أضرحة مالي والمسجد الأقصى ومساجد سورية والعراق

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

أسامة شحادة*

لا تتوقف نشرات الأخبار والصحف عن التنديد بعمليات هدم الأضرحة في مالي من قِبل جماعات متطرفة، على اعتبار أن هذه الأضرحة تعد من التراث العمراني العالمي، وهو ذات السبب الذي تبرر به تلك الجماعات المتطرفة هدمها للأضرحة، رداً على قرار منظمة اليونسكو إدراج تمبكتو على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
ومع عدم قبولي بمنهج هذه الجماعات المتطرفة، إلا أن الاهتمام العلماني العالمي المبالغ فيه بهذه الأضرحة (الدينية) التي تشيع فيها أجواء الخرافة والشعوذة، أمر يتناقض جذرياً مع الحداثة والتقدم اللذين تبشر بهما المنظومة العلمانية! كما أن الاهتمام بهذه الاضرحة بدون بقية المساجد الإسلامية التي تنتهك حرماتها جهاراً نهاراً، أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام!
بداية، فإن الإسلام لا يقر بوجود الأضرحة، بل يحرمها ويحاربها؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (رواه مسلم).
وها هي مقبرة البقيع التي دفن فيها جل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، لم يعرف عنهم أنهم بنوا ضريحاً لميت منهم.
ولقد ارتبطت الأضرحة عبر التاريخ بالخرافات والشعوذة والأعمال المنافية للدين والخلق، ويكثر عندها ممارسة الشرك والبدعة، وهي وسيلة لأكل أموال الفقراء والبسطاء ظلماً وعدوانا وبالحرام من قبل سدنة الأضرحة.
ففي مالي، تم تدمير إحدى البوابات القديمة والمغلقة منذ عقود في مسجد "سيدي يحيى"، والتي يعتقد العامة هناك أن فتح هذا الباب سيكون بداية يوم القيامة! ولاحظ مقدار الخرافة في هذا المعتقد. فهذا المسجد بني في القرن الخامس عشر الميلادي، أي بعد توقف الوحي بـ700 سنة، فمن أخبرهم بذلك؟ ومن أين جاءت هذه الخرافة؟
وكنتُ شاهدت على "الجزيرة الوثائقية" برنامجاً عن بوابة لضريح في باكستان، يعتقد الكثيرون أن عبوره يفتح لك باب الجنة، وهو لا يفتح إلا ليلة في السنة، ولذلك يتجمع مئات الآلاف سنويا لعبوره! وهذه خرافة لا أصل لها، ولكنها ثقافة الأضرحة.
ولما طمّت البدع والمنكرات في مواسم احتفالات الأضرحة بمصر. وقد قام المجلس الصوفي الأعلى في مصر بإصدار تعليمات برنامج الاحتفال بالمولد الزينبي لسنة 2005، نشرتها مجلة التصوف الإسلامي في العدد 320، جاء فيها:
1 - عدم استخدام الآلات الموسيقية في مجالس الذكر.
2 - عدم اختلاط النساء بالرجال، وضرورة عمل سواتر داخل الخيم التي تتواجد فيها نساء.
5 - نظافة المساجد وطهارتها وعدم الطهي فيها، وعدم تعطيل شعائر الصلاة".
مما يدل على أن الممارسات القائمة حول الأضرحة حالياً: استخدام الموسيقى، اختلاط الرجال بالنساء، تعطيل الصلاة! فضلاً عن تعاطي الحشيش وارتكاب الموبقات، وهي مظاهر موثقة في العديد من البرنامج الوثائقية والتقارير الصحفية عن احتفالات الأضرحة.
وفي رواية "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، تصوير لواقع الأضرحة وتلاعب سدنتها بالناس، وكيف أنها ترسخ الجهل والخرافة بين الناس باسم الدين والبركة والولاية، والدين والبركة والولاية أبرياء من هذه الشركيات والشعوذات والخرافات.
فالغريب أن تحرص المنظومة العلمانية على استمرار الأضرحة وطقوسها السيئة، فتجد من الرعاية والحفاوة والدعم والمشاركة على كل المستويات، إذ تتعدد مشاركة السفراء "الخواجات" في مناسبات الأضرحة والموالد في مصر والمغرب والجزائر وغيرها، بل وتعتبر مدعية المحكمة الجنائية الدولية أن تدمير الأضرحة في مالي يشكل "جريمة حرب"، في الوقت الذي يتعرض فيه المسجد الأقصى المبارك لسلسلة متواصلة من التدمير وحفر الأنفاق تحته عبر عقود، ولم نسمع للمحكمة الجنائية صوتاً!
وها هو الأردن ينجح مؤخراً في حماية مدينة القدس القديمة وطريق باب المغاربة بضمّها ضمن التراث العالمي المهدد بالخطر، على غرار أضرحة مالي، ولننتظر موقف المحكمة الجنائية من تعديات إسرائيل المتواصلة واعتبارها جريمة حرب. ولكن التاريخ علمنا أن مواقف هذه المحاكم مسيس بحسب المصالح، وليس باحثاً عن العدالة والحق.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه وكالات الأخبار بهدم أضرحة مالي، لا نجدها تهتم بهدم مساجد سورية بقذائف الدبابات والصواريخ الحكومية التابعة لبشار؛ مساجد تهدم على رؤوس المصلين، ومصلون يحاصَرون في المساجد ويتعرضون لنيران القناصة، هذا خبر لا يهم ولا يحفل به أحد، تلك المساجد التي هي محضن الثورة والثوار من أول يوم، والتي انطلقت من المسجد العمري بمدينة درعا وإمامه الشيخ أحمد الصياصنة.
ومنذ دخول الأميركيين إلى العراق، تعرضت المساجد لحملة من الاعتداءات الطائفية بالحرق والقصف، وتم تحويل عدد من المساجد السنية إلى مساجد شيعية من قبل ميلشيات جيش المهدي وفيلق بدر، وتواصلت الاعتداءات وكثرت، ووثقها كتاب "مساجد في وجه النار"، حتى أنها بلغت بحسب مصادر الوقف السني 190 مسجداً تم الاستيلاء عليها وتحويلها من ملكية أهل السنة إلى الشيعة، وذلك تحت بصر وسمع الحكومات الشيعية التي تزعم محاربة الطائفية والمحاصصة!
إن الاهتمام بالأضرحة في مالي على حساب المسجد الأقصى والمساجد في سورية والعراق، مؤشر على استمرار مخططات بعض مراكز الدراسات الغربية، مثل مؤسسة راند، بدعم وتقوية الاتجاهات المنحرفة كبعض الطرق الصوفية التي تقبل أن تبقى في إطار الفولكلور والتراث، بتقديم الاستعراضات الفنية للسياح الأجانب! في وجه التيار الإسلامي الذي يسعى إلى استعادة الكرامة والحرية، ويعمل لنهوض وتقدم الأمة الإسلامية على مختلف المستويات.


*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يا اخ اسامه (ابوهاشم)

    الأربعاء 18 تموز / يوليو 2012.
    اسمح لي بأن اقول لك بأنك مخطئ , فحديث رسول الله واضح كل الوضوح وهو ان من كان قبلنا كانوا يتخذون قبور انبيائهم مساجد اي يسجدون لها والصحيح انه لا سجود الا لله , لذلك عندما اراد الصحابي شرحبيل بن حسنه ان يسجد لرسول الله لانه كان قبل اسلامه نصرانيا وكان من عادة النصارى ان يسجدوا لكبرائهم , عندما اراد ان يسجد لرسول الله نهاه رسول الله عن السجود له وقال له السجود فقط لله , وهذا هو مغزى الحديث وليس بنتاء الضريح و قبر رسول الله كان مسنما في السابق , لذلك وجب الفصل بين بناء الضريح وبين السجود للضريح ولمن في الضريح , و الله من وراء القصد
  • »هيك مزبوط (عنابي)

    الاثنين 16 تموز / يوليو 2012.
    جزاك الله الخير ويسلم اللي مثلك ويا ريت لو انك تعرضت لموضوع المسلمين في بورما ولماذا لم يهتز اصحاب الضمائر فمن اولى حرمة عند الله الاحياء ام الموتى
  • »أحسنت وأجدت (الرصافي)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    جزى الله باحثنا المكرم خير الجزاء ، فقد أحسن وأجاد .
    فالعلمانيون لا يجدون حرجاً في وثنية وخرافة اصحاب المراقد والاضرحة ، في الوقت الذي يسكتون فيه عن ضرب اصحاب المنهج العلماني ( بشار) والمنهج القبوري ( جيش المهدي) لبيوت العبادة الاسلامية والمصلين ، وهذا يعني ان القيم والمبادئ التي ينادون بها كالحريات وحماية التراث ما هي الا واجهات مهترئة للهجوم على الدين والترويج لنسخة مشوهة من الاسلام قوامها القبور والاضرحة والخرافة
  • »صدقت والله (احمد حسن)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2012.
    والله صدقت فيما تقول
    كلامك عالعين والرأس 100%