حان الوقت لمغادرة فريق أوسلو الفلسطيني!

تم نشره في الثلاثاء 15 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً
  • ياسر عرفات وإسحق رابين في حفل توقيع اتفاقات أوسلو برعاية كلينتون - (أرشيفية)

حسن عفيف الحسن – (ذا بالستاين كرونيكل) 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
أصبحت القيادات الحالية لفلسطينيي الضفة الغربية الآن رهينة، جسدياً وسياسياً ومالياً، لاتفاقات أوسلو التي كانت قد فاوضت عليها، ووقعتها، وروجت لها. وكانت مدينة أوسلو هي المكان الذي شهد إبرام "اتفاق السلام" السري بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد وقع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات "إعلان المبادئ" الخاص بالاتفاق في حديقة البيت الأبيض، في ضيافة الرئيس الأميركي كلينتون يوم 13 أيلول (سبتمبر) 1993. وفيما بعد، تمّ سجن عرفات، الذي باع صفقة أوسلو على شعبه باعتبار أنها "سلام الشجعان"، في مقره في رام الله، ويُزعَم بأن شركاءه الإسرائيليين في أوسلو هم الذين أعدموه بعد إنجاز دوره المتمثل في الاعتراف بدولة إسرائيل.
وقد وعد مفاوضو أوسلو الفلسطينيون شعبهم بأن الاتفاقات كانت خطة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، في حين أن بعض كبار أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية رفضوا هذه الاتفاقات، وخلص عدد من المثقفين الفلسطينيين والعديد من المراقبين الأجانب إلى أن أوسلو لن تذهب بالفلسطينيين إلى أي مكان. وقد انتقد إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني الأبرز، تلك الاتفاقات لأنها لم تعالج مسائل اللاجئين والقدس. وعلى الأثر، سخر أعضاء فريق أوسلو من سعيد وحظروا تداول كتبه في الضفة الغربية وقطاع غزة، بأوامر من عرفات، كإجراء انتقامي.
وكان من المعروف تماماً أن إسرائيل لم تتوافر أبداً على أي نية للتنازل عن القدس أو الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، لكن اتفاقات أوسلو قامت أيضاً بوضع المسألتين على الرف وتأجيل الخوض فيهما إلى ما يسمى "محادثات الوضع النهائي"، وهو ما لم يكن سوى ورقة توت غطت حقيقة الاستسلام لإسرائيل والتسليم لها في أهم القضايا وأكثرها مركزية. وكان قرار الأمم المتحدة رقم 194، الذي صدر يوم 11 كانون الأول (ديسمبر) 1948 قد أكد على حق اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا أو طردوا خلال الحرب في العودة إلى ديارهم. وقد تبنت الأمم المتحدة القرار 194 بالإجماع في العام 1948، وهو تطبيق مباشر للمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وبعد توقيع اتفاقات أوسلو، قالت الإدارة الأميركية في الأمم المتحدة في عهد الرئيس كلينتون، وهي التي كانت الراعي الرئيسي لأوسلو، إن قرارات الأمم المتحدة السابقة بشأن فلسطين أصبحت "بالية وعفا عليها الزمن" بعد التوقيع على أوسلو.
ووصف الصحفي الأميركي توماس فريدمان، الذي عرف بكتاباته المؤيدة لإسرائيل رسالة عرفات إلى رابين، والتي تعترف بإسرائيل، بأنها إهانة لعرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبأنها انتصار إسرائيلي حاسم على الحركة الوطنية الفلسطينية. وكتب يقول إن الرسالة "لم تكن بيان اعتراف. إنها خطاب استسلام، ونوع مكتوب من رفع العلم الأبيض، والذي تخلى به رئيس منظمة التحرير الفلسطينية عن كل موقف سياسي كان يحمله تجاه إسرائيل منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964". وقد تعهدت رسالة عرفات إلى رابين بتحمل المسؤولية عن جميع عناصر وأفراد منظمة التحرير الفلسطينية لضمان امتثالهم الكامل لاتفاقات أوسلو، ومنع اختراقها وتأديب المخالفين؛ وبإعلان إلغاء جميع مواد الميثاق الفلسطيني التي تنكر حق إسرائيل في الوجود.
وتوقع الصحفي الإسرائيلي داني روبنشتاين في ذلك الوقت عند توقيع أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية أن "الحكم الذاتي" التي يقبله الإسرائيليون للفلسطينيين هو حكم ذاتي "لمعسكر أسرى حرب، حيث يكون لدى السجناء (حكم ذاتي) في شؤون طهي طعامهم وتناول وجباتهم من دون تدخل، وتنظيم فعاليات ثقافية".
وفي 8 آب (أغسطس) من العام 1995، أعربت صحيفة فاينانشال تايمز عن استيائها من النمط غير العادل المتمثل في مصادرة إسرائيل للمياه، والذي لم يتغير حتى بعد سنوات من اتفاقات أوسلو. وكتبت الصحيفة: "لا شيء يرمز إلى انعدام العدالة في استهلاك المياه أكثر من مروج العشب الخضراء النضرة، وأحواض الورود المروية، والحدائق المُزهرة، وحمامات السباحة في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، في حين تم حرمان القرى الفلسطينية المجاورة من الحق في حفر الآبار". كما لم يكن الأستاذ نعوم تشومسكي، وهو من المتعاطفين مع الفلسطينيين، سعيداً بما تكشفت عنه الأحداث بعد أشهر قليلة من توقيع أوسلو أيضاً. وكتب يقول: "إن لدى الحكومة الإسرائيلية (تحت قيادة رابين) خططا لتوسيع نطاق ضم القدس الكبرى فعلياً ليصل إلى أريحا، مع وجود مشروعات بناء واسعة، وخططا لإنشاء المواقع السياحية على طول الشاطئ الشمالي للبحر الميت، وتخصيص نحو 700 مليون دولار للاستثمار في طرق جديدة لربط المستوطنات بإسرائيل".
وبعد منح فريق أوسلو مزية الشك، خلُص الزعيم الفلسطيني حيدر عبد الشافي إلى أن اتفاقات أوسلو والسلطة الفلسطينية سوف تخذل القضية الوطنية الفلسطينية وتفضي إلى إفشالها. ولأولئك الذين لا يعرفون، كان حيدر عبد الشافي هو رئيس الفريق الفلسطيني المفاوض في واشنطن، والذي قاطعته إسرائيل بسبب إصراره على ضرورة وجود التزام من جانب إسرائيل بالانسحاب من القدس الشرقية وتفكيك المستوطنات كجزء من أي اتفاقات مؤقتة يمكن قبولها. وقد اختارت إسرائيل التفاوض مع فريق أوسلو الذي وافق على طلب إسرائيل بترك البحث في قضايا القدس، واللاجئين والاستيطان إلى مرحلة "محادثات الوضع النهائي" للمفاوضات.
وقد عملت اتفاقات أوسلو على تقسيم الأراضي المحتلة إلى مناطق يسمح فيها للسلطة الفلسطينية بممارسة سلطات إدارية وأمنية مختلفة. وبالإضافة إلى المدن والمراكز التجارية والطرق السريعة المقامة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس والمخصصة لليهود فقط، ثمة العديد من الإخفاقات التي انطوت عليها اتفاقات أوسلو. فقد أعطت أوسلو لإسرائيل القدرة على تقسيم الفلسطينيين إلى مجموعات ذات تصنيفات مختلفة فيما يتصل بالأوضاع القانونية والأنظمة الأمنية تبعاً للمكان الذي يعيشون فيه. فهناك الفلسطينيون الإسرائيليون، وفلسيطينو القدس، والفلسطينيون الذين يقيمون بين جدار الفصل العنصري والخط الأخضر، والفلسطينيون في المنطقة (أ) أو (ب) أو (ج)، والفلسطينيون في قطاع غزة، ولاجئو العام 1948، ونازحو العام 1967، والفلسطينيون الذين جاءوا مع عرفات من تونس.
وإلى الآن، ما يزال فريق أوسلو في الضفة الغربية يعتقد بأن القضية الفلسطينية هي مسألة نزاع حدودي بين دولتين، لكن الحقائق على الأرض تشير إلى أن نضال الفلسطينيين اليوم هو صراع وجودي. فقد تبنى الإسرائيليون، بما في ذلك اليسار، لاهوت الحاخامات الذي يدعو إلى إقامة سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين على أساس "التاريخ اليهودي"، والعرق اليهودي، والديانة اليهودية. وينظر الإسرائيليون إلى المستوطنات، وخاصة في القدس، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من تراثهم الوطني المرتبط وثيقاً بما يسمونه "الماضي المجيد" لليهود. ويقيم بعض الإسرائيليين صلة بين الفلسطينيين الحاليين وبين الفلسطينيين في الكتاب المقدس -أو العماليق، وهم أمة ورد في وصايا الرب في التوراة، أن الله أمر الإسرائيليين بمحوهم من الوجود. وكتب الحاخام دوف ليئور، الحاخام الأكبر لمستوطنة كريات أربع في العام 2009: "يجب تنظيف البلاد وتطهيرها من العرب وإعادة توطينهم في الأماكن التي أتوا منها، وعن طريق دفع الأموال إذا لزم الأمر". وبسبب طبيعة التدريب العسكري العقائدي والديني، أصبح موقف جيل الشباب الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين أكثر تطرفا من آبائهم.
وتشير الأنباء الواردة من إسرائيل إلى أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية ستحظى بالشعبية إذا تم إجراء انتخابات مبكرة اليوم، وأن حزب بنيامين نتنياهو، حزب الليكود اليميني، سيكون هو الفائز. وطالما أن غالبية الشعب الإسرائيلي تؤيد النظام الأمني-العرقي، ولا تتحمل شيئاً من تكاليف الاحتلال، فإن الوضع الراهن في الأراضي المحتلة سيستمر. ونظراً لنجاحها في حكم سكان الضفة الغربية الفلسطينية من خلال وكيل السلطة الفلسطينية الذي تقوم بتمويله الدول المانحة والحصار المفروض على غزة، فإن إسرائيل لا تشعر بأي حاجة إلى تقديم أي تنازل للفلسطينيين، طالما أن فريق أوسلو يسيطر على السكان الفلسطينيين. ويعتقد الإسرائيليون الآن بأنهم يستطيعون إدارة الصراع إلى أن يصبح الفلسطينيون مستعدين لتسوية النزاع وفقاً لشروط إسرائيل.
وكان أحد مهندسي أوسلو، الإسرائيلي يوسي بيلين، قد كتب رسالة مؤرخة بتاريخ 4 نيسيان (أبريل) 2012 إلى شريكه الفلسطيني في أوسلو، محمود عباس (أبو مازن)، رئيس السلطة الفلسطينية. وجاء في الرسالة أن اتفاقات أوسلو استندت إلى "محادثات أبو مازن-بيلين"، ووصفت الرسالة الاتفاقات بأنها "عملية وعدت بأن تؤدي إلى تقسيم الأرض خلال بضع سنوات (ليس الانسحاب من الأراضي المحتلة)... وبالتوصل إلى حل رمزي واقتصادي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين (ليس وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194)". وذكّر بيلين عباس بأن السلطة الفلسطينية كانت مجرد مرحلة انتقالية للاتفاق، وبأنها "واحدة لا يمكنها ببساطة أن تستمر على أساس اتفاق مؤقت، لفترة أطول من 20 عاماً". وتقترح رسالة بيلين أنه إذا لم يتم حل السلطة الفلسطينية بعد عقدين من التوقيع على اتفاقات أوسلو، فإن الأراضي التي تديرها السلطة الفلسطينية سوف تصبح هي الدولة الفلسطينية بحكم الأمر الواقع.
وقد فشل فريق أوسلو في الوفاء بوعوده بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وتحت قيادة فريق أوسلو، فإن الغالبية العظمى من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة هم أناس فقراء، يعيشون على صدقات المانحين، خائفون من مصادرة أراضيهم، وعرضة لعمليات التطهير العرقي، وتشتيت الأُسر وهدم البيوت. وهم يعايشون تجربة الإذلال اليومي بينما يزحفون لساعات على الطرق المدمرة والمحاصرة التي خصصها لهم الإسرائيليون. ويعيش الفلسطينيون تحت الحكم العسكري في جيوب منفصلة، تحيط بها المستوطنات اليهودية الضخمة مترامية الأطراف، والطرق المخصصة لليهود فقط، والجدار العازل، أو أنهم يعيشون في قطاع غزة المحاصر، ويُترَك الملايين منهم مشردين بلا جنسية في مخيمات اللاجئين.
بسبب سياساته الفاشلة، جرّد فريق أوسلو نفسه، سياسياً وقانونياً، من الأهلية لقيادة شعبه. وقد حان الوقت لإعلان انتهاء "عملية سلام" أوسلو، والسماح لقيادة جديدة تفكر بطريقة مختلفة بأن تتقدم. وينبغي للفريق الجديد أن يرفض فرض مفاهيم الهيمنة اليهودية على ملايين الفلسطينيين، أفراداً أو مجموعات. وينبغي أن يطالب أيضاً بالمساواة في إطار دولة واحدة على كل أرض فلسطين التاريخية.

*محلل سياسي. كتابه الأخير، هو "هل مات حل الدولتين فعلا؟"، (ألغورا للنشر، نيويورك).
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Time for the Palestinian Oslo Team to Leave!

التعليق