هل يستطيع الأسد شق طريقه إلى البقاء السياسي بالقتال؟

تم نشره في السبت 3 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً
  • مقاتل من الجيش السوري الحر يتمركز قبل تقدم الجيش السوري نحو بلدة سارمين – (التايم)

توني كارون - (مجلة تايم) 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

على الرغم من الموت والدمار اللذين تمطر بهما قوات الأمن التابعة له الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة في سورية، فإن من غير المرجح أن ينجح الرئيس السوري بشار الأسد في سحق التمرد المستمر منذ عام. كما أن الاشمئزاز الدولي من حملته الأمنية الشرسة، واتساع الانتفاضة التي تشهد لجوء السوريين إلى حمل السلاح في عراك حتى الموت أيضاً، يجعلان من غير المرجح باطراد أن يتمكن الأسد من استعادة الوضع السابق من خلال القوة العسكرية. ولكن، وحتى لو أنه لا يستطيع الفوز، فإنه ربما يكون لدى الأسد سبب للاعتقاد، بينما يستعرض ساحة المعركة الوطنية والدولية التي خلقها، بأن بوسعه مع ذلك أن يقاتل من أجل التوصل إلى تعادل فوضوي. والفرق بين التعادل والهزيمة بالنسبة الأسد، يرقى الآن إلى ما يلي: هل سيكون موجوداً على طاولة المفاوضات عندما يتم التفاوض على حل سياسي للصراع؟
يوم الاثنين، أعلن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات جديدة ضد نظام الأسد، في دعم لمطالبات له بإنهاء هجومه على معاقل المعارضة، وقبول خطة الجامعة العربية التي تتطلب منه تسليم السلطة. لكن تدابير الاتحاد الأوروبي ارتقت إلى حد كبير إلى تشديد تدريجي للعقوبات المفروضة سابقاً. كما أن الاجتماع الذي عقد في تونس يوم الجمعة الماضي، والمخصص لمنتدى "أصدقاء سورية"، أكد أنه في حين أن القوى الغربية والعربية تتفق على ضرورة تنحي الأسد -وقبل ذلك، وقف هجماته على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون والسماح بوصول إمدادات الإغاثة الإنسانية- فإن هناك اتفاقاً محدوداً على استراتيجيات جديدة لتحقيق تلك الأهداف. ويبدو أنه ليس لدى القوى الغربية رغبة في التدخل العسكري المباشر في سورية، ليس فقط بسبب الاجهاد في مرحلة ما بعد العراق وأفغانستان والتدخل في ليبيا فحسب، ولكن لأن المخاطر الطائفية والسياسية للأزمة السورية تهدد بإدخال المنطقة بأسرها في حالة من الفوضى أيضاً. ويبدو أن هناك افتقاراً عاماً لدعم التدخل العسكري المباشر، حتى لو لم يكن أولئك الذين سيقاتلون من القوات الغربية: وقد فشلت قطر في جهودها لإقناع أصدقاء سورية بدعم تدخل قوة عربية، والتي تقوم بغزو سورية من أجل فتح ممرات إنسانية إلى المدن المحاصرة.
ومنذئذ، أصبحت قطر تميل إلى وجهة النظر السعودية القائلة بأن تسليح الثوار السوريين، على حد تعبير وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، هو "فكرة ممتازة". وتبدو الدعوة الصاخبة التي توجهها دول الخليج لتهريب أسلحة إلى المتمردين وأنها تؤكد شكوكاً منتشرة على نطاق واسع بأنها ربما تفعل ذلك بالفعل. وقد تكون هناك حتى بعض المساعدات في الوسائل غير القاتلة من الدول الغربية، والتي تصل إلى قوات المتمردين، بما في ذلك معدات الاتصالات والإمدادات الطبية ومناظير الرؤية الليلية ومعدات أخرى من هذا القبيل. لكن السعوديين، الذين يقال إنهم خرجوا من منتدى "أصدقاء سورية" عند إحدى النقاط، شاجبين "تقاعسه عن العمل" كما ورد، لم يستطيعوا إقناع المنتدى حتى بتأييد هذه الفكرة.
ومن جهتها، ما تزال الولايات المتحدة متشككة بالتأكيد إزاء اقتراح إرسال أسلحة إلى المعارضة. وكانت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، قد قالت في مقابلة مع شبكة (سي بي أس) في نهاية الأسبوع الماضي: "إننا لا نعرف حقاً ماهية هذا الطرف الذي سيتم تسليحه"، مشيرة إلى الطبيعة غير المتبلورة للمعارضة، وحقيقة أن بعض عناصرها هي معادية لأهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وأضافت كلينتون أن المعارضة السورية تحوز دعما من تنظيم القاعدة، ومنظمة حماس الإسلامية الفلسطينية، مثيرة السؤال حول من هو الذي سوف تدعمه الولايات المتحدة في حال عمدت إلى تقديم أسلحة. وتابعت كلينتون: "على الرغم من النداءات الكثيرة التي نسمعها من الناس الذين يتعرضون لاعتداءات وحشية من نظام الأسد، فإننا لا نرى الانتفاضات ممتدة عبر كامل سورية بالطريقة التي شاهدناها عليها في ليبيا". وأضافت: "إننا لا نرى ميليشيات تتشكل في الأماكن التي لا يتواجد فيها الجيش السوري، والتي تحاول الوصول إلى حمص... وهكذا، فإنك إذا كنت مخططاً عسكرياً أو إذا كنت وزير خارجية، وكنت تحاول معرفة ما إذا كانت لديك عناصر معارضة قابلة للحياة فعلاً، فإننا لا نرى مثل ذلك".
ربما تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها قد أمِلوا في تتويج المجلس الوطني السوري باعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري، كما كانوا قد فعلوا مع المجلس الوطني الانتقالي في مدينة بنغازي قبل التدخل في ليبيا في العام الماضي، لكن حقيقة أن تجمع تونس رحب بالمجلس الوطني على أنه "ممثل" وليس بوصفه "الممثل" للشعب السوري، كانت تقول الكثير. إن مدى سلطة المجلس الوطني السوري على الأرض ما يزال موضع شك، كما أن تأثيره على الجيش السوري الحر -وهو المنظمة المظلة التي تضم المتمردين من الهاربين من الجيش النظام والمتطوعين المدنيين، والتي تبدو سيطرتها بدورها على الوحدات المقاتلة على الأرض محدودة أيضاً- أبعد ما تكون عن الرسوخ. وكان البعض قد جادلوا بأن توفير الأسلحة سيساعد على تنظيم حركة التمرد وبناء السلطة السياسية للمجلس الوطني السوري، الذي سيتم تقديم مثل هذه الأسلحة تحت إشرافه، لكن مخاوف كلينتون ربما تكون قد تأكدت في أخبار صحيفة "صنداي" التي قالت إن بعض كبار قادة المجلس الوطني السوري قد انفصلوا عن الجماعة الوطنية السورية، مشكلين تحدياً لفعالية المجلس الوطني السوري، ومقدمين قددراً أقل من الدعم الصريح للثورة المسلحة.
وفي حين أيدت غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خطة الجامعة العربية، ما يزال الأسد يتمتع بدعم قوي من روسيا وإيران، وتصر دول مثل الصين والعراق على أن يكون أساس أي حل في سورية متركزاً حول الإصلاحات الدبلوماسية والحوار مع النظام، بدلاً من الحديث عن بديل مسبق. وغني عن القول إن نظام الأسد ما يزال متماسكاً: فحتى في الوقت الذي واصل فيه إمطار حمص وغيرها من معاقل المعارضة بنيران المدفعية يوم الأحد، نجح النظام في تنظيم استفتاء على مجموعة من الإصلاحات الدستورية أيضاً. وقد ندد زعماء المعارضة بالتصويت ووصفوه بأنه مهزلة نظراً للحرب التي كانت تُشن، وعدم وجود أي طريقة يمكن أن يُعتبر بها علامة على توافق وطني وراء الإصلاحات التي يقودها الأسد. ولكن، وحتى لو كان زعم النظام بنسبة إقبال بلغت 57 ٪ مبالغاً فيه، فقد شاهد الصحفيون الغربيون في المدن الرئيسية مثل دمشق وحلب آلافاً من الناخبين الشباب الذين خرجوا للمشاركة في الاستطلاع، على الرغم من دعوات المعارضة لمقاطعة الانتخابات. وقد شكل ذلك رسالة تذكير في الوقت المناسب بأن نظام الأسد يحتفظ بقاعدة دعم كبيرة، وفي عدد من الدوائر الانتخابية الرئيسية -وخاصة طائفته العلوية التي تهيمن على وحدات عسكرية رئيسية، فضلاً عن المسيحيين والأقليات الأخرى التي تشكل معاً ما يصل إلى ثلث عدد السكان- الخائفين جميعاً على مستقبلهم في حال انتصرت الثورة.
عن طريق عسكرة المنافسة السياسية في سورية، خلق الأسد بفعالية حرباً أهلية طائفية، تقدم للشعب السوري خيارات قاسية وصعبة، والتي تعمل أخيراً لصالحه. وكلما أصبح الصراع العسكري أكثر كثافة وطال أمده، زاد خطر انتقال القيادة الفعلية إلى عناصر أكثر تطرفاً وطائفية –وسيعزز هذا، بالطبع، قبضة الأسد على جوهر دعمه وأساسه.
وهكذا، تبدو كل الأطراف في سورية وأنها تتمترس وتعد نفسها من أجل حرب أهلية طويلة الأمد -وهو صراع من نوع لا يرجح، بالنظر إلى الدعم الخارجي الذي يعتمد عليه المتقاتلون، أن ينتهي إلى هزيمة أي من الجانبين. وإذا ما انتهى به المطاف في النهاية إلى طاولة المفاوضات، كما حصل مع حروب البلقان في التسعينيات، فسوف يأمل الأسد على الأقل في تأمين مكان له كلاعب رئيسي على الطاولة. وفي واقع الأمر، بدا حتى المجلس الوطني السوري في بيانه يوم الجمعة الماضي وأنه يتراجع عن رفضه التعامل مع النظام، قائلاً إن التفاوض –إذا وافق النظام أولاً على وقف إطلاق النار- "ما يزال ممكناً، ومن المرجح أن يكون أفضل طريقة لتحقيق الهدف المنشود، تغيير النظام". كما يقول أعضاء المجلس ودبلوماسيون غربيون للصحفيين أيضاً إن دور روسيا يظل حاسماً في تحقيق أي تسوية لإنهاء العنف، على الرغم من انشقاقها عن الاجماع الدولي.
ليس من المستغرب، إذن، أن مسؤولي الاتحاد الاوروبي كانوا حذرين في أعقاب اعتماد عقوبات جديدة على سورية يوم الاثنين، حين حرصوا على تأكيد أهمية دور كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة الذي تم تعيينه مبعوثاً مشتركاً للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سورية. وستكون مهمته، بطبيعة الحال، هي التحدث إلى نظام الأسد وأعدائه حول نوع من التسوية القابلة للتطبيق، والتي يمكن أن تضع حداً للعنف.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Can Syria’s Assad Fight His Way to   Political Survival? 

التعليق