الأزمة السورية: لا حصانة للواقفين على الهوامش

تم نشره في الثلاثاء 17 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً
  • جيل جاكييه الصحفي الفرنسي الذي قتل في سورية مؤخراً - (أرشيفية)

رانية أبو زيد - (مجلة تايم) 12/1/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بيروت- بثت فضائية "الدنيا" السورية شريط فيديو قالت إنه كان قد صور في أعقاب الهجوم على رحلة إعلامية برفقة حكومية إلى حمص؛ المدينة التي تحملت جل غضبة النظام بسبب الاحتجاجات المستمرة والمعادية للحكومة. وكان طاقم التصوير على سطح إحدى البنايات عندما اصطادهم الانفجار وهم بعيدون عن الحراسة كما يبدو. ويتم تدوير الكاميرا نحو الأسفل، مظهرة رجلاً ملقى على الأرض بينما تتدفق من جسده دماء قاتمة كثيفة. ويقول صوت ذكوري يفترض أنه صوت مصور الكاميرا: "لقد مات، لقد مات. فلينقله من المكان أحد ما!". وتظهر لقطات على مستوى الشارع عدة ضحايا وهم يُنقلون إلى عربات صغيرة أو سيارات تاكسي صفراء اللون. وتدور الكاميرا باتجاه شارع عريض. ويذكر رجل لا يظهر أمام الكاميرا الناس بأن هناك أجانب في الجوار هم جزء من وفد. ويشاهد رجل أجنبي مصاباً بجروح، وربما ميتاً، مضطجعاً إلى مؤخرة سيارة صفراء. وتشاهد امرأة أجنبية تحمل كاميرا، وهي تصرخ بشكل هستيري بينما تنظر إلى داخل السيارة. ويقول رجل سوري: "إنها صحفية"، فيما كان آخر يطلب سيارة إسعاف. وفي الأثناء، تغطي بركة من بقع الدماء الحمراء الفاقعة الكثيفة رصيف المشاة.
وبالمقدار نفسه الذي قد يكون فيه المشهد مجمداً للدم في العروق ومأساوياً، فقد كان ثمة تفسيران مباشران لما عناه. بالنسبة للنظام السوري، فإنه يثبت مرة أخرى أن المعارضة مكونة من إرهابيين، في جزء منها على الأقل. ومع ذلك، فإن المعارضة أثارت السؤال: هل عمد النظام السوري إلى تنسيق هجوم القنابل اليدوية على الصحفيين الأجانب، ما أفضى إلى مقتل أكثر من نصف دزينة من الأشخاص، بمن فيهم صحفي فرنسي؟
وكانت مجموعة من نحو 15 صحفياً في جولة تشرف عليها الحكومة. (وعملياً، من المستحيل بالنسبة للصحفيين الذين يدخلون البلد بشكل قانوني التغطية من دون مرافقين). وكان جيل جاكييه (43 عاماً)، قد قتل بعد أن ألقيت عدة قنابل يدوية مزعومة على المجموعة، وفق مراسل كان أيضاً في الجولة الإعلامية في حمص. وعمل جاكييه في محطة التلفزة الفرنسية France-2. وفي غضون ذلك، تظل غير واضحة المعالم تلك الظروف التي أحاطت بالهجوم الذي أودى أيضاً بحيوات ثمانية سوريين على الأقل، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، وتسبب في جرح صحفي هولندي. وقد سارع وزير الخارجية الفرنسية، ألان جوبيه، إلى طلب توضيح كامل لما وصفه بأنه "هذا العمل المشين". وكانت النصوص على شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر" تعج بادعاءات تتبنى نظرية المؤامرة، مؤداها أن النظام نسق حمام الدم هذا لتحذير الإعلام الأجنبي حتى يبقى بعيداً.
ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي يلقى بالشك فيها على النظام القاسي للرئيس بشار الأسد بخلق حقائق على الأرض تجمد الدماء في العروق. وثمة ثلاثة تفجيرات انتحارية؛ أحدها وقع يوم الجمعة، وهجوم مزدوج منفصل، وفصلت بين أحدهما والآخر دقائق، وكانت المعارضة قد وصفتها بأنها من تدبير النظام. وادعت المعارضة بأن الانفجارين المدمرين في العاصمة دمشق -الحياض الأمني الذي يعد موئلاً للأجهزة الأمنية والاستخباراتية الـ18 كافة أو نحو ذلك، بالإضافة إلى الأجهزة العسكرية- إنما استهدفا صرف الفريق الصغير من مراقبي جامعة الدول العربية والذي ما يزال في البلد منذ 26 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، عن أداء مهمته.
وكان قد عهد إلى مراقبي الجامعة العربية بمهمة التأكد مما إذا كانت الحكومة السورية قد تقيدت بصفقة عربية شاملة، تتطلب منها سحب دباباتها من المدن والبلدات السورية، ووقف العنف، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وبدء حوار حقيقي مع المعارضة. ولا يستغرق الأمر الكثير لرؤية أن أياً من هذه الشروط لم يتحقق تقريباً. وتقول الأمم المتحدة إن حكومة دمشق قتلت على الأقل 400 شخص من شعبها في الأسبوعين اللذين مرا منذ دخول ممثلي جامعة الدول العربية إلى البلاد.
ويوم الثلاثاء الماضي، غادر أحد أعضاء وفد الجامعة العربية، واصفاً المهمة بأنها "تمثيلية"، ومتهماً النظام السوري بارتكاب جرائم حرب. وقال أنور مالك للقناة الفضائية "الجزيرة" التي تبث من قطر: "لقد انسحبت لأنني وجدت نفسي أخدم النظام، لا جزءاً من مجموعة مراقبة مستقلة". وأضاف مالك الذي كان ما يزال يرتدي الصدرية البرتقالية الفلوريسنت التي يلبسها المراقبون داخل سورية: "لقد شاهدت جثثاً مقطعة ومسلوخة كانت قد تعرضت للتعذيب". ومضى إلى القول: "ومن وقت إلى آخر، كنا نشاهد شخصاً مقتولاً على يد قناص... وقد شاهدت ذلك بعيني. ولم أستطع التنازل عن إنسانيتي في هذه الحالات وادعاء الاستقلالية والموضوعية".
إلى ذلك، تعرض المراقبون إلى الهجوم الشفوي، والجسدي في الأيام القليلة الماضية. وقالت جامعة الدول العربية إن المراقبين التابعين لها كانوا قد هوجموا مؤخراً "بشك خفيف" من جانب عناصر مؤيدة للنظام في مدينة اللاذقية التي تقع في الشمال الغربي من البلاد، وفي دير الزور في شرقي سورية، بالإضافة إلى تعرضهم لهجمات "من عناصر تعد أعضاء في المعارضة في مناطق أخرى"، وفق الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي في وقت سابق من الأسبوع الماضي.
وعلى ضوء ذلك، ربما لا يعد من المفاجئ كثيراً إعلان الجامعة العربية يوم الأربعاء الماضي عن أنها لن تزيد عدد أعضاء فريقها في سورية المكون من 165 عضواً "إلى أن تهدأ الأمور"، سالبة فعالية الجهود الرامية للتعرف على حقيقة ما يجري. وهو ما يمثل، بطرق عديدة، إقراراً ضمنياً بفشل ما يدعى اتفاقية البروتوكول للجامعة بين الجامعة العربية ودمشق. ومن الصعوبة بمكان رؤية الكيفية التي يمكن من خلالها تنفيذ هذه الخطة التي تمثل أفضل أمل للجامعة في التوصل إلى "حل عربي" للأزمة السورية، إن لم يكن ممثلوها متواجدين على الأرض بأعداد كافية.
ويوم الثلاثاء الماضي، هاجم الرئيس الأسد جامعة الدول العربية في كلمة له استغرقت ساعة كاملة تقريباً، وتضمنت توجيهه اللوم إلى مؤامرة إعلامية واسعة وإرهابيين، وإلى الصحفية الأميركية باربارا وولترز، الذين حملهم جميعاً مسؤولية الاضطرابات التي تشهدها بلاده والكيفية التي ينظر إليها بها على الصعيد الدولي. وأتبع الرئيس الأسد ذلك بظهوره على الملأ، في حدث نادر، إلى جانب قرينته أسماء وأطفالهما الثلاثة خلال تجمع موالٍ للنظام يوم الأربعاء في العاصمة السورية. ومرة أخرى، هاجم الرئيس "المؤامرات الخارجية"، صاباً جام غضبه على الإرهابيين. وقال للحشد المهتاج: "إن هذه هي المراحل النهائية من المؤامرة، وسنعمل للتأكيد أننا سنخرج منتصرين".
قد تكون لدى الرئيس السوري مسوغاته للاعتقاد بأنه في وضع جيد -حتى الآن. وتقف الجامعة العربية على القدم الخلفية، وما تزال تبدي تردداً في إحالة الأزمة السورية إلى المنتدى الدولي الأوسع للأمم المتحدة. كما تناضل المعارضة السورية من أجل التوحد، ولا تبدو وأنها بديل حيوي للأسد. وثمة شريحة كبيرة صامتة من المجتمع السوري تظل على الجوانب، متوجسة مما عساه أن يأتي بعد الأسد. وفي الأثناء، يحدق الخطر بحركة الاحتجاج غير المسلحة في سوادها الأعظم من الاندفاع نحو خيار أن تصبح معسكرة أكثر. وبتلك الطريقة، قد يحصل النظام السوري في نهاية المطاف على ما يدعيه دائماً من أنه إنما يقاتل طيلة هذه الأزمة المستمرة منذ 10 شهور ضد ثورة مسلحة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The Crisis in Syria: No Immunity for Bystanders

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق