لماذا يزداد انعدام الأمن في مصر؟

تم نشره في الخميس 9 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً
  • رجل أمن مصري يعتقل مشجعاً مصاباً في شغب مباراة بورسعيد - (أرشيفية)

كاترين غويسيت - (الإكسبريس) 2012/2/2
ترجمة: مدني قصري

لا شك أن أحداث بور سعيد الأخيرة التي أدت إلى وفاة 74 مواطنا مصريا في أعقاب مباراة لكرة القدم ما بين فريقين مصريين، تندرج في سياق أوسع من عدم الاستقرار، المرتبط أساسا بأحداث الثورة المصرية. فهذه الفاجعة تُبرز ملامح التوازن الذي بات صعبا ومعقدا في العلاقات ما بين الشرطة والقوات المسلحة، كما توضحه لنا المحللة "صوفي بومييه"، أستاذة العلوم السياسية في جامعة باريس، والاختصاصية في الشؤون المصرية.
تُرى، كيف نفسر أحداث بور سعيد الأخيرة؟ الحقيقة أنه من السابق لأوانه جدا معرفة ما حدث فعلا في ملعب بور سعيد، وما حصة عدم كفاءة قوات الأمن في التحكم في هذه الأحداث، أو ما حصة الاستفزاز في هذه الاحداث المؤلمة. بيد أننا مع ذلك نستطيع أن نلاحظ أن هذه الأحداث ليست هي المرة الأولى التي يُسمِع فيها أنصارُ نوادي كرة القدم الكبرى، أصواتهم. فحتى وإن لم تكن مثل هذه الأحداث المؤسفة من اختصاص المصريين وحدهم، فإن أعمال العنف بين أنصار الأندية الرياضية، خارج المباريات، ما فتئت تتطور في هذا البلد منذ منتصف سنوات الـ 2000. فهناك بالفعل انفلاتات وتجاوزات متواصلة تحدث بانتظام، ولعلنا في هذا الصدد نذكر المواجهات العنيفة التي حدثت في اللقاء الكروي الذي جرت أحداثه ما بين مصر والجزائر في أواخر العام 2009. فسلوكُ أنصار فريق الأهلي، وهو واحد من فريقي كرة القدم الكبيرين في القاهرة، والذي كان متواجدا على الميدان في بور سعيد، كان قد أدين في الخريف الماضي خلال مباراة فريقه ضد ناد رياضي من صعيد مصر. وقد كان هذا الفريق قد اتُّهِم أيضا بتورطه واشتراكه في نهب السفارة الإسرائيلية في القاهرة في أيلول (سبتمبر) الماضي. لكنّ ممثلي هذا الفريق سرعان ما تبرّأوا من أعمال مثيري الشغب هذه.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن متطرفي النوادي الرياضية على أهبة دائمة لمواجهة قوات الأمن. فقد أظهروا درجة عالية جدا من الحيوية والنشاط – ضمن منطق المواجهة مع الشرطة – خلال المواجهات التي حدثت ما بين الشباب وقوات الأمن في بداية أحداث ثورة ميدان التحرير. 
صحيح أن هذه الأحداث تجري في سياق عدم استقرار مرحلة ما بعد الثورة، وفي إطار الإحباط المتعاظم أمام تباطؤ وتيرة التغيير في البلاد ما بعد الثورة. وعلاوة على ذلك، تشهد البلاد منذ أسابيع عديدة حالة من عودة مظاهر التوتر والجريمة. لقد حدث في الأيام الأخيرة الكثيرُ من الاعتداءات والهجومات بالسلاح الأبيض، ومن عمليات السطو المسلح على البنوك، في القاهرة، وفي شرم الشيخ التي قُتل فيها مواطن فرنسي، ومن اختطاف لرهائن من العمال الصينيين، وكذلك حوادث عنف أخرى مختلفة في سيناء. فمنذ قيام الثورة، وتفكيك جهاز أمن الدولة، وتعرض الكثير من مركز الشرطة للنهب، صار الكثير من الأسلحة متداولا في البلاد، وبخاصة الأسلحة القادمة من ليبيا.
فما تفسير حالة عدم الأمن هذه، المتفاقمة اليوم في البلاد؟ لا شك أن هذه الحالة ترجع إلى طبيعة العلاقات ما بين الشرطة والجيش. فهذه العلاقات لم تكن يوما علاقات طيبة ولا هادئة. فالشرطة التي كان نظام مبارك يستند إليها، أكثر من اعتماده على الجيش، أصبحت اليوم في قفص الاتهام، حيث إن الكثير من كوادرها، ومنهم وزير الداخلية السابق حبيب العدلي، يحاكَمون اليوم بتهمة مشاركتهم في قمع وقتل الثوار المعارضين. وعلى عكس مبارك، فإن حبيب العدلي يواجه حقا عقوبة الإعدام. وفي هذا الشأن يستنتج البعض من هذه الأحداث أن الشرطة تمارس نوعا من "الاضراب المتصنع" من خلال عدم قيامها بوظائف حماية النظام العام، وتسهم على النحو في رفع تدهور حالة انعدام الأمن في البلاد.
وفي هذه الأثناء، أظهر الجيش، مرارا وتكرارا، عدم قدرته على التحكم في مجريات الأحداث، خاصة أثناء المظاهرة التي قام بها الأقباط، والتي أسفرت عن مقتل 25 شخصا في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفي خلال حملة الاحتجاجات الواسعة التي انفجرت في ميدان التحرير في تشرين الثاني (نوفمبر)، حيث لقي 40 متظاهرا حتفهم. ولعله يمكننا أن نستنتج من هذه الانحرافات قراءتين مُهمّتين: فإما ثمة عدم كفاءة الجيش في تأمين وظائفه في حماية الأمن، وهي الوظائف التي لا تندرج في  نطاق اختصاصاته "العادية"، وإما ثمة إرادة هذا الجيش في أن يُظهر للناس بأن لا وجود لأمن حقيقي في داخل البلاد من دون عيونه الساهرة. ويبقى أن نعرف إن كان الجيش يملك حقا الوسائل التي تسمح بأن يشترط من جهاز الشرطة القيام بوظائفه على الوجه المطلوب؟
إن مسألة الأمن هذه، ومسألة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، ستكون بلا شك، واحدة من المسائل الملحة الأولى التي ستواجه الإخوان المسلمين الذين فازوا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. فمن دون استعادة الأمن في البلاد سيكون من الصعب جدا عودة شؤون البلاد إلى مجراها الطبيعي، بما في ذلك السياحة التي تعدّ واحدة من ركائز الاقتصاد المصري.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Pourquoi l'insécurité grandit en Egypte

[email protected]

التعليق