تونس: القسمة الزائفة بين العلمانيين والمتدينين

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً
  • تونسيات متحجبات يدلين بأصواتهن في انتخابات الجمعية التأسيسية يوم الأحد الماضي - (أرشيفية)

جوسلين دخلية* - (لوموند) 21/10/2011

ترجمة: مدني قصري
تثير أعمال العنف التي قام بها السلفيون في تونس مخاوف كثيرة حول مستقبل البلاد وثورتها. لكن هذه الأعمال كانت في الحقيقة جد متوقعة. ففي وضعية سياسية واجتماعية هشة، سوف يحاول كل طرف أن يذهب إلى أبعد نقطة في رؤيته عن مجتمع المستقبل. وتمثل أعمال العنف هذه اختبارا لشرطة الدولة التي تُتهم بالإهمال، وبتركها الأمور تتعفن، وبحيث تقوم من ثم بخدمة المصالح المضادة للثورة. لكن هذه الأحداث تكشف أيضاً عن استقطاب الجدل حول مستقبل البلاد السياسي، وهو الجدل الذي يشتد حول التعارض القائم بين مشروع ديني وآخر علماني. لكن هذا التباين ليس صحيحا، وهو يخفي توترات أخرى لا شك فيها.
ليست ثنائية المشاريع في تونس واضحة بكل هذا الوضوح لسببين اثنين. فمن ناحية، يبقى كل المواطنين الذين يعتزون بانتمائهم للإسلام أبعد ما يكونون عن أي رغبة في قيام وجود سياسي وقانوني قائم على الإسلام. ومن ناحية أخرى، نلاحظ أن برامج الأحزاب السياسية؛ بما فيها الأحزاب العلمانية واليسارية، تؤكد كلها انتماءها العربي الإسلامي. أما المادة "1" من الدستور التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة (والعربية لغتها) فقليلة هي الأحزاب التي تطالب بإلغائها.
هذا الانتماء الصريح الذي يندرج في سياق التقاليد العربية الإسلامية، والذي يرافقه دعم صريح للفلسطينيين، أمر قد يثير المفاجأة في الدستور المطروح للمستقبل. ولكن، ومثلما كانت لإعادة تأكيد الهوية العربية الإسلامية دلالتها في العام 1959 أثناء إعداد الدستور الأول للبلاد في إطار السعي لإعلان القطيعة مع العهد الاستعماري، فإن التأكيد الحالي على هذه الهوية مرة أخرى يشكل ردا على حرب الغرب ضد الإسلام، التي انفجرت مع حرب الخليج الأولى. وإذن، لا يحمل التوجه الديمقراطي الذي يشهده العالم العربي أي دلالة على التغريب، ولا أي انحياز لأوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
ولا يناقض هذا التوجه الطابع الشمولي لشعارات الثورة، وكذلك غياب المشروع الإسلامي في الثورة. فمن ناحية، لا تتعارض القيم الشمولية، مثل "الحرية، أو "الكرامة" مع وجود هوية عربية إسلامية. ومن ناحية أخرى، فإن المشكلة المطروحة هي مشكلة سياسية وليست مشكلة إثبات هوية فقط: إنها مشكلة ابتكار أشكال ديمقراطية جديدة لا تكرس أنموذجاً غربياً.
على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، كان الغليان السياسي خلال الأسابيع الأخيرة يسير في اتجاه البحث عن طريق خاص ومميز للبلاد. ولم تكن مسألة الديمقراطية المطلوب ابتكارها مطروحة بالأسلوب نفسه الذي طرحت به في السابق، حيث كان مبدأ الانحياز لأوروبا الديمقراطية؛ وعلى الخصوص مبدأ الاندماج في أوروبا، يلوح كأفق من الأمل.
من المخادع حقا أن لا نطبق على هذا المجتمع الكادح سوى قراءة تباينية يتعارض فيها الديمقراطيون العلمانيون مع مجتمع عربي إسلامي يحرث أرضَه الخطابُ الإسلامي، والمهيأ للوقوع في أحضان حزب النهضة. وسوف يكون للوزن الانتخابي لهذا الحزب ثقله بلا شك. ولكن، وبعيدا عن أي توقعات حول نتائج الانتخابات، فإننا نأسف كثيرا للقراءات السياسية الأحادية التي يتم تقديمها عن المجتمع التونسي، من دون احترام لتعقيداته الاجتماعية.
لا شك أن عهد الحبيب بورقيبة كان عهدا وُصف بالعهد المثالي. وقد كرس هذا العهد أنموذجا لتونس الفاضلة، التي صارت مرجعا، بل وأصبحت عنوانا لما بعد الثورة. ذلك لأن تونس التي ارتبطت بصورة بورقيبة كانت مجتمعا قائما على الطبقات الوسطى، المتعلمة، التقدمية، لاسيما في مجال حقوق المرأة. وباسم هذا الأنموذج الفاضل أمسكت نخبة قيادية بزمام البلاد. والأجيال البرجوازية، والطبقات الوسطى التي تكونت في عهد بورقيبة هي التي تمسك بالسلطة اليوم، وتجسد في عيون العالم وفي أعينها هي نفسها، شكلا من الشرعية التاريخية والطبيعية المنقوشة في المرمر. إنها طبقة متعلمة، وديمقراطية، وعلمانية، ومناصرة لحقوق المرأة، وفرنكوفونية في غالب الأحيان، ومن ثم ما صار يلازمها وَهْم وهوس أنها تجسد تونس الحقيقية. تونس التي ينبغي أن تكون، والتي يهددها أعداء الحرية!
والحال أن هذا الأنموذج لم يعد، بالدرجة الأولى، أنموذجا ثابتا اجتماعيا. فالارتقاء الاجتماعي عن طريق المدرسة لم يعد أسلوبا ناجعا وعمليا. ولم تعد الحركة النسوية تتمتع بقيمة وطنية بالدرجة السابقة نفسها. ولم تكن الطبقات الاجتماعية هي محرك الثورة. فالطبقات الشعبية التي أعادت الثورة إليها الاعتبار إلى حين، قد تصبح غير مرئية بعد حين. وقد بدأت بالفعل بالتقلص إلى حدود مجرد جمهور يحركه الإسلاميون، بعيدا عن البطولة التي ظهرت بها في شهر كانون الثاني (يناير). وأيا كانت الحلول الاقتصادية لتحسين ظروف الناس، فأي ثقل ستظهر به في الصورة التي تحملها البلاد عن نفسها، والتي تتباهى اليوم بالطبقات الوسطى؟
إن الرجوع إلى أنموذج التنمية الاجتماعية لعهد بورقيبة، والادعاء ببعثه من جديد، يعني الرجوع إلى عهد ماضوي، وتبنيه، والامتناع عن رؤية الواقع الاجتماعي للبلاد، وتوتراتها الطبقية الجيلية. لكن، قد تخاطر البلاد بتبني هذا النموذج ببعث النظام الاستبدادي الذي ارتبط بعهد بورقيبة، والذي يؤكد المواقف الأحادية التي ذكرناها آنفا، والتي تمثل مخاطر هذه الديمقراطية الجديدة المتمخضة. وهي توظف على الخصوص خطابا استئصاليا قليل الواقعية، إزاء كل شكل من الأشكال الإسلامومية.
لذلك، هل يعقل الاستمرار في الظن بأن تيارات الفكر الإسلامي؛ بما فيها التيارات المتزمتة، هي تيارات غريبة دائما عن المجتمع، ومسيَّرة من الخارج؟ إذا كانت تحمل منطقا عابرا للحدود، مثلما هو الشأن في تيارات سياسية أخرى، فإنها تشكل أيضا واحدا من المكونات الداخلية في المجتمع.
ينبغي التفاوض حول كل شيء، أو عدم التفاوض حوله، مثل تسجيل فتاة محجبة في الجامعة. لكن الخطر الذي يرتسم هو في الواقع الامتناع عن رؤية الواقع الاجتماعي في كامل متناقضاته، والذهاب إلى رؤية الأشياء تحت أغطية الجدل الإيديولوجي والديني وحده.

*مؤرخة ومديرة الدراسات في المعهد العالي للدراسات العلمية والاجتماعية
صدر هذا المقال تحت عنوان: Le faux clivage entre laiques et religieux

التعليق