استهداف طوبا: النكبة المستمرة

تم نشره في الاثنين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً
  • فلسطينيون يتفقدون مسجد قرية طوبا الزنغرية الذي أحرقه المستوطنون مؤخراً -(أرشيفية)

جورجينا ريفز* - (ذا بالستاين كرونيكل) 3/10/2011


ترجمة: علاء الدين أبو زينة

قبل بضعة أيام، تعرض المسجد في قرية طوبا الزنغرية الصغيرة إلى هجوم متعمد؛ حيث دخل محرضون مجهولون مبنى المسجد وأشعلوا فيه النار، متسببين بأضرار لحقت بالسجاد وهيكل البناء نفسه. وقبل مغادرتهم، رش المهاجمون الرسائل على الجدران الخارجية: "الثمن" و"الانتقام" باللغة العبرية. وحتى نهاية هذا الأسبوع، كانت مثل هذه الأحداث تبدو وأنها مقتصرة على الضفة الغربية. ولم يتم استهداف المساجد فقط، وإنما بساتين الزيتون، والقرويين، ونشاطات التضامن: كل هذا يعد "لعبة عادلة" بالنسبة للمستوطنين المتوحشين في الضفة الغربية.
تقع قرية طوبا في الجليل الأعلى، على مقربة من مدينة صفد. ويعتقد سكان قرية طوبا أن الهجوم جاء نتيجة لتحريض من الحاخامات في صفد. ومن المعروف عن يهود صفد عداؤهم الشديد تجاه العرب عموماً والفلسطينيين الإسرائيليين بشكل خاص. ورغم العداء، فإن أكثر من 50 % من طلبة كلية صفد الأكاديمية كافة هم من فلسطينيين إسرائيل.
على مدى السنوات القليلة الماضية، تم شن حملة صارمة ومتصاعدة في المدينة لمنع اليهود من تأجير البيوت للعرب. وهناك استثناءات قليلة، أكثرها بروزاً حالة الناجي من المحرقة إيلي تزيفيللي. وهو لا يؤجر للفلسطينيين فقط، وإنما يؤيدهم بشكل علني في مدينة يرقى فيها مثل ذلك إلى اعتبار المرء خائناً.
واليوم، (بتاريخ كتابة هذا التقرير)، ندد شمعون بيرس بالهجوم على مسجد طوبا، وقال: "... ينبغي لنا أن ندين مثل هذه الأعمال بيننا". كما أعرب بنيامين نتنياهو فيما يبدو عن غضبه أيضاً من حادثة الحرق المتعمد، وأوعز إلى الأجهزة الأمنية بتحديد المسؤولين عن ذلك. لكننا لم نسمع شيئاً عن أيّ اعتقالات أو محاكمات. وكما هو الحال غالباً، فإن أي شكل من أشكال الهجوم ضد المجتمع الفلسطيني، بغض النظر عن المكان الذي يقع فيه، لا ينتهي إلى اعتقال أحد، ولا باتهام أحد، ولا باعتبار أحد مسؤولاً.
ثم، دعونا ننظر في بيان بيرس "... ينبغي لنا أن ندين". إن هذا يأتي من رجل كان عضواً في الهاغاناه، القوات شبه العسكرية اليهودية التي نفذت "الخطة دالت". وقد انضم بيرس إلى الهاغاناه في العام 1947 وعينه دافيد بن غوريون مسؤولاً عن الأفراد وعن مشتريات الأسلحة معاً. وهدفت الخطة دالت إلى طرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وأخذ أكبر قدر ممكن من الأراضي تمهيداً لتأسيس دولة إسرائيل التي كانت ستقام قريباً. وكان دور بيرس كمسؤول عن الأفراد والأسلحة حاسماً في تحقيق هذه الأهداف. ويعد بيرس أحد مهندسي النكبة وكل السلب الذي تلاها بقدر ما كان بن غوريون، أو آرييل شارون أو أي من العسكر الآخرين الذين أنتجتهم إسرائيل وتحولوا إلى ساسة.
وهكذا، لا ينبغي النظر إلى الهجوم الذي وقع في طوبا باعتباره شيئا جديداً، باعتباره تطوراً أكثر قتامة وشراً في المجتمع اليهودي اليميني الإسرائيلي؛ إنه مجرد استمرار للعدوان المستمر منذ عقود ضد الفلسطينيين. وأولئك الذين يفترضون أن الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية هم محميون وفي مأمن إلى حد ما من هجمات أفراد أو سياسات الدولة التي تفضل رؤيتهم مطرودين، إنما ينطوون على قدر كبير من السذاجة.
في أعقاب إعلان إسرائيل كدولة في العام 1948، ثم الهدنة في العام 1949، جرى باستمرار استهداف هؤلاء الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل -والكثيرون منهم تشردوا داخلياً- وتعرضوا للمضايقات والاتهامات بأنهم طابور خامس. وفي الوقت الذي تستعرض فيه إسرائيل اعتزازها القومي المستند بالطبع إلى "يهودية" الأمة، فإنه لا يسمح للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بالتعبير عن هويتهم كعرب، أو التماهي مع أشقائهم وشقيقاتهم (حرفياً في بعض الحالات) في الضفة الغربية وقطاع غزة.
عندما اجتاحت القوات اليهودية فلسطين، لم تقم بطرد وإبعاد 750.000 فلسطيني فحسب، وإنما قامت أيضاً بتدمير أكثر من 500 من القرى والبلدات والأحياء. وقد حاولوا بذلك محو فلسطينية المشهد، مستبدلينه بهوية عبرية لم تستطع أن تغطي في الواقع سوى السطح، ولم تتمكن من إزالة الجذور القديمة للناس الذين كانوا موجودين هناك طوال قرون عديدة.
ومنذ ذلك الوقت، تم استخدام هذه السياسة المتعمدة لحرمان الفلسطينيين من الهوية. وهكذا، ومثلما تأخذ وتيرة الهجمات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية في التصاعد، فإن هذا يسكون أيضاً حال الهجمات التي تُشن ضد الفلسطينيين من مواطني إسرائيل. ويلاحظ أن الهجمات ذات الدوافع السياسية ضد الفلسطينيين المحتفظين بفلسطينيتهم ظلت في ارتفاع متصل أيضاً خلال العامين الماضيين. وقد حكم على أمير مخول، الناشط المجتمعي المقيم في حيفا ومدير "اتجاه"، وهي شبكة من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية داخل إسرائيل، حكم عليه بالسجن 9 سنوات، رغم عدم وجود أدلة لدعم قضية الدولة ضده.
وقبل اعتقال مخول، كان الدكتور محمد عمر قد اعتُقل مُسبقاً. وهو أيضا زعيم الحزب القومي العربي "بلد"، ومؤيد ملتزم لفكرة التعايش بين العرب واليهود. وقد وجهت إليه هو أيضاً تهمة التجسس، لكنه أدين لاحقاً بتهمة أقل، وأفرج عنه في العام الماضي.
ليس اليوم سوى استمرار للنكبة، وما يزال العام 1948 مستمراً، ولم يكن قد انتهى أبداً. كما أن سياسات الصهاينة ليست جديدة، وتكتيكاتهم ليست جديدة، وأهدافهم ليست جديدة. في العام 1948، فشل المجتمع الدولي في حماية الغالبية من السكان العرب في فلسطين. وهناك الآن فرصة للتعويض عن هذا الفشل، ولكن، هل تستطيع أيّ من القوى الغربية اتخاذ مثل هذا الموقف؟ المؤشرات، حتى الآن، ليست مطمئنة. والدلائل تشير إلى أن العام 1948 ليس مستمراً فقط، وإنما يزداد كثافة. وفي حين أن إحراق المسجد في طوبا لم يكن شيئاً جديداً، فإنه ينذر بأوقات قادمة أكثر حلكة.
*ناشطة تقسم وقتها بين لندن وبيت لحم، وهي الوصي المشارك المؤسس لمؤسسة "أهداف"، وهي مؤسسة خيرية بريطانية لدعم الطلبة الفلسطينيين.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Targeting Tuba: The Ongoing Nakba

 

[email protected]

التعليق