مفهوم الحلال والحرام عند الناس، ومجاراتهم في تحريم ما أحل الله، خوفاً على شعبيتهم ومحبتهم في قلوب بعض الناس الذين يستمتعون بالتحريم، ويهربون من الذنوب إلى تحريم كل شيء، من خلال ما نطلق عليه "نظرية التطهير".
من المهم للخطاب الإسلامي أن يتخلى بشكل تام عن مهاجمة الفنون والآداب، وأن ينتقل من هذه المهاجمة إلى انتقاد ما هو سيئ من المنتجات الأدبية والفنية. ومن الرائع أن يكون النقد موضوعياً، وله علاقة بالإبداع بالدرجة الأولى. وكذلك، فإنه لا بد من ترشيد العبادة، والرجوع إلى الأساس الذي بنيت عليه الحياة، وهي العمارة والإنتاج، أما الدروشة، والانغماس ليل نهار بالعبادة، مع إهمال الدنيا، فهذا كله مخالف للشرع، ولمقاصده الكريمة.
ومرة أخرى نشير إلى بعض الناس الذين يرتكبون ذنوبا كثيرة، فيشعرون بالراحة حينما يهاجمون أي شيء يعتقدون في دواخلهم أنه حرام، ويظنون أنهم بهذا يكفرون عن هذه الذنوب. وهنا، فإن الفن والأدب هما أفضل وأخصب مجال يمكن توجيه السهام له.
وهنا لا بد من التأكيد على أنه من المهم زرع هاجس الإنجاز والإنتاج في عقول الأطفال والكبار، فنحن نعيش في تخلف كبير، والغرب يتفوق لا بد أن يرقى الفنانون والأدباء بأعمالهم لتخاطب الوجدان والمشاعر الجمعلينا، والوقت يعني بالنسبة لنا زيادة الفجوة بيننا وبينهم.
لا بد من مصالحة بين الخطاب الإسلامي وبين الفنون والآداب. وفي الوقت نفسه، لا بد أن يرقى الفنانون والأدباء بأعمالهم لتخاطب الوجدان والمشاعر الجميلة، وبذلك نصل إلى مجتمع متصالح مع نفسه، ووقتها يمكن أن نجد عدداً لا بأس به من الفنانين والأدباء المتدينين، أو على الأقل الذين لا يحملون أفكارا معادية للمتدينين.


*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا ابداع مع التدين..للاسف (سفيام)

    الاثنين 16 تموز / يوليو 2012.
    في الظروف الحالية هناك تناقض صادم بين التدين والابداع، اقول ذلك وانا والحمد لله مسلم مؤمن.
    الابداع يتطلب اعطاء العقل حرية كاملة ليحلق، فيما الدين-هذه الايام- أوشك ان يحرم كل شئ لم يرد في السنة وعند السلف، وحتى في حالة التحليل يكون ذلك مقيدا مكبلا بشرط ثقيل مثل "في حدود الشرع" او بما لا يخالف الدين او بشرط ان يكون نافعا وعديم الضرر. وهذه الشروط يحددها بالطبع رجال الدين المشايخ.
  • »أوافقك التفكير (Dr. Mohammad)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    بارك الله فيك أخ محمود، روعة المقال آتية من روعة كاتبه و اسلوبه في الطرح. فأنت تتطرق لأمور قلما يتطرق إليها أحد ..وهذا بحد ذاته إبداع.

    دعني اشارك بوجهة نظري المتواضعة وهي أن كلمة إبداع حينما تتعلق بالفن يخطر على بال الكثير من الناس الدخول في المحرمات وهذا لغط وخلط ينبغي الإنتباه إليه.

    قبل أيام قليلة كاد أحد مبدعي الاردن أن يكون موهبة العرب وذلك من خلال مشاركاته في أقوى برامج المواهب العربية على الأطلاق ..فقد قام المبدع حسن الميناوي بإختراع آله موسيقية من الشلمونه أو مصاصه العصير وأطرب وأذهل الملايين!! هل هذا ينافي الدين ؟...هل نقول له أن صلاته غير مقبوله و إن ما فعله يعد رجس من عمل الشيطان وعليه التوبة إلى الله ؟
    هل فكرنا أنه في حالة تبني إحدى الجهات المعنية لهذا الاختراع البسيط فسنكون وفرنا أداة تسلية موسيقية للكثير من الأطفال الذين لا يقدرون على إقتناء الأداة الأصلية ؟

    أعتقد اننا بحاجة لنكون أكثر موضوعية في تفكيرنا!

    شكرا على هذا المقال الرائع .