مستقبل المساعدات الأميركية لدول الشرق الأوسط

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً
  • الأمن المصري يقمع المتظاهرين بالغاز والهراوات المصنوعة في أميركا -(أرشيفية)

لويد غاردنر - (الغارديان) 6/1/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لم تعد المساعدات العسكرية الأميركية تضمن لأميركا حلفاء مخلصين. ولمدة أربعة عقود تقريباً، كانت الولايات المتحدة قادرة على التعويل على مصر كحليف يعتد به في إدارة الشؤون الشرق أوسطية حسب هواها.
ومنذ زمن أنور السادات وإلى سنوات حسني مبارك، صبغت المساعدات العسكرية الأميركية صفة الاستدامة على الحكومة في القاهرة، وهو ما حافظ على السلام مع إسرائيل وأعطى لواشنطن زمام المبادرة، سواء عبر تقديم مصر قوات عسكرية رمزية كمبادرة لحروب الخليج، أو كوجهة لتسليم معتقلين في "الحرب على الإرهاب".
وكان ذلك الاتجاه قد بدأ عندما أدار السادات ظهره لطموح (الرئيس الراحل جمال عبد الناصر) في توحيد العالم العربي، ودعا الولايات المتحدة لمساعدته على التدخل لإنهاء حرب تشرين الأول (أكتوبر) في العام 1973، وقام بطرد الخبراء الروس -أول مزود للأسلحة لمصر في الزمن الصعب.
ورغم أن المساعدات العسكرية لم تشرع فعلياً في التدفق على مصر إلا في أعقاب التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في العام 1978، فقد حدد الأنموذج. وفي ظل السادات، عاد الغرب ليتمتع مجدداً بوضع خاص في القاهرة، تماماً كما كان عهده قبل أن تتفجر أزمة السويس في العام 1956.
وعندما شرع نظام مبارك بالتداعي في أعقاب التطورات التي شهدتها تونس قبل عام، كانت الولايات المتحدة قد طورت علاقات ممتازة مع العسكريين المصريين. وكان على الجنرالات أن يقرروا في وقت قصير الاختيار بين الولاء لمبارك، ورفاهيتهم الخاصة كمتلقين للمساعدات الأميركية التي جعلت منهم نخبة مستفيدة بشكل مميز.
وعندما قاوم مبارك الاقتراحات الأميركية بتقديم تنازلات، معتبراً إياها تدخلاً خارجياً، طالبه القادة الأميركيون بالتنحي عن السلطة. ولكن، وعندما تصرف العسكريون المصريون على النحو الذي كان متوقعاً منهم، قارن الرئيس باراك أوباما التطورات المفعمة بالأمل في مصر بقمع المعارضة في إيران، وقال: "لحد الآن على الأقل، فإننا نشهد الإمارات الصحيحة تخرج من مصر".
ومع ذلك، وخلال بضعة أسابيع، عاد المحتجون إلى ميدان التحرير في القاهرة، متحدين النظام العسكري المؤقت، ومحاولين إلزامه بالوفاء بالوعود التي كان قد قطعها فيما يتعلق بالحكومة الدستورية. وفي الأثناء، عمقت الانتخابات الأخيرة المخاوف من أن تفضي النتائج القوية التي حققتها الحركة السلفية إلى دفع السياسة المصرية نحو أتون النزعة الإسلاموية الراديكالية.
على أي حال، فإن من الواضح أن نفوذ واشنطن على مسار تطور الأمور في مصر وغيرها قد تضاءل كنتيجة للربيع العربي. وخلال العام الماضي، وقفت الولايات المتحدة ببساطة إلى جانب المملكة العربية السعودية في إخماد الاحتجاجات في البحرين، التي تستضيف العائلة الحاكمة فيها قاعدة بحرية أميركية رئيسية. وفي الأثناء، أظهرت الولايات المتحدة غموضاً مدروساً حيال التطورات في اليمن كبلد يناضل من أجل وضع حد لدكتاتورية (الرئيس علي عبد الله) صالح.
وبينما انضمت الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى المطالبات بتنحي الرئيس السوري بشار الأسد، وقادت التطورات لإسقاط الدكتاتور الليبي الذي حكم لمدة طويلة، معمر القذافي، فإن الصورة العامة للسياسة الأميركية التي جرى الإفصاح عنها، دلت على سلطة معمرة محافظة مقاومة للتغيير، وخائفة من فقدان قبضتها على زمام الأمور.
وعلى نحو متزايد، دخلت تركيا بقوة إلى مناطق كانت الولايات المتحدة فيها، كما قال السادات ذات مرة، تمسك بنسبة 99 % من الأوراق. ويكمن الإغواء الواضح للولايات المتحدة، في جهد الحفاظ على موقفها، في مضاعفة سياساتها السابقة لأن المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، كما أشار الأدميرال مايك مولن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في العام الماضي، كانت استثماراً "آتى أكله لوقت طويل وطويل جداً".
وفي العام 2009، لاحظت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بشكل محق أن الأميركيين "ينجزون الكثير من العمل التجاري العسكري، ويبيعون الكثير من أنظمة التسلح لعدد من البلدان في الشرق الأوسط وفي الخليج". وستكون قيمة هذا العمل موضع الكثير من الشك في المستقبل. وعشية الربيع العربي في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2010، أعلنت إدارة الرئيس أوباما أنها ستجيز مبيعات عسكرية للمملكة العربية السعودية (طائرات متطورة جداً وقنابل موجهة بالأقمار الاصطناعية) تصل قيمتها إلى أكثر من 60 بليون دولار أميركي خلال العقد ونصف العقد المقبلين. وكانت لهذه المبيعات -التي كانت في السابق جزءاً من غنائم الحرب الباردة المصاحبة للتنافس مع الاتحاد السوفياتي- غاية مزدوجة دائماً: الحفاظ على الأمن الداخلي، والحفاظ على توازن رعب للأسلحة مع إسرائيل.
كما أنها خدمت أيضاً المصالح المحلية الأميركية عبر التخفيف من عبء مشاكل ميزان المدفوعات، والتي كانت قد بدأت في الأعوام الأخيرة من حرب فيتنام. وبعبارات أخرى، فإن الأسلحة الأميركية كانت غطاء حامياً لاستخدامه ضد القلاقل والخصومات العربية الداخلية، بالإضافة إلى استخدامها كحماية ضد التراجع في التنافسية الاقتصادية الأميركية.
يجب أن يحفز الربيع العربي على إعادة النظر جدياً في السياسات التي تستهدف حماية الوضع الراهن في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أسئلة أكثر عمومية تتعلق بتزويد الأسلحة إلى أنظمة مهترئة، وتقوم بتأجيل يوم إجراء المفاوضات الجادة مع مواطنيها الأصليين. ولحد الآن لم تفعل.
لاحظ السناتور باتريك ليهي أنه عندما يتبجح الأميركيون بالمساعدات الاقتصادية لمصر، فإن المحتجين يرفعون عبوات الغاز التي كتبت عليها عبارة: "صنع في الولايات المتحدة الأميركية". وكانت المساعدات الاقتصادية المقدمة لمصر قد تراجعت في الأعوام الأخيرة إلى مائتي مليون دولار، في حين ثبتت المساعدات العسكرية عند 1.3 مليار دولار. وبدلاً من إعطاء الولايات المتحدة نفوذاً أكبر في السياسة الداخلية لمصر، أفضى الانخراط الأعمق مع العسكريين المصريين إلى كبت الغايات المنشودة من كلمة أوباما التي ألقاها في القاهرة في العام 2009، والتي تضمنت التشجيع على تطوير الأنظمة السياسية الشرق أوسطية.
مع الركود الاقتصادي، تبدو صادرات الأسلحة الأميركية نقطة براقة في الأفق، كما أن بناء أسلحة مثل الطائرات من دون طيار ينطوي على تقديم تعزيز للاقتصادات في البلدات التي توجد فيها المصانع. لكن التعويل على المساعدات العسكرية والطرق القديمة الأخرى في تأمين النفوذ في البلدان الشرق أوسطية، ربما ينطوي على تداعيات خطيرة.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: America can no longer rely on military aid to influence the Middle East.

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق