نحو منظومة عشرية لربط تخصصات التعليم مع احتياجات السوق

تم نشره في السبت 25 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

مثقال عيسى مقطش

عمان- استوقفتني عبارة قالها سمو الامير الحسن بن طلال خلال حديثه لبرنامج "ستون دقيقة"، حيث قال: أعتقد أن إعادة النظر بالعملية الجراحية لمستويات التعليم لربطها باحتياجات السوق امر اساسي. وحضرتني في الذاكرة مؤتمرات وحلقات دراسية وتحليلات على امتداد العقود الزمنية الثلاثة الماضية، وجميعها انصبت على تحليل معضلة كانت وما تزال قائمة وهي عشرات الآلاف من حملة شهادات جامعية اكاديمية لا تجد طريقها الى الطلب في سوق العمالة المحلية وفي دول الاقليم.
ورغم ان واقع وتركيبة نسبة البطالة ضمن اروقة المجتمع الاردني تدور حول 13 %، وهي نسبة موجودة في غالبية دول العالم الثالث، لكن مشكلتنا ان نسبة حملة الشهادات الجامعية ودبلوم كلية المجتمع عالية جدا، وان تركيبة السكان في الاردن تضم 54 % من الشباب القادرين على العمل، وان الغالبية العظمى من العاطلين عن العمل هم من فئة الشباب المتعلم حيث بلغت 25 %، بينما لم تبلغ بين غير المتعلمين سوى 9 %.
ورغم أن الاحصائيات تشير الى أن حصة الفرد في الاردن من الإنفاق على البحث والتطوير لا تتعدى اربعة دولارات سنويا، فيما تزيد في اميركا وعدد من دول اوروبا على 950 دولارا سنويا، الا ان الاردن يحتل مرتبة متقدمة في مقياس المعدلات العالمية للدرجات العلمية، تعتبر الأعلى بين الدول العربية من حيث نسبة المتعلمين الى تعداد السكان، وان نسبة الأمية اصبحت شبه معدومة بين قطاع الشباب لغاية  سن 18 سنة. وكنتيجة تراكمية لهذه المعطيات، تضاعفت ارقام البطالة بين المتعلمين.
 وبشكل متواصل، تطفو على السطح، بين الفينة والاخرى، توصيات حول البطالة ومؤثراتها الاجتماعية والاقتصادية، ونعلن عن تفاعلنا مع هذه التوصيات وخلاصات الدراسات. لكن السؤال المحيّرهو: ماذا عملنا، وهل اتخذنا اي اجراء عملي من شأنه الربط بين نوعية البطالة وبين نوعية التعليم!؟
فواقع الحال، اننا بحاجة الى مراجعة مع الذات، وضرورة اجراء مقارنة تحليلية بين النظرية والتطبيق، وما هو الذي عملناه في المديين القصير والمتوسط لمواجهة تحديات البطالة، وصقل مفاهيمها واليات التعامل معها، ولكن بالارقام الموثقة !!
وعمليا؛ ماذا عملنا على المستويين الرسمي والشعبي لتجذير مفهوم اتفق عليه الفقهاء والمخططون وهو ضرورة الربط بين مستويات ونوعية التعليم مع احتياجات السوق. ورغم الابحاث والدراسات والتوصيات والخلاصات التي اقرت هذا المفهوم واهمية الانتقال بمضمونه من النظرية الى التطبيق، لكننا لم نجد في مسيرتنا اي خطوة هادفة نحو تحقيق هذه التطلعات، وكأننا انتقلنا الى مرحلة اقنعنا فيها انفسنا أننا لسنا بحاجة الى تعزيز التطبيق الفعلي للرؤية والرسالة في هذا النهج، او أننا أهملنا وأبقينا الدراسات والابحاث والتحليلات على الرفوف بجوار غيرها من الدراسات والخلاصات لمعالم وحيثيات اقتصادية وعلمية غيرها.
وبهدف التحليل المقارن والاستفادة من تجارب الآخرين، فقد اكدت التقارير ان ابرز العناصر التي جعلت من دول فقيرة تكثر فيها البطالة؛ مثل ايرلندا وسنغافورة، ومشابهة في سماتها الجغرافية ومواردها وتعدادها السكاني للاردن، قادرة على الانتقال الى قائمة الدول المتقدمة والمتميزة كان ولا يزال هو: الانتقال بالتعليم في هذه الدول الى وجهتين رئيسيتين هما: الاولى الأخذ بالعلوم التطبيقية من خلال غالبية ان لم يكن جميع الجامعات في الدولة الواحدة، والثانية: تواصل الابحاث والدراسات التراكمية باتجاه الربط بين افواج الخريجين ومستويات ونوعية العلوم التي يتلقونها في المعاهد والجامعات، وبين احتياجات التنمية المستدامة والاسواق الحالية والمرتقبة.
اذن يبقى السؤال قائما وهو: هل نستفيد من التجارب الناجحة، وننطلق باتجاه الهدف؟
اننا نعيش العقد الزمني الثاني من القرن الحادي والعشرين، وان عنوان الصمود هو: ان لا نترك الامور تسير على هواها وخاضعة لقوى الحياة اليومية تتصارع وتتنافس دون تخطيط مسبق، وان نعطي الموضوع حقه المطلوب من الاهتمام والتركيز والمتابعة من خلال شعار "ربط احتياجات الاسواق المحلية والاقليمية الحالية والمرتقبة، وبلورة الهدف، ببرنامج تعليمي يحدد المستويات والنوعية ومتطلبات التأهيل المسبق لاحتياجات أسواق العمل".
لا بد من التأكيد على ان التنمية الانسانية نهج اصيل في التنمية الشاملة المتكاملة للبشر والمؤسسات المجتمعية، وتستهدف تحقيق الغايات الانسانية الاسمى وهي: الحرية والعدالة والكرامة الانسانية، حيث تعتبر هذه الغايات اساسا للانطلاق نحو الابداع والتجديد والابتكار. وان تطوير الموارد البشرية هو محور ارتكازي في التنمية الاقتصادية.
وبقي من القول: إن منهجية الاصلاحات الاقتصادية التي نصبو الى تحقيقها بحاجة الى آلية تنفيذ كفؤة وفاعلة من خلال التطبيق الدقيق لعناوين رئيسة هي: الاستغلال الامثل للموارد المتاحة، وان الوقت له قيمة، والاعتراف ان علم ادارة الوقت اصبح ملازما لدوائر التطوير في اقتصادات الدول المتقدمة.
 وهذا يتطلب وضع خطة تعليمية تربوية قوامها احصائيات رقمية تشارك في اعدادها مؤسسات عامة متخصصة، ونقابات مهنية، ومراكز دراسات، ومن خلال لجنة مركزية مشتركة، لاعداد منظومة عشرية لربط مستويات وتخصصات التعليم باحتياجات السوق، ومن ثم إعداد آلية التطبيق والتوصيات الداعمة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ظهر هذا المطلب منذ عشر سنوات ولم يأخذ اي توجه نحو التطبيق ! (سهاد / اربد)

    السبت 25 شباط / فبراير 2012.
    منذ اكثر من عشر سنوات ظهر هذا المطلي وناقشته اللجان والمؤتمرات ولكن للاسف لم يأخذ طريقه الى التطبيق .. فهل يمكن البدء بتطبيقه الآن بعدما وجدن عدم التوازن بين اعداد الخريجين وحاجة الاسواق الفعلية ؟
  • »الكلام هادف لكن هل يمكن التطبيق ؟ (احمد سويلم / عمان)

    السبت 25 شباط / فبراير 2012.
    التحليل يتضمن افكارا هادفة ويجب ربط المخرجات التعليمية بمدى الحاجة لكن تمضي السنوات وربما العقود الزمنية ولم نطبق والى متى ؟
  • »حقيقة الوضع تتطلب اعادة النظر بمستويات وتخصصات الجامعات (سلوى / عمان)

    السبت 25 شباط / فبراير 2012.
    لا بد من اجراء اعادة تقييم للتخصصات في الجامعات والتوجه نحو العلوم التطبيقية المتخصصة التي تحتاجها الاسواق . الموضوع يتطلب متابعة حثيثة .
  • »النقابات المهنية لها دور. ويجب ان يكون للوضع مركزية الادارة والاشراف (خلف عواد)

    السبت 25 شباط / فبراير 2012.
    يجب ان لا نغفل دور النقابات المهنية حيث هي التي تعرف جيدا عدد المنتسبين اليها ومدى حاجة الاسواق المحلية والخارجية لهم .. وبكافة الاحوال لا بد من مركزية الاشراف والادارة لتوحيد القرار !
  • »تعقيب (عماد زكي بدر)

    السبت 25 شباط / فبراير 2012.
    بداية أثني على الدكتور مثقال مقطش لتسليطله الضوء على هذه المشكلة، وأقول: في ظل هذه المشكلة العويصة المزمنة أين هو دور وزاراتنا الأردنية: التخطيط والتنظيم، التعليم العالي، التربية والتعليم، العمل، دائرة الإحصاءات العامة. وأين هو التفاعل والتنسيق والتدارس المشترك والتخطيط الاستراتيجي بينها لإيجاد الحلول المسبقة لمثل هذه المشاكل والأزمات قبل تفاقمها إلى ما هي عليه الآن؟
  • »مشكلة كبيرة نسبة البطالة بين خريجي الجامعات !! (سهى / عمان)

    السبت 25 شباط / فبراير 2012.
    للاسف اننا نواجه مشكلة كبيرة وهي البطالة العالية بين خريجي الجامعات والدراسات العليا وان السبب الرئيسي هو عدم الربط بين التخصصات العلمية واحتياجات السوق .. ولماذا !!؟؟
  • »هذا ما تطلعنا اليه منذ القرن الماضي ولم يحصل!! (ابن البلد)

    السبت 25 شباط / فبراير 2012.
    تمنينا منذ القرن العشرين الماضي ان يكون لدينا منظومة لربط التخصصات الجامعية باحتياجات السوق ولكن للاسف لم يحصل .. وها نحن نرى ماذا كانت التنتيجة في القرن الحادي والعشرين !!