في ليبيا: بدء مرحلة توطيد السلام

تم نشره في الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:23 صباحاً
  • منشآت ليبية تحترق أثناء القتال في وقت سابق بين الثوار وقوات القذافي - (أرشيفية)

باتس جيل - (لوموند) 2011/10/7
ترجمة: مدني قصري

أطاح الثوار الليبيون، بصورة شبه مؤكدة، بنظام معمر القذافي، وقد جاءت هذه الإطاحة على خلفية من الإرادة القوية، ومن دعم المجتمع الدولي لها. وقد عرف الثوار كيف ينشرون سياسة خارجية أجنبية فعالة للغاية، ويتوصلون إلى تحقيق تسوية ما بعد الصراع، عادلة وديمقراطية وتصالحية، وسلمية على الخصوص. غير أنه لا بد من القول إن إبعاد أي نظام، أيا كانت عدم شعبيته، ليس ضمانا للاستقرار الدائم بالضرورة. ولذلك ففي ليبيا يجب أن يبدأ منذ الآن عمل جاد من أجل تقوية السلام وترسيخه.
وتتمثل إحدى أهم المراحل في هذا العمل المهم، في تثبيت شرعية الحكومة الليبية الجديدة. فشرعية المجلس الوطني الانتقالي، أثناء المعارك، لا تمنحها أتوماتيكيا، الشرعية كحكومة ما بعد الثورة، أما الاعتراف الظاهري من قبل المجتمع الدولي بالمجلس الوطني الانتقالي، بصفته نظيرا "بديهيا" فلا ينبغي أن ينسينا حدود شرعيته على الصعيد الداخلي. فإن كانت معظم الأقاليم ممثلة في داخل المجلس الوطني الانتقالي، فإن تشكيلته ما تزال تعكس أصوله البنغازية الثورية.
وهنا يُطرح الخطرُ المتمثل في أن لا تشعر مناطق أخرى، أو جماعات أخرى، بعدم تمثيلها في الحكومة المقبلة، وتجد في ذلك مبررا لمعارضة حكومة المجلس الوطني الانتقاتلي.
وبحكم هذه الحقيقة بالذات، قرر المجلس الوطني الانتقالي، في إطار روزنامة المرحلة الانتقالية، أن يُنظم انتحابات تهدف إلى تعيين الحكومة الجديدة. لكن الكثير من تجارب المراحل الانتقالية الديمقراطية، بيّنت مخاطر تقليص الديمقراطية إلى مجرد عملية محصورة في صناديق الاقتراع. فهذه المرحلة الانتخابية يجب أن تكون جزءا من عملية أوسع وأعمق، وأن تتضمن إعداد سياسات متعلقة بالعدالة الاجتماعية، وتسعى إلى تحقيق التوزيع الإقليمي العادل للسلطة، وإلى حماية الأقليات، واتخاذ الإجراءات الضرورية لدعم دولة القانون.
كما يتعين على السلطات الليبية، فوق ذلك، أن ترفع العديد من التحديات المطروحة. فإنشاء قوى أمنية جديدة سيتيح لليبيا تأكيد استقلالها النسبي عن منظمة حلف شمال الأطلسي، وعلى الخصوص تأمين بيئة آمنة لشعبها. وبالفعل، فحتى وإن بدت قوات القذافي مهزومة بالكامل تقريبا، فإن الوضعية الأمنية في ليبيا ما تزال غير مستقرة. فتشجيع السكان المحليين على تشكيل فرق ثورية قد أسهم بالتأكيد في تحقيق تحكّم أوسع في مجريات الثورة، لكنه أدى أيضا إلى ميلاد العديد من المجموعات المسلحة المتسمة بهُويات جغرافية وقبلية قوية.
وفضلا عن ذلك، لسنا نعرف سوى القليل عن مصير العديد من الأسلحة التي تم نهبها في ترسانات الحكومة السابقة. إن ضمان الأمن في داخل وخارج ليبيا، وبالتالي تأمين الإدارة السليمة للعملية السياسية، وإنشاء مؤسسات جديدة، أمر يتطلب تطبيق عملية شاملة لنزع الأسلحة، وإنهاء التعبئة العسكرية. لكن بعض الأجزاء من السكان قد تتردد في التخلي عن أسلحتها في حال أحست أن مصالحها ورُؤاها لليبيا الجديدة غير معمول بها في إطار هذه العملية. فلا شك أن التطور السياسي، ونزع السلاح سيكونان مرهونين، الواحد بالآخر، وسوف يحتاجان إلى تشريح دقيق.
ويتعين على هذه السلطات الجديدة، في النهاية، أن تسارع إلى وضع نظام شفاف ومسؤول فيما يتعلق باستغلال ثروات الطاقة الليبية. فاكتناز وتبديد وتهريب مصادر الطاقة، المرتبطة بالبترول الليبي، وكون أنها لم تُستثمر في تنمية البلاد، أمور تندرج بالفعل ضمن المآخذ الموجهة من الثوار إلى صورة نظام القذافي. فالحكومة الجديدة ينبغي أن تتأكد من إعادة توزيع هذه الثروات بطريقة ملائمة، ومطابقة لتطلعات الشعب الليبي. ومن المهم بالنسبة لهذه السلطات أيضا أن لا ترى نفسها ملزمة بالضرورة بالمصالح الغربية في مجال الطاقة.
فالعلاقات الثنائية المرتبطة بقضايا الطاقة، بين ليبيا والبلدان الأوروبية، يجب أن تكون أكثر شفافية، ويجب أن تُستثمَر بصورة أفضل أدوات إدارة قطاع الطاقة، ومنها معاهدة ميثاق الطاقة، أو المبادرة من أجل الشفافية في الصناعات الاستخراجية.
لا شك أن هذه التحديات كبيرة للغاية، ولذلك ستكون المساهمة الدولية ضرورية لا محالة. ففي هذا الصدد، قرر مجلس الأمن، يوم 16 أيلول (سبتمبر)، إنشاء مُهمة مُساندة للسلطات الليبية. لكن الأمل في مستقبل أكثر إيجابية في ليبيا يبقى مرهونا في نهاية المطاف بنجاح البلد نفسه في استعادة العدالة، وفي تحقيق الوحدة الوطنية في خضم الانقلاب الكبير الذي أحدثه.


*صدر هذا المقال تحت عنوان: Pour la Libye commence désormais l'important travail de consolidation de la paix

Madani.guesseri@alghad.jo

التعليق