العالم والأزمة الأوروبية

تم نشره في الاثنين 18 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

إبراهيم شكري دبدوب*
الكويت - يبدو أن قادة العالم لا يرغبون في قبول الحقيقة، وهي أن العاصفة الهوجاء التي تضرب أوروبا تعد الأخطر منذ سقوط بنك "ليمان براذرز"، وأنها ستقود العالم إلى أسوأ مما كان عليه الوضع في العام 2009، وستبقى آثارها معنا لزمن طويل.
إذ ما يزال اصحاب القرار يتعاملون مع الأزمة الأوروبية وكأنها محصورة في اليونان، ولن تبتلع أوروبا بأكملها. صحيح أن الاقتصاد اليوناني صغير نسبيا، ومديونيته لا تتعدى 370 مليار يورو، ويمكن لصندوق الإنقاذ الاوروبي احتواؤها، لكن ماذا عن إيطاليا؛ من ينقذها؟ فالمديونية الإيطالية وحدها تقارب 2 تريليون يورو. وبالطبع، إذا ما انهارت إيطاليا فلن تصمد إسبانيا طويلا، وسيلف القلق فرنسا التي تتبنى أصلا برنامجا تقشفيا في محاولة للاحتفاظ بتصنيفاتها الائتمانية.
كما أن قادة العالم ينظرون إلى الأزمة وكأنها ناجمة عن سوء إدارة مالية. وعلى الرغم من صحة ذلك، إلا أن جذور الأزمة لا تقف عند حكومة دولة ما، بل إنها تطال الأسس التي قام عليها الاتحاد الأوروبي. فالمديونية المتزايدة هي نتاج لعلة أكثر عمقا، ألا وهي تنافسية أوروبا المتدهورة؛ إن كانت بين الدول الأوروبية نفسها، أو حتى بين أوروبا والعالم، وهو الأهم. وتدهور التنافسية الذي تعاني منه أوروبا هو انعكاس مباشر لعدم قدرة الأوروبيين على خفض قيمة عملتهم، وبالتالي مجاراة النمو في الإنتاجية الألمانية. لكن الأسوأ أنه لا يمكن لأوروبا حل هذه المعضلة إلا بثمن باهظ جدا، يتمثل في انخفاض الرواتب والطلب في المدى الطويل، وهو ما سيتطلب بدوره المزيد من التقشف المالي. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأن الأزمة الأوروبية ستطول لسنوات عديدة.
من جهة ثانية، هناك اعتقاد بأن أوروبا غنية، وباستطاعتها حل أزمتها وحدها. وهذا اعتقاد خاطئ لسببين: أولا، وبخلاف ما يظن القادة الأوروبيون -أو بالأحرى ما يشتهون- فإن أوروبا الموحدة لا وجود لها إلا في خيال قادتها. إذ رغم الوحدة النقدية القائمة بين 17 دولة أوروبية، فإن الاتحاد الاوروبي أشبه بتجمع لدول مستقلة، بل حمائية جدا تجاه استقلاليتها. وحتى لو "اتحدت" هذه الدول على نسق الولايات المتحدة الأميركية، فلن يرضى دافعو الضرائب في أي دولة بأن تذهب أموالهم لتمويل رفاهية شعب آخر، أو حتى تمويل عجزه. وثانيا، مهما كانت الدول القوية ماليا بمنأى عن أي مشكلة في مديونيتها، فإنها تبقى عاجزة عن إنقاذ أوروبا بأكملها. وحتى لو أضفنا فرنسا إلى هذه الدول، فإن إجمالي مديونية الاتحاد الأوروبي يشكل ما نسبته 65 % من الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول.
الخطيئة الأخرى التي يرتكبها القادة، هي الاعتقاد بأن البنك المركزي الأوروبي باستطاعته حل الأزمة خلال يوم واحد. وإذا كان هذا صحيحا، فما الذي ينتظره إذن؟ في الواقع، إن ما يقوم به البنك المركزي الأوروبي من شراء سندات، وضخ سيولة في البنوك الأوروبية، لن يحل أزمة أوروبا إطلاقا، بل إنه على الأغلب منع وقوع الكارثة حتى الآن. وفيما يعتقد البعض أن قيام البنك المركزي الأوروبي بضمان كافة إصدارات السندات الأوروبية من شأنه أن يحل الأزمة الأوروبية، فإن ذلك -في رأيي- سينسف الاتحاد برمته. فهذا الاقتراح لا يتجاهل الاختلالات في التنافسية والنمو فقط، بل إنه أيضا سيقضي على ما تبقى من دعم تقدمه الدول الغنية للوحدة النقدية، لأنها تدرك أن أي ثمن سيترتب على هكذا خيار سيكون على حساب شعوبها.
أما الخطيئة الكبرى، فهي الظن أن الولايات المتحدة الأميركية في معزل عن أزمة أوروبا. ولا شك أن هذه أمنية لدى البعض، لاسيما هؤلاء الذين ينظرون إلى ارتباط الولايات المتحدة الأميركية بأوروبا من خلال العلاقات المباشرة على نسق حجم التجارة أو الاستثمارات أو الانكشاف المباشر على سوق الدين الأوروبي. فهل من المعقول أن ينسى هؤلاء أن مئات الملايين من الأميركيين والأوروبيين الذين فقدوا وظائفهم من جراء الأزمة المالية في الولايات المتحدة قبل أقل من ثلاث سنوات، لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الأزمة؟ فكيف، إذن، ستنأى الولايات المتحدة الأميركية، من حكومة ومصارف ومستثمرين وحتى عامة الشعب، عن تداعيات انهيار أكبر اقتصاد وأضخم قطاع مصرفي في العالم؟
في النتيجة، كلما قلت الخيارات ازدادت التمنيات. وهذا ما يمر به قادة العالم. ربما هم يسلمون بهذه الاعتبارات الخاطئة في رهان منهم على حصر القلق المتزايد في الأسواق، علّ ثقة المستثمرين تنقذهم من محنتهم. لكن بعيدا عن الأمنيات، يبقى على الولايات المتحدة والصين ومجموعة العشرين والأسواق الناشئة أن تتحضر للأسوأ، لأن الأسوأ قادم لا محالة.


*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني

التعليق