قبل زيارة الرئيس بوتين: روسيا تعيد التموضع في الشرق الأوسط

تم نشره في الأربعاء 13 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

تسفي مغين-INSS

الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى اسرائيل، والتي تثير التساؤل في أسرة الخبراء حول اهدافها، ستتم على خلفية التغييرات السياسية الجارية في منظومة العلاقات الخارجية الروسية وتعكس بقدر كبير الصور التي ترتسم مؤخرا في الساحة الدولة. وبالفعل، نشاط روسيا مكثف جدا في الساحة الدولية منذ تسلم بوتين منصبه كرئيس لروسيا، يخلق بالتدريج الانطباع بأن موسكو تعنى بإعادة تصميم سياستها. والى ذلك، يلوح أنه للشرق الاوسط، بشكل عام، ولإسرائيل، بشكل خاص، معد في هذا الإطار دور محدد. هذه المواضيع ستتضح بالتأكيد في اثناء الزيارة المزمع عقدها.
يبدو أن ساحة المساعي السياسية الأساس لروسيا الآن ليست اسرائيل ولا الشرق الاوسط بعمومه، بل الغرب، حيث تحولت جملة العلاقات الروسية – الاميركية الى ساحة مواجهة مركزية. يتبين أن جملة الخطوات غير المتماثلة الأخيرة لروسيا بالنسبة للولايات المتحدة تذكر بشيء ما بالأحداث التي سبقت الانعطافة في علاقات الدولتين في العام 2009، والتي تعرف باسم "إعادة البدء". هذه المرة ايضا يمكن أن نلاحظ تطورات مشابهة. الأزمة الحالية تطورت حول مسألة خطة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية (BMD) للناتو، والتي بدأت في أعقاب اللقاء الفاشل بين الناتو وروسيا في موسكو. يتبين أن اللقاء الذي عقد، لسبب ما، في موعد تسلم بوتين منصبه وانتهى، كما كان متوقعا، بعدم تحقيق تفاهم بين الطرفين، استغله الروس لإحداث أزمة. في هذا النطاق الغيت المشاركة المخطط لها لبوتين في مؤتمر الـ G-8 الولايات المتحدة، بما في ذلك لقاؤه مع الرئيس اوباما. بالمقابل، بدأت اتصالات روسية مكثفة مع حلفائها الاقليميين (روسيا البيضاء، كازخستان والصين)، والتي ترمز الى بداية تحريك عملية اقامة الاتحاد الاوروبي – الاسيوي الذي أعلن عنه بوتين في الأشهر التي سبقت انتخابه رئيسا. في خلفية اجتماع الناتو في شيكاغو، في تلك الايام، انطلقت ايضا اصوات حربية من خلال تجربة صاروخ باليستي روسي جديد. ولكن بالتوازي اطلقت رسائل حول رغبة روسيا في الانضمام، في هذه الطريقة أو تلك، الى الناتو (وبالتالي لعله ممكنا ربط القرار الجديد بزيارة بوتين الى ألمانيا وفرنسا). اضافة الى ذلك، انضمت روسيا بنشاط الى اعمال القوى العظمى الستة (5 + 1)، حيث تبدي سلوكا نشطا في موضوع البرنامج النووي الايراني. من غير المستبعد أن تكون روسيا تحث الى الامام خطوة دفع ايران الى تقديم تنازلات للأسرة الدولية، إحساس يتعزز في ضوء القرار لعقد اللقاء التالي لـ "الستة" مع الايرانيين، في موسكو في 18 حزيران من هذا العام.
من كل هذا يبرز الاستنتاج المحتمل في ان روسيا تنسج خطوة جديدة ترمي الى تحقيق تسوية مع الولايات المتحدة ومع الناتو . في هذا السياق، مقابل تنازلات معينة في موضوع الـ BMD وربما ايضا بالنسبة للتفاهم مع الناتو حول التعاون، سيجد تعبيره بعملة شرق أوسطية، أي، في الموضوع الايراني والسوري (ويمكن منذ الآن ملاحظة تغييرات في نبرة الموقف الروسي من سورية). تتبين بالتالي خطوة متداخلة تشبه جدا "اعادة البدء" المعروفة من العام 2009، والتي من المتوقع أن تتحقق حول اللقاء المرتقب في موسكو في 18 حزيران. وتجدر الاشارة ايضا في هذا السياق الى أنه في هذه الاثناء اتفق على لقاء بوتين واوباما في اطار مؤتمر الـ G-20 القريب المقبل.
والى ذلك تتجسد العلاقة الشرق اوسطية بالخطوات الروسية في الساحة الدولية. مكانة روسيا في هذه المنطقة تضعضعت في أعقاب احداث "الربيع العربي"، مع فقدانها لمعظم مواقعها التي انكبت على بنائها لسنوات طويلة. والآن تجد روسيا نفسها امام تحدي صعود قوة الاسلام ومعزولة في العالم العربي. عمليا، دحرت الى الدفاع عن المعسكر الشيعي في ضوء الضغط السني المتعاظم، المسنود، حسب الفهم الروسي، من الغرب. اضافة الى ذلك، يتواصل الميل الخطير في نظر موسكو، والذي يسمى "انتشار الناتو شرقا". هذه المرة يؤدي الامر الى تفاقم وضع روسيا الاستراتيجي في منطقة حدودها الجنوبية، في القوقاز، والذي يتحداه محور مناهض لروسيا ومناهض لايران يضم دول المنطقة – جورجيا واذربيجان بإسناد اميركا وتركيا. هذه الاخيرة تنشط ضد المصالح الروسية، اضافة الى جنوب القوقاز في الشرق الاوسط ايضا، مثلما في منطقة البحر المتوسط، حيال اليونان وقبرص، حيث يتبلور جهد استراتيجي روسي آخر.  الموضوع الاقتصادي هو الاخر لا يغيب عن هذه القائمة، على خلفية الخلاف مع تركيا حول انتاج الغاز في البحر المتوسط ومسارات تسيير مصادر الطاقة الى اوروبا.
في هذا الواقع الجديد، يبدو ان لروسيا مصلحة في تغيير سياستها في الشرق الاوسط ايضا حين يطرح الموضوع في نقاش روسي داخلي مشحون. من المسائل على جدول الاعمال – الحاجة الى بديل عن المحور الراديكالي في الشرق الاوسط، المدعوم من روسيا والذي يتفكك امام ناظريها، وكذا ايضا إقامة روافع تأثير جديدة في هذه المنطقة الحيوية بدلا من تلك التي فقدتها.
كيف يندرج الموضوع الاسرائيلي في التطورات المطروحة؟ يبدو أن روسيا تلاحظ انه في هذا الواقع الجديد توجد هي مع اسرائيل في قارب واحد، الامر الذي يسمح لها بان ترى في اسرائيل شريكا مرغوبا فيه في المنطقة. الاساس لذلك، اضافة الى لقاء المصالح السياسية المحتمل، يدعمه هامش علاقات قريبة وطاقة كامنة ايجابية في جملة مجالات حيوية لروسيا: الاقتصاد (مع التشديد على انتاج الغاز)، التكنولوجيا والامن. كل هذه، بوسعها أن تساهم في توسيع التعاون السياسي.
الى ذلك يلوح ايضا ان مصلحة روسيا في تقدم تعاون استراتيجي مع اسرائيل وذلك بإقامة محور سياسي إقليمي جديد، يحتمل بمشاركة دول اخرى. المرشحون الذين يذكرون هم اليونان وقبرص وربما ايضا بعض من دول البلقان. مثل هذا المحور، اذا ما تجسد، سيسمح لروسيا بأن تقيم روافع نفوذ جديدة بوسعها أن تؤدي الى رفع مستوى مكانتها في الشرق الاوسط وفي الحوض الشرقي من البحر المتوسط، في ظل خلق تحدٍ لتركيا وفي ظل التقدم بجملة من المصالح، بما فيها الاقتصادية، المرتبطة بمصادر الطاقة. وبالطبع، هذا المحور لا يلغي التعاون الروسي القائم مع ايران وسورية، والتي ستستمر العلاقات الطيبة معهما. فضلا عن ذلك، فإن تمترس روسي موازٍ على هذه المحورين سيدفع الى الامام مكانتها في المنطقة ويخدم تطلعها للوصول الى مكانة متساوية لمكانة الولايات المتحدة.
بالطبع، لموقف الولايات المتحدة من كل ما وصف اعلاه وزن حيوي بل وربما حاسم. في هذا الموضوع يوجد في روسيا من يعتقد بانه طرأ برود ما في علاقات اسرائيل – الولايات المتحدة وانه سيكون من مصلحة اسرائيل تطوير تعاون مستقل مع لاعبين اضافيين وبذلك التأثير على ميزان القوى في صالحها.
وختاما، في الفترة المنظورة، يمكن توقع تطورات اخرى بالنسبة لاعادة تصميم السياسة الخارجية الروسية سواء على المستوى العالمي ام في منطقة الشرق الاوسط، بما في ذلك في الساحة الاسرائيلية. معقول ان يكون على الاقل جزء من المواضيع التي بحثت هنا ضمن جدول أعمال زيارة الرئيس بوتين الى اسرائيل.

التعليق