نحو نقلة نوعية حقيقية في فلسطين

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • طفل فلسطيني يجلس على ركام بيته الذي هدمته قوات الاحتلال الإسرائيلي - (أرشيفية)

رمزي بارود* - (ذا بالستاين كرونيكل) 9/12/2011

 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ما تزال الانتفاضة الفلسطينية في العام 1987 تشكل الانتصار المفرد الأهم للتعبئة الشعبية في التاريخ الفلسطيني. وكانت الانتفاضة الأولى، كما تُعرف في الأدبيات السياسية، قد وضعت الشعب الفلسطيني مرة واحدة وللأبد كهوية جمعية على الخريطة السياسية لمنطقة لم تكن تتسع سابقاً سوى لدبابات ميركافاه الإسرائيلية و"مبعوثي السلام" من الولايات المتحدة. وكان يقود الجسم السياسي العربي قادة عاجزون في الغالب، بينما يقود الفصائل الفلسطينية متعددة الولاءات العديد من الرجال ذوي الأسماء الحركية.
ومع عدم التقليل من حقيقة أن بعض الفصائل الفلسطينية كانت، في الواقع، قد أسهمت في النضال الطويل والشاق من أجل الحرية الفلسطينية، فقد كان هناك صدع موجود منذ فترة طويلة بين الكتلة الأكبر من الشعب الفلسطيني وأولئك الذين يدعون تمثيلهم.
وقد حاولت الانتفاضة تغيير هذا النموذج المقلق. فقامت بنقل النضال بعيداً عن العواصم العربية وأعادته إلى فلسطين، والأهم من ذلك، أنها أشركت الفلسطينيين العاديين في الحملة الرامية إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وقد واجهت الأحزاب التي مثلت "اللاعبين" التقليديين في الصراع وضعاً غير مسبوق في صراع كانت تحدد شروطه في السابق وبشكل شبه كامل قوة إسرائيل العسكرية، مستقوية بالدعم الأميركي غير المشروط والقبول العربي. ولكن في هذه المرة، لم يكن أيّ رصاص قاتلاً بما فيه الكفاية، ولم يكن أيّ دعم أميركي سخياً بما فيه الكفاية، ولم يكن أي تنازل سياسي مثبطاً بما يكفي لخنق الدعوات التلقائية العفوية للحرية، التي أطلقها المواطنون الفلسطينيون العاديون.
وقد هدأت الانتفاضة في نهاية المطاف. وحاولت النخب السياسية الفلسطينية البناء على مكاسبها، في حين بذلت إسرائيل قصارى جهدها لمنع تكرارها. وهكذا جاءت اتفاقيات أوسلو، وهي جهد مشترك بذله الزعماء الإسرائيليون وبعض القادة الفلسطينيين لخلق أمر واقع جديد. وتمت إعادة فلسطينيين مُختارين إلى الأراضي المحتلة لإدارة الجماهير "المشاغبة" بينما استمرّت إسرائيل بالمضي قدماً في مهمتها الاستعمارية من دون عوائق. ومنذ ذلك الحين -ورغم الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000- لم تستطع أي نقلة نوعية كبيرة في العقيدة الفلسطينية تغيير هذا الواقع الرهيب. وقد غرقت القيادة الفلسطينية، مجمعة فيما يسمى "السلطة الفلسطينية" أعمق في الفساد، فيما نمت المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية أبعد حتى من تصورات آرييل شارون وغيره من زعماء اليمين الإسرائيلي المتحمسين.
وفي الوقت نفسه، يستمر الفلسطينيون في المراوحة بين نوبات من التحدي -كما اتضح في غزة وجنين وغيرهما من الأماكن- في حين يجري "تطهيرهم" عرقياً ببطء من القدس الشرقية والضفة الغربية من أجل إفساح المجال لتوسيع المستوطنات اليهودية. وقد أصبحت شجاعة هؤلاء الفلسطينيين العاديين، من الرجال والنساء الذين يتمسكون بأشجار الزيتون القديمة المحبوبة حين يجري تجريفها بلا رحمة، أصبحت الآن علامة تجارية معروفة في شكلها العربي: الصمود والثبات.
في هذا الوضع، تم إغلاق المشهد السياسي مرة أخرى في نمط يمكن التنبؤ به، حيث يتحدث القادة الإسرائيليون ذوو الوجهين عن السلام بينما يُبقون على حالة الحصار والاحتلال ضد ملايين من الفلسطينيين، في حين تصبح القيادة الفلسطينية التي نصبت نفسها أكثر اعتمادية بشكل متزايد على الاحتلال نفسه الذي تحاول أن تُنهيه. وفقا للمركز الإعلامي الدولي للشرق الأوسط، ونقلاً عن دراسة أكاديمية قام بها باحث فلسطيني من الضفة الغربية، فإن "حجم الاستثمارات التي يملكها رجال أعمال فلسطينيون في المستوطنات الإسرائيلية وداخل إسرائيل نفسها، وصل إلى 2.5 مليار دولار في العام 2010" (المركز الإعلامي الدولي للشرق الأوسط، ووكالات، 9 تشرين الثاني-نوفمبر).
وفي واقع الأمر، فإن القضية أكبر بكثير من الأموال الفلسطينية المستثمرة في الاحتلال الإسرائيلي، أو حتى بعض التنازلات المخجلة التي قدمها أحد "كبار المفاوضين" أو بعض المسؤولين الآخرين. المأساة هي أنه في حين يجري تطبيع الهيمنة الإسرائيلية مرة أخرى (كما كان الحال قبل العام 1987)، فإن القيادة الفلسطينية تصر، رغم الفشل المتكرر، على إدامة موقفها من الهيمنة والسيطرة. وما يزال هذا الإصرار يستمر حتى بينما تجري إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة -سواء عن طريق تحرك الشعوب العربية، أو من خلال القوة العسكرية والنفوذ السياسي الذي يُمارسه الغرباء.
ثمة عملية تحول نوعية تجري في واقع الأمر في العديد من البلدان العربية، وخصوصاً تلك المتاخمة مباشرة لفلسطين وإسرائيل. وفي حين يرجح أن يشعر الفلسطينيون المحتلون بنسائم ما يسمى الربيع العربي، فإن مدى تأثيره السياسي ما يزال غير مؤكد. وحتى لو برهن التغيير في مصر، على سبيل المثال، على أنه أساسيّ حقاً ولا رجعة فيه، فإنه لن يقدم سوى فائدة محدودة للفلسطينيين إذا لم تتحقق لهم قيادة بديلة وثورية فعلاً في وقت قريب. هذا هو التغيير الوحيد الذي يمكن أن يجدد، وربما يطلق طاقات الشعب الفلسطيني التي لا تفتر ولا تعرف الكلل.
إن الموقف السياسي للقيادة الفلسطينية، سواء كانوا من "المعتدلين" الذين تدعمهم الولايات المتحدة في الضفة الغربية، أو حماس في غزة، هي مجرد مناورات تهدف إلى استيعاب التغيير السياسي الجاري في القاهرة ودمشق. وربما تفضي محادثات الوحدة بين فتح وحماس -الأخيرة التي توصف بأنها المحادثات "الناجحة" التي عقدت في مصر يوم 24 تشرين الثاني (نوفمبر)- ربما تفضي، من الناحية النظرية، إلى جسر الهوة بين الخصمين. ومع ذلك، فإنها تظل في واقع الأمر مشروعاً سياسياً بين حركتين، يطمح إلى إيجاد أرضية مشتركة من أجل تحقيق غاياتهما السياسية الخاصة. ويمكن القول إن هذا العمل إيجابي، لكنه سيقصر بالتأكيد عن بلوغ الحد الأدنى من النقلة النوعية المطلوبة في فلسطين في ظل الظروف الحالية.
تكاد تكون حقيقة غير تاريخية تقريباً أن الفلسطينيين لم يسيروا قدماً حتى الآن، إلى جانب المصريين والتونسيين وغيرهم من شعوب المنطقة. ويمكن أن يعزى ذلك إلى حالة الاستقطاب المتطرفة بين الفصائل، والسياسات المريرة التي قسمت الفلسطينيين بعدد لا يحصى من الطرق. وكانت هناك محاولات قليلة محترمة للتوصل إلى الكتلة الحرجة من التعبئة الشعبية، لكنه حدث بدلاً من ذلك قيام حركة محدودة ذات مطالب سياسية عاطفية مفرطة ومطالب سياسية غير واضحة، والتي سرعان ما تم احتواؤها.
في واقع الأمر، ليست الوحدة الوطنية مجرد قرار استراتيجي يحتمه الواقع السياسي المتغير بسرعة. إنه يتطلب تحولاً جوهرياً عن الاستراتيجيات القديمة والتخلص من المعتقدات القديمة. وفي حالة فلسطين، تتطلب البداية الجديدة التعبئة الكاملة لجميع عناصر المجتمع الفلسطيني، وإعادة تفعيل وصياغة الأولويات الموحِّدة وطنياً، وإنتاج لغة أصلية، وأدوات واستراتيجيات جديدة، مصحوبة بأقل قدر ممكن من الخطابة الفارغة.
لا يمكن تجاوز هذه المرحلة الحرجة من النضال الفلسطيني بتغيير الاسم التجاري للساسة الفلسطينيين، ولا يمكن أن تسترشد المرحلة بقيادة ذات سجلات ملطخة. إنها تتطلب جيلاً من الزعماء ذوي السجلات النظيفة، الثوريين في تفكيرهم، والذي يتحركون بدافع من الاعتقاد الوحيد بأنه لا يمكن تحقيق الحرية من دون وحدة وطنية حقيقية، تحت علم واحد. ويجب أن لا يكون الولاء موجهاً لأي فصيل معين، وإنما لفلسطين نفسها، وينبغي أن يكون الشعار الوحيد الذي يوحد الفلسطينيين هو: "الحرية".
*كاتب فلسطيني يعيش في الولايات المتحدة، ورئيس تحرير موقع الحكاية الفلسطينية "ذا بالستاين كرونيكل".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Towards a True Paradigm Shift in Palestine

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق