تحليل اقتصادي

ظلام أوروبا في منتصف النهار

تم نشره في الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

باري آيكنجرين*

بيركلي - لعل من الصعب أن نتصور أن الأزمة في أوروبا قد تزداد سوءا، ولكن هذا هو ما حدث للتو. فقد فشل زعماء الاتحاد الأوروبي في القمة التي جمعتهم قبل أسبوعين في الاتفاق على أي شيء حقيقي. وأبدت الصين والبرازيل عزوفاً واضحاً عن التقدم للإنقاذ من خلال توفير كميات ضخمة من النقد الأجنبي. ولم تنجح قمة مجموعة العشرين الأخيرة التي استضافتها مدينة كان في التوصل إلى أي اتفاق على الخطوات التي ربما كانت لتساعد في حل الأزمة.
والآن انهارت الحكومة اليونانية. وربما كان السبب المباشر وراء انهيارها القرار غير الحكيم الذي اتخذه رئيس الوزراء المستقيل جورج باباندريو بالدعوة إلى إجراء استفتاء على خطة الإنقاذ التي اقترحها الاتحاد الأوروبي (والتي تقضي بفرض المزيد من تدابير التقشف الصارمة)؛ ولكن المشكلة الأساسية تتخلص في الركود المؤلم الذي جعل من سقوط الحكومة أمراً لا مفر منه.
ولا يعني تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة أن المشكلة اليونانية أصبحت وراء ظهر أوروبا أو العالم. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فمن الواضح أن موقف الحكومة الجديدة لن يكون أكثر سلامة من موقف سابقتها. وإلى أن يعود الأمل، ولو كان بعيدا، في قدرة اليونان على العودة إلى النمو من جديد، فإن المشكلة لن تُحَل.
والأمر الأسوأ من ذلك بالنسبة للاستقرار المالي هو أن إعلان باباندريو عن الاستفتاء كان سبباً في حض المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على كسر محظور بالغ الأهمية. فسابقا، كان زعماء أوروبا يجزمون بأن اليورو باق إلى الأبد، ويؤكدون في كل مناسبة على اعتزامهم القيام بكل ما هو ممكن للحفاظ على تماسك الاتحاد النقدي. ولكن في الأسبوع الماضي، وفي تحول خطير، أبلغ ساركوزي وميركل اليونانيين بصراحة أن القرار يرجع إليهم فيما يتصل برغبتهم في التمسك باليورو.
والواقع أن تصريحات الزعيمين كان المقصود منها إرغام الساسة اليونانيين على الخضوع. وربما نجحا في تحقيق هذه الغاية، على الأقل في الوقت الراهن، ولكنهما فتحا الباب أيضاً أمام المضاربة المزعزعة للاستقرار. فقد أصبح إغراء المراهنة ضد المشاركة اليونانية المستمرة في اليورو الآن أعظم من أي وقت مضى. وبينما يضع المستثمرون رهاناتهم، فإن القوائم المالية للبنوك اليونانية والحكومة اليونانية سوف تزداد تدهورا، وهو ما قد يؤدي إلى جعل توقعات الهبوط ذاتية التحقق.
والخطر الأعظم هنا هو أن تضطر البرتغال وإيطاليا إلى السير على خطى اليونان. وكل من يشكك في هذا فما عليه إلا أن يتذكر ما حدث في العام 1992، عندما انهار النظام النقدي الأوروبي.
ففي شهر أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، أدلى رئيس البنك المركزي الألمانية هيلموت شليزنجر ببعض التعليقات المتهورة حول عدم استبعاد خفض قيمة العملات في إطار النظام الأوروبي المفترض لاستقرار أسعار الصرف. وكانت تصريحات شليزنجر الطائشة بمثابة الإشارة إلى أن البنك المركزي الألماني لم يكن على استعداد للقيام بكل ما هو ممكن للحفاظ على النظام ــ وهي الإشارة التي شجعت المستثمرين على وضع رهانات ضخمة ضد الجنية الإسترليني والليرة الإيطالية. وكانت النتيجة انهيار آلية أسعار الصرف الأوروبية.
ولكن إذا كان ساركوزي وميركل جادين في الحفاظ على اليورو، فسوف يكون لزاماً عليهما أن يصلحا الضرر الناجم عن تعليقاتهما المتهورة. ويتعين عليهما أن يعترفا بأن الكيان الوحيد الذي يتمتع بالقدرة على إنقاذ الموقف هو البنك المركزي الأوروبي. ويتعين عليهما أن يوفرا للبنك المركزي الأوروبي الغطاء السياسي الذي يحتاج إليه للقيام بكل ما هو مطلوب للحفاظ على النظام.
وعلى وجه التحديد، يتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يبذل المزيد من الجهد لدعم النمو الاقتصادي. والواقع أن القرار الذي اتخذه البنك بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساسية في أول اجتماع سياسي تحت قيادة رئيسه الجديد ماريو دراجي يُعَد بمثابة بصيص الضوء الوحيد في سماء مظلمة. ولكن النقاط الخمس والعشرين الأساسية ليست ذات تأثير يُذكَر. فمع اتجاه أوروبا نحو الركود، يصبح خطر ارتفاع التضخم صفرا. ولكن رغم ذلك، وفي ضوء الحساسيات الألمانية، يتعين على ميركل أن تستخدم نفوذها السياسي لإعادة الطمأنينة إلى عامة الناس.
والأمر الأكثر إثارة للجدال هو أن البنك المركزي الأوروبي يحتاج إلى زيادة مشترياته من السندات الإيطالية. وما لم تهبط العائدات على هذه السندات إلى المستويات الألمانية، فلن تصل حسابات الديون الإيطالية إلى نتيجة مرضية. ولكن دراجي أشار إلى عدم رغبته في رؤية البنك المركزي الأوروبي وقد تحول إلى كيان لإقراض الحكومات. كما أشار إلى أن إعادة الطمأنينة إلى الأسواق من خلال تبني إصلاحات بنيوية ربما كان من صميم مسؤوليات تلك الحكومات وليس البنك المركزي.
ولكن الإصلاحات البنيوية لن تتحقق بين عشية وضحاها. فإيطاليا تحتاج إلى بعض الوقت لتنفيذ الإصلاحات الداعمة للنمو. وحرمانها من الوقت المطلوب من شأنه أن يوجه ضربة قاصمة لليورو.
وهنا يأتي دور الغطاء السياسي. فيتعين على ميركل وساركوزي أن يؤكدا على حجة احتياج أوروبا إلى بنك مركزي طبيعي إذا كان لليورو أن يصبح عملة طبيعية ــ فلا يستهدف التضخم فحسب كوظيفة روتينية، بل يتعين عليه أيضاً أن يتفهم مسؤولياته بوصفه ملاذاً أخيراً للإقراض.
ومن ناحية أخرى، يتعين على إيطاليا التي أصبحت الآن تحت مراقبة صندوق النقد الدولي أن تمضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الداعمة للنمو من أجل طمأنة المساهمين في البنك المركزي الأوروبي إلى أن مشتريات البنك المركزي من السندات ليست خسارة في نهاية المطاف.
وإذا حدث هذا ــ وهو مجرد احتمال ــ فربما ينشأ من الأسباب ما قد يدعو إلى الأمل في أن تكون ساعة المشروع الأوروبي الحالكة الآن هي تلك الساعة التي تسبق الفجر مباشرة.


*أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق