الجوع في العالم خارج نقاشات الانتخابات الرئاسية الفرنسية

تم نشره في الثلاثاء 24 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

جون زيغلر* – (لوموند) 2012/4/20

 

ترجمة: مدني قصري

 

"كل ما يحتاج إليه الشر لكي ينتصر هو صمتُ الناس الصادقين،" هكذا قال الفيلسوف إدموند بيرك في القرن الثامن عشر. وفرنسا تنتخب اليوم رئيسها. ولا أحد من المرشحين فكر ولو للحظة واحدة في المجزرة اليومية التي يقترفها الجوع في حق البشرية. إن تدمير عشرات الملايين من البشر سنويا على يد الجوع هو فضيحة هذا القرن. ففي كل خمس ثوان يموت طفل دون سن 10 سنوات جوعاً، ويموت 37000 شخص من الجوع كل يوم، وما يقرب من مليار –من بين 7 مليارات نسمة– يشوّههم سوء التغذية الدائم. وكل هذا يحدث على كوكب يطفح بالثروات!
يفيد نفس التقرير حول انعدام الأمن الغذائي في العالم، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، والذي يرصد عدد ضحايا المجاعة، أن الزراعة العالمية في المرحلة الحالية من قدراتها الإنتاجية، قادرة على إطعام 12 مليار نسمة (بمعدل 2200 سعرة حرارية للشخص البالغ يوميا) .
وعلى عتبات هذه الألفية الجديدة، لا يوجد أي قدر محتوم إذن، ولا نقص في الأهداف. ولذلك، يكون موت طفل واحد جوعا هو عملية اغتيال حقا. ولا تتمثل مشكلة الجياع في التوفر العام للأغذية على وجه الأرض، ولكن في حصول الجائعين على الغذاء، وفي المقام الأول في افتقارهم إلى الوسائل النقدية للحصول عليها. وهكذا، يكون للموت الجماعي للملايين من البشر بسبب الجوع أسباب هيكلية، قبل أي سبب آخر.
اليوم، تتحكم نحو عشر شركات خاصة عابرة للقارات في 85 ٪ من سوق الأغذية العالمية، هي النشطة في سوق الأسهم، والتي تحدد الأسعار وتراقب المخزون، وتحكم على الفقراء بالجوع، لأن الذين يملكون المال هم فقط من يملك الحق في الحصول على الغذاء. وفي العام 2011، على سبيل المثال، سيطرت شركة كارجيل على أكثر من 26 ٪ من القمح المتداول في العالم. ومنذ ثلاث سنوات، وبعد انهيار الأسواق المالية انقض المضاربون على السلع الزراعية، ليس فقط لبيعها كغذاء، ولكن أيضا لتحويل ملايين الأطنان من النباتات الغذائية إلى أنواع من الوقود الحيوي.
وقد بلغ تقلب الأسعار وارتفاعها حدودَه القصوى: ففي غضون عامين، ارتفع سعر الذرة إلى قمة الزيادة بنسبة 63 ٪، وارتفع سعر الأرز الفلبيني بنسبة 58 ٪، وما بين العامين 2010 و2011، تضاعف سعر الطن الواحد من القمح. ولا شك في أن المضاربين هم المسؤولون مرتين. وقد أصبح الملايين من الفقراء الذين ينفقون كل ميزانيتهم الهزيلة في الحصول على الغذاء، عاجزين عن تحمل هذا العناء الذي يثقل كاهلهم. ولم يعد برنامج الأغذية العالمي الذي فقد نصف ميزانيته السنوية بسبب الدول المانحة التي اضطرت لضخ الأموال في بنوكها لإنقاذها من الإفلاس، قادرا على شراء ما يكفي من الغذاء للحالات الطارئة في أوقات المجاعة، كما هو الحال في منطقة القرن الأفريقي حيث يرفض المسؤولون في منظمة الأمم المتحدة دخول أحد المخيمات السبعة عشر ضمن منطقة عائلات اللاجئين بسبب الجوع.
ومن أسباب الجوع الهيكلي الأخرى الإغراق الزراعي الذي يمارسه الاتحاد الأوروبي، الذي يغرق الأسواق الأفريقية بمنتجاته الزراعية المدعومة على حساب المنتجات المحلية، ومديونية العديد من البلدان الفقيرة التي تمنع حكومات هذه البلدان من أن تحقق الاستثمارات اللازمة في مجال زراعتها التي تديم فيها المعيشة -الري، والأسمدة، والبذور- والاستيلاء على الأراضي الصالحة للزراعة من قبل صناديق المضاربة، والصناديق السيادية، والشركات العابرة للقارات (41 مليون هكتار تم الحصول عليها في أفريقيا في العام 2011، وفقا للبنك الدولي)، وغير ذلك من الأسباب، وهي كثيرة.
إن فرنسا هي خامس أكبر اقتصاد في العالم. ويمنحها تاريخها وإشعاعها الثقافي هيبة هائلة. وصوتها مسموع في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة العشرين. وهناك خطوات ملموسة يمكن للرئيس الفرنسي الجديد أن يتخذها باستغلال هذه السمات: منع المضاربة في بورصة السلع الغذائية -الأرز والقمح والذرة، ووقف الاستيلاء على الأراضي الزراعية في أفريقيا من قبل الشركات متعددة الجنسيات من أصل فرنسي، ومنع زراعة الإغراق، والحصول على إلغاء للديون الخارجية للبلدان الأكثر فقرا، والانتهاء من استعمال الوقود الحيوي المصنوع من النباتات الغذائية.
لقد غاب التضامن الدولي بين فرنسا وشعوب نصف الكرة الجنوبي عن النقاش الانتخابي. ولا يعود صمت المرشحين في اليسار حول هذه النقطة لخطأ أخلاقي فحسب، وإنما لخطأ تكتيكي أيضاً. وتوجد لدى فرنسا، بلد الثورة، تقاليد طويلة في النضال من أجل التضامن بين الشعوب. ولا يوجد، في أي مكان آخر في أوروبا، هذا القدر من الكثافة الهائلة من الحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية المكافحة من أجل العدالة الاجتماعية عبر العالم. ويشكل التخلي عن تعبئة هذا التضامن، وعدم اللجوء إلى استخدام هذه القوى الاجتماعية القوية –لا سيما بالنسبة لمرشحي اليسار- خطأ غير مفهوم.


*عالم اجتماع ومقرر سابق في منظمة الأمم المتحدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 La faim dans le monde absente de la présidentielle

[email protected]

التعليق