مهرجان فوانيس يواصل فعالياته بالمركز الثقافي الملكي

"تشكيل وكلمات" أمسية تجمع بين الفن والكلمة بأسلوب مبتكر

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً
  • الشاعرة الفلسطينية هلا الشروف خلال الأمسية التي أقيمت أول من أمس بالمركز الثقافي الملكي - (تصوير : أسامة الرفاعي)

سوسن مكحل

عمان- بعيدا عن الأجواء الكلاسيكية في قراءة الشعر وربما الطقوس الخاصة في الفن التشكيلي، أدهشت أمسية "فلسطين- تشكيل وكلمات"، بعرضها أول من أمس على خشبة مسرح محمود أبو غريب بالمركز الثقافي الملكي جمهورها المحتفي بالشعر والفن معا.
وجاءت الأمسية التي قدمها الشاعران الفلسطينيان هلا الشروف وعامر بدران ضمن مهرجان "فوانيس" أيام عمّان المسرحية مختلفة بالشكل والمضمون، إذ رافقها عمل فني ارتجالي للفنان التشكيلي الأردني الزميل غسان مفاضلة.
وبأنامل تقرأ الحس والبصيرة في الكلمات والمعاني بدأت ريشة مفاضلة وبألوانه الصارخة رسم الكلمات الشعرية التي قرأها الشاعران على اللوحة، مستهلا أولى ضرباته بدوائر هائلة وكأنها خانقة للحديث والصوت.
واستهل الحفل الشعري المبتكر من قبل مهرجان "فوانيس" بقراءة الشروف لقصيدة "لا شيء ينقصنا هنا" وقالت فيها:
لا شيء ينقصُنا هنا..
فإذا مررنا فوقَ سفحٍ نستكينُ
وننتمي لهوائهِ
وللسعةِ البردِ التي تأتي من البحر القريبْ
لا شيء ينقصنا هنا
فإذا نزلنا صوبَ سهلٍ نستريحُ
ونستبيحُ ترابَهُ وشقائقَ النعمانِ
كي نهَبَ الأحبةَ جنّةً في الأرضِ
في قبرٍ رطيبْ
واثقينَ بما يجيءُ من السماءِ من الهباتِ
وواثقينَ بِحبَّةِ القمحِ الطريِّ وما ورثنا من غناء
وموقنينَ بأنَ حتفاً صاخباً سينالُ منّا
فلا نموتُ هنا هباءً أو سُدىً كالآخرينْ
وعلى مرأى الحضور الذي كان مشدود الانتباه للارتجال الفني الحاضر بالرسم الذي قدمه مفاضلة، قرأت الشروف قصائدها المتنوعة التي تحدثت فيها عن الوطن والحياة والموت وأسوار القدس، وأهدت الشاعرة الشابة قصيدة منها إلى روح  الشاعر محمود درويش قائلة:
 لا أحب المراثي.. يقول
لأن البلاد التي أنجبتني، سماوية لا تحب الرثاء
لا تحب المراثي يقول، ولكنني قد أحب البكاء
لأن البلاد التي أنجبتني، رمتني على طلل قرب حيفا، وقالت تمهل
فلا شأن للشعر بالأمنيات، ولا شأن للشوق بالأغنيات
ولا شأن لك بما هو لك
واستكمالا للوحة التي تدبجها ريشة مفاضلة راح الشاعر عامر بدران يسرد ترانيمه الشعرية مستهلا قراءاته بقصيدة "تعويذة" جاء فيها:
لكل منا تعويذتُهُ
وحروف يديه وقصتهُ؛
الشاعر يرسم نرجسةً
ويموت، فترسمه ابنتهُ
الراوي يرسم وجهاً ينطق كلمات بيضاء...
وأضاف بمقطع آخر:
والجالسُ في غرفته ليلاً يرسم شمعاً
وأنا أرسم فوق الورق الأبيضِ ضوءاً
لستُ أراه
ولا أدركهُ
لا أمسكهُ
لا أفلتهُ
لكل منّا تعويذتُهُ
وبين قصيدة سراب وذات خميس والجد، قرأ بدران قصيدة "مقطع من قصيدة" التي يستبدل فيها "ذاته" مع الآخر ليرى أنه هو "الآخر" فيقول:
أقرأ ما يكتب الناس في دفتر الانطباعات:
كان احتفالاً يليق بدم الفقيدْ
هذا الكلام المؤثر، لا، ليس عني
وأقرأ ما يكتب الشاعر المستجدّ لصوت المغني:
نموت، نموت ويحيا الشهيد
إذن، ليس عني
... وفي مقطع آخر يقول
أقرأ تحذير جيش الدفاع:
توقف!! أمامك حاجز تفتيش
منطقة لعبور المشاة.
فأفرغ جيبي من القطع المعدنية
أحمل تصريحي الخاص، تقارير الأشعة والهويّة.
يا أيها الضابط المتقاعد إني أرنُّ
سأخلع كل الملابس، لكنني سأرنُّ
على آلة الفحص
لأن الرصاص الذي أطلقتْهُ عليّ مجندة قبل عقدين
ما زال في عظم ساقي يرنُّ
قِف جانباً!!
يا أيها الضابط المتقاعد
لا أستطيع الوقوف طويلاً.. فساقي تئنُّ
ولكنني قارئٌ يتسلّى...
ويستمر بدران في طرح أوجاع "وطن" فيقول:
" ولدتُ لأقتل".... فيا أيها الظنُّ خُنّي
ويكمل بدران قصيدته قائلا:
أقرأ ما تكتب الشمس فوق النوافذ:
قمْ مسرعاً،... أما زلتُ أولدْ ؟
وأقرأ عيناً على الباب:
"حتى على الموت أحسدْ"
وأقرأ في اللوح ما قدّر الله لي،
وأقرأ ما أخذ الله مني
أأحلم؟.. لا، ليس عني.
وقبل أن ينهي مفاضلة انحناء ريشته على اللوحة الفنية التي توسطت خشبة المسرح، يستكمل بدران قراءاته ويقول في قصيدته "أصبحت فجأة، في الأربعين":
فجأة، تغيّرت إجابتي عن السؤال المستفزّ
كم بلغت؟
تغيّرت ملامحي ونبرتي
لم أعد أستخدم الحروف، ذاتها،
ولا أصابع اليدين، ذاتها،
وأنخفض الصوت الذي عندته مشاكسا
كأنني أنطق سعر سلعة
أو كأن بائعا يذكّر المدين
"أربعين.. أربعين".
ربما (اربعين اربعين) سنسمي اللوحة التي أنهاها مفاضلة ارتجاليا على خشبة المسرح واختتم فيها الأمسية الفنية؛ فتراها نابضة تحمل مراوغة شاب "فوق الاربعين" ومن زاوية أخرى تحكي الحلم عبر ألوان الحياة.
الزمن والأمكنة تروى بطريقة مؤلمة في لوحة مفاضلة، فلا الزمان يتغيّر على الأغلب ولا الأمكنة تتسع لنا، وكأنه كان قاصدا أن يخبر الحضور عبر ارتجال لوحته "الزاهدة بالضيق" أين نذهب بأرواحنا عندما تضيق بها النفوس وأي حيّز يتسع لها؟.
الأمسية رغم اختلاف البعض حول تشتيتها للمشاهد بين فن تشكيلي بصري وشعري سمعي، إلا أنها بالتأكيد جاءت كوثبة بعيدة حققت انتصارا فنيا بالغ الأثر في النفس.

التعليق