مصر: هل يستطيع مرشح مؤيد للجيش أن يفوز بالرئاسة بنزاهة؟

تم نشره في الجمعة 25 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً
  • أحد ملصقات الحملة الانتخابية لمرشح الرئاسة المصرية أحمد شفيق - (أرشيفية)

أبيغيل هوسلوهنر – (مجلة تايم) 22/5/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في إحدى ليالي الأسبوع الماضي، وقبل أيام وحسب من يوم الانتخابات الرئاسية المصرية، أصبحت الحديقة التي تقع إلى الخلف من المقر الرئيسي لحملة المرشح الرئاسي أحمد شفيق مسرحاً لنوبة صراخ كبيرة. وقد احتشد حوالي 150 متطوعاً حول طاولة خلف فيلا مقر الحملة التي تعود إلى الحقبة الكولونيالية وهم يصرخون بمطالبهم في وجه أحد منظمي حملة شفيق، عمرو حسين، الذي كان يعتلي الطاولة وينزف العرق بغزارة ويرد عليهم بالصراخ. صرخ رجل مطالباً بلافتات للحملة: "هذه هي المرة الثالثة التي أحضر فيها إلى هنا ولا أحصل على أي شيء". وتدعو امرأة، من جهتها، إلى تنظيم مسيرة آخر لحظة في حيّها "السيدة زينب" في القاهرة. ويصيح آخر مطالباً بتنظيم أفضل. ويصرخ آخر: "هذه الحملة فاشلة فاشلة!"
التوتر داخل حملة شفيق البائسة الإعداد عالي الوتيرة، لكن الجدل الدائر من حولها يظل أعلى حتى من ذلك. وهذا هو السبب في توتر الجميع. ذات مرة، كان شفيق قائداً للقوة الجوية للرئيس حسني مبارك. وطوال عقد تقريباً، عمل وزيراً للطيران المدني عند مبارك. ثم ولفترة موجزة، وفيما كان آلاف المحتجين يتدفقون على ميدان التحرير في القاهرة مع بداية العام الماضي، مطالبين، وفي نهاية المطاف مجبرين، مبارك على التنحي، كان آخر رئيس وزراء للدكتاتور المصري. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن أحمد شفيق يواجه عاصفة نارية من المعارضة كمرشح رئاسي في مصر ما بعد مبارك.
يقول شادي حميد، المحلل السياسي في مركز بروكينغز-الدوحة: "لا أعتقد بأنه يستطيع حتى التظاهر بأنه مرشح يؤيد التغيير أو يؤيد الثورة". وذلك شيء يوافق عليه منتقدو شفيق الآخرون. وهم يقولون إن شفيق هو مرشح الفلول الأخيرة –النظام القديم- (حتى إنه كان قد استبعد مؤقتاً من خوض غمار السباق)، كما أنهم يتنبأوون بأنه في حال فوزه في الرئاسة، فستكون ثمة إراقة دماء. وأصلاً، عم الصراخ وقذف الحجارة ودارت اشتباكات بين مؤيديه وبين معارضيه في عدة وقائع في الحملة. وتشكل الانتخابات التي جرت يومي الاربعاء والخميس الاختيار الديمقراطي الأول لزعيم في تاريخ مصر، لكن شفيق يمثل بالنسبة لأولئك الذين كانوا قد دعموا انتفاضة العام الماضي لإنهاء حكم مبارك الذي طاول 30 عاماً، كل شيء سعوا للإطاحة به.
ومع ذلك، لا يشعر شفيق بالخجل من ماضيه. لا بل إنه يتفاخر ويتباهى به في الحقيقة. ويقول بيانه الانتخابي القليل عن رؤياه بالنسبة للمستقبل، لكنه يقول للمصريين كل شيء يريدون معرفته عن ماضيه العسكري. وقد وعد بإعادة أمن ما قبل الثورة، وبأن يقوم بذلك بقبضة حديدية. وكان قد قال لمقدم البرامج التلفازية وائل الأبراشي في مقابلة في الأسبوع الماضي، في معرض تعهده بشن حملة على الاحتجاجات المعادية للمجلس العسكري في الغالب، والتي يقول إنها توقف حركة المرور وتشل العملية الانتاجية: "خلال خمس دقائق، ضربت القوات المسلحة مثالاً على ما تستطيع فعله عندما تريد أن تطهر منطقة ما". حتى إنه سخر من أهمية نفس النظام الديمقراطي الذي يأمل بخوض المنافسة على أساسه. وقال، مشيراً إلى فضيحة تتعلق بعضو إسلامي في مجلس الشعب المصري الذي انتخب مؤخراً: "لقد شاهدنا ما جلبته لنا الانتخابات -رجلاً أجريت له عملية تجميلية في أنفه ثم أدعى بأنه تعرض للضرب". ولعل ما يجعله يهدد إلى هذا الحد قبل أيام وحسب من الاقتراع هو أنه يتمتع بشعبية -ربما أكثر مما كان يُعتقد في البداية.
وكانت استطلاعات قليلة للرأي العام قد وضعت شفيق في المرتبة الثانية أو الأولى من بين 13 مرشحاً، ما يشير كما يبدو إلى صعود في شعبيته في اللحظات الأخيرة؛ (وإن لم يستطع أي مرشح أن يحصل على أكثر من 50% من الأصوات مباشرة في الجولة الأولى، فسيمضي المرشحان اللذان يفوزان بالمركزين الأولين إلى الجولة الثانية من الانتخابات في حزيران (يونيو) المقبل. ويقول المحللون إن إجراء جولة ثانية أمر محتم)، لكن استطلاعات الرأي العام تلقي ضوءاً ساطعاً على حقيقة غير مريحة للثورويين المصريين بعد 16 شهراً من سقوط مبارك: لم يكن الجميع يريدون ثورة.
وتجدر الإشارة إلى أن العديد من مؤيدي شفيق المحوريين هم من الرجال العسكريين والبيروقراطيين الحكوميين وأعضاء سابقين في الحزب الحاكم لمبارك. ويشكل هؤلاء الأغلية الصامتة —ما يدعى "حزب الكنبة"- كما تقول منّة حشاد، الناطقة باسمه: "إن النسبة الأكبر من الشعب المصري لم تشارك في الثورة". وتضيف " فعائلتي، على سبيل المثال، لم تشترك في الثورة أو في الانتخابات، وهم سيصوتون لأحمد شفيق".
ومنذ سقوط مبارك، تراجع اقتصاد مصر في غمرة الغياب المطرد للأمن. وصعدت فكرة أن مصر تحتاج إلى رجل قوي آخر ليعيدها إلى المسار، وهي فكرة يكررها في الغالب مؤيدو المرشح شفيق. وفي الحقيقة، يمثل شفيق الأمن بالنسبة للعديد من المصريين بطريقة لا يتوافر عليها مرشح النظام السابق القوي الآخر –والمنافس المفترض على نطاق واسع- عمرو موسى (وزير الخارجية السابق)، فهو عسكري بكل تصميم. ويقول محمد، منظم الحملة الذي يرفض الإفصاح عن اسمه الأخير لأنه ليس ناطقاً بلسان الحملة، واصفاً المناطق الريفية إلى الشمال والجنوب من القاهرة: "إن الناس في دلتا النيل وفي صعيد مصر يحبون العسكري أكثر من أي شخص آخر". ويضيف: "إنها الغريزة المصرية التي فطروا عليها".
ومنذ اندلاع الانتفاضة، ما فتئ التوصل إلى توافق مع المشاعر العسكرية في البلد هو الشغل الشاغل للسياسة المصرية. وما تزال مجموعة ظل من جنرالات مبارك، تعرف باسم المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية، هي التي تدير البلد منذ تنحي الرئيس القوي السابق، لكنها تواجه معارضة متنامية من جانب الإسلاميين والليبراليين وغيرهم من الناشطين الذين يتهمونها بسوء إدارة الانتقال السياسي على نحو فاضح. ومن جانبهم، رفض الجنرالات تقديم مرشح رئاسي، وهم يعدون بتسليم السلطة إلى الرئيس الجديد فور انتخابه. لكنهم أيضاً يبدون القليل من الرغبة في التنازل عن السيطرة على الامبراطورية الاقتصادية الضخمة لصالح حكومة مدنية، أو في تعريض أنفسهم لاحتمال الملاحقة القضائية. (يتهم الناشطون  ومجموعات الحقوق العسكريين باساءة المعاملة على نحو مستشرٍ، بما في ذلك الحملات العنيفة ضد المحتجين والتعذيب وسجن الناشطين السياسيين). ومع ذلك، وإذا ما بدا أي مرشح مستعداً للمحافظة على مصالح الجيش، فإنه أحمد شفيق، لا غير.
ولأعوام، درجت الصحافة التي ترعاها الدولة على تصوير الرجل (الذي يدعوه مؤيدوه تحبباً "المشير الجوي") بأنه مخلص لكل ما هو عسكري، وبأنه عدو لكل ما هو نشاط تجاري وخصخصة. وعندما تخلى عن الزي العسكري ليصبح وزيراً للطيران "أحاط نفسه برفاق عسكريين"، وفق مقال نشر في الأهرام ويكلي في شباط (فبراير) من العام الماضي. وقال محمد، منظم الحملة: "إن معظم الناس الذين أتعامل معهم من العسكريين".
ويقر العديد من مؤيدي شفيق بأنهم يتوقون للعودة إلى النظام القديم. ولعلها هذه المشاعر الجامحة هي التي يعول عليها الموظفون العاملون معه عندما يحثون المؤيدين الآخرين على عدم القلق كثيراً من التنظيم البائس للحملة. وقال ابراهيم مناع، الضابط السابق في سلاح الجو، لمجموعة من المتطوعين المهتاجين أمام مكتبه في المقر الرئيسي للحملة: "إن الناس سيصوتون لصالح أحمد شفيق، لأن الشعب المصري يعرف من هو". وأضاف إن مواكب السيارات واللافتات ليست كل شيء، لأنه مع شفيق يعرف المصريون أصلاً على ماذا يحصلون. وقال لهم أيضاً: "إذا كنتم تريدون المساعدة حقاً، فإن الطريقة التي تستطيعون المساعدة من خلالها ستكون يوم 23 و24، فاذهبوا وأحضروا أصدقاءكم وأقاربكم للتصويت لصالح أحمد شفيق".
صحيح أن كل مرشح يكون قد أسس لنفسه هوية عند هذه النقطة في السباق، كما يقول شادي حميد من مركز بروكينغز في الدوحة. ويضيف: "عمرو موسى هو مرشح التغيير، لكن ليس الكثير جداً من التغيير. وعبد المنعم أبو الفتوح هو مرشح التغيير، ولكن مع دعوة  التسامي على الانقسامات الحزبية -من نوعية أوباما. ومحمد مرسي هو مرشح "نحن نصوت للإخوان المسلمين"، أما أحمد شفيق، فهو مرشح الحنين إلى النظام القديم".
لكنه إذا كان الحنين إلى النظام يشكل أحد العوامل، فكذلك أيضاً هي الضربة الارتدادية الإسلامية. ويقول رجب عبد الوارث، الذي يعمل في الانتاج الحربي: "أحبه لسبب واحد فقط: أريد واحداً يتصدى للإخوان المسلمين". وذهب مؤيد آخر لشفيق، وهو ضابط جيش متقاعد يدعى عوض أحمد محمد، خطوة أبعد من ذلك بالقول: "يجب عليه الزج بالإسلاميين ثانية في السجن، لأنه المكان الذي ينتمون إليه".
وفي الحقيقة، عمل برلمان مصر الجديد الذي يهيمن عليه الإسلاميون إلى جلب حقيقة الحياة بعد مبارك إلى وضع مريح جداً لأي شخص يعتقد بأفضلية إدارة الأشياء بالطريقة السلطوية. وقد ظهرت جماعة الإخوان المسلمين التي كانت محظورة في السابق كأكثر حزب سياسي منظم، وهي تقدم مرشحها الخاص للرئاسة، محمد مرسي. ويعد أبو الفتوح، العضو السابق في الجماعة واحداً من النافسين الرئيسيين، وقد فاز أصلاً في السجل التمهيدي للمقترعين الممتنعين عن التصويت. وسينطوي احتمال فوز أي من الرجلين على الأرجح على أخذ مصر باتجاه أكثر تقليدية بكثير، خاصة وأن البلد بصدد صياغة دستور جديد.
ويقول محللون ومراقبون انتخابيون إن لدى مؤيدي شفيق كل مسوغ لأن يكونوا قلقين. ويقول حميد إنه على الرغم من استطلاعات الرأي الأخيرة، فإن افتراضاً سيشيع في حال فوزه بأنه فاز على أساس التزوير، وتلك مخاطرة من غير المرجح أن يتبناها الجيش. ويقول المراقبون الدوليون إن تزوير الأصوات سيكون أيضاً صعباً في نظام يسمح راهناً بأن يتواجد المراقبون المستقلون والممثلون عن المرشحين المختلفين في كل مركز انتخابي. ثم مرة أخرى، أتاح السباق الرئاسي في مصر ما بعد مبارك حتى الآن، الكثير من الفضاء أمام المفاجآت.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Egypt: Could a Pro-Military Candidate Become President Fair and Square?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق