مسعى الدولة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة يبشر برحيل الحرس القديم

تم نشره في الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً
  • الشباب الفلسطينيون، إصرار على الحرية وإنهاء الاحتلال - (أرشيفية)

جوناثان كوك* - (كاونتربنتش)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة


الناصرة- فلسطين المحتلة -  وسط التصفيق الحار في نيويورك والاحتفالات في رام الله، كان من السهل أن نعتقد – ولو لدقيقة – أنه أصبح بالوسع في النهاية استلال دولة فلسطينية من قُبّعة الأمم المتحدة، بعد عقود من العرقلة التي مارستها إسرائيل والولايات المتحدة. فهل سيكون ضمير العالم بمثابة القابلة التي تجلب إلى الوجود حقبة جديدة تنهي الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين؟
لا يبدو الأمر أنه كذلك.
فقد اختفى الطلب الفلسطيني، الذي سُلم إلى الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون من أجل الاعتراف بالدولة، عن الأنظار -وسيغيب أسابيع، على ما يبدو- في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة وإسرائيل على ابتكار صيغة تحفظ ماء الوجه لقتل الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن. ووراء الكواليس، تقوم هاتان الدولتان بتحريض أعضاء المجلس بقوة على منع إقامة دولة فلسطينية بدون الحاجة للجوء الولايات المتحدة إلى استخدام الفيتو الذي تهدد به.
وسواء كان الرئيس باراك أوباما هو الذي استخدم السكين بيده أم لا، فإنه لم يبق ثمة من تخالطه أي أوهام إزاء حقيقة أن واشنطن وإسرائيل هما المسؤولتان عن الوفاة الرسمية لعملية السلام. ومن خلال كشفها للعالم عن نفاقها فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ضمنت الولايات المتحدة إثارة حفيظة الرأي العام العربي، كما ضمنت أن يقفز الفلسطينيون من سفينة حل الدولتين.
لكن كان هناك انتصار واحد كبير في الأمم المتحدة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ولو أنه لم يكن الانتصار الذي كان قد سعى إليه. إنه لن يحقق إقامة دولة لشعبه في هذه الهيئة العالمية، لكنه أصاب بشكل قاتل مصداقية الولايات المتحدة كحكم للسلام في الشرق الأوسط.
بقوله للفلسطينيين إنها لا توجد "طريق مختصرة" لإقامة دولة -بعد أن كانوا قد انتظروا أكثر من ستة عقود حتى الآن من أجل العدالة- كشف الرئيس الأميركي حقيقة بلاده باعتبارها عاجزة عن تقديم قيادة أخلاقية لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وإذا كان أوباما هو هذا الرئيس الجبان أمام إسرائيل، فأي استقبال أفضل يمكن أن يأمل الفلسطينيون تلقيه من أي قائد أميركي مستقبلي؟
كان أحد الضيوف في الأمم المتحدة قد امتلك الجرأة ليشير بأدب إلى هذه النقطة ويلامس العصب في خطابه. فقد حذر نيكولاس ساركوزي، الرئيس الفرنسي الذي يبدو أنه ينحاز عن دعمه الأصلي لإقامة دولة فلسطينية، من أن سيطرة الولايات المتحدة على عملية السلام أصبحت بحاجة إلى إنهاء. وقال أمام الجمعية العامة: "يجب علينا الكف عن الاعتقاد بأن بوسع دولة واحدة، حتى لو كانت الأكبر، أو مجموعة صغيرة من البلدان يمكن أن تحل مثل هذه المشكلة بالغة التعقيد". وكان اقتراحه هو الدعوة إلى دور أكثر نشاطاً تلعبه أوروبا والدول العربية في صناعة السلام مع إسرائيل.
وبدا ساركوزي وكأنه يغفل حقيقة أن المسؤولية عن حل هذا النزاع قد توسعت بشكل يشبه كثيراً هذه الطريقة في العام 2002 مع إنشاء اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا والأمم المتحدة.
وكان تشكيل اللجنة الرباعية ضرورياً، لأن الولايات المتحدة وإسرائيل أدركتا أن القيادة الفلسطينية لن تستمر في لعبة عملية السلام إذا بقي الإشراف مقصوراً حصرياً على واشنطن، بعد أن خيانة الرئيس بيل كلينتون للفلسطينيين في كامب ديفيد في العام 2000. وكانت مهمة اللجنة الرباعية هي استعادة ثقة الفلسطينيين في عملية أوسلو -وشراء بضع سنوات أخرى لها.
ومع ذلك، سرعان ما أفقدت اللجنة الرباعية نفسها مصداقيتها الخاصة، على الأقل لأن مسؤوليها لم ينحازوا مطلقاً عن إجماع إسرائيل- واشنطن. وفي الفترة الأخيرة، تحدث كبير المفاوضين الفلسطينيين نبيل شعث على لسان معظم الفلسطينيين عندما اتهم مبعوث اللجنة الرباعية، توني بلير، بأنه يبدو مثل "دبلوماسي إسرائيلي"، بينما كان يسعى إلى إقناع عباس بعدم التقدم بطلب إقامة الدولة الفلسطينية.
وفي رد فعل وفيّ لشكلها، ردت اللجنة الرباعية على طلب الفلسطينيين المقدم إلى الأمم المتحدة بتقديم عرض متردد أعرج لعباس بأن يستبدل مشروع الدولة بالمزيد من نفس المحادثات المنهَكة التي لم تذهب بأحد إلى أي مكان على مدى عقدين.
ويتجاوز تحرك القيادة الفلسطينية باتجاه الأمم المتحدة اللجنة الرباعية بشكل فعال، ويوسع من دائرة المسؤولية عن السلام في الشرق الأوسط أكثر أيضاً. كما يجلب محنة الفلسطينيين التي استمرت 63 عاماً بطريقة مرتبة ودقيقة إلى الهيئة العالمية.
لكن طلب عباس يفضح أيضاً عجز الأمم المتحدة عن التدخل بطريقة فعالة. ويعتمد الاعتراف بالدولة على الإحالة الناجحة لمجلس الأمن الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وربما تكون الجمعية العامة أكثر تعاطفا، لكنها لا تستطيع أن تعطي أكثر من رفع مكانة رمزي لفلسطين، ووضعها على قدم المساواة مع الفاتيكان.
وهكذا، تظل القيادة الفلسطينية عالقة. فقد نفدت جعبة عباس من الخطابات المؤسسية لمساعدته في إقامة دولة إلى جانب إسرائيل. وهذا يعني أن هناك ضحية ثالثة لمحاولة الدولة -السلطة الفلسطينية. وكانت السلطة الفلسطينية هي ثمرة عملية أوسلو، وسوف تذهب بدون تحقيق جوهر تلك العملية.
وبدلاً من ذلك، يبدو أننا ندخل مرحلة جديدة من الصراع، لك لن يكون فيها للولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة سوى جزء هامشي للعب فيه. ويبدو الحرس القديم الفلسطيني وكأنه على وشك التعرض لتحدّي الجيل الجديد الذي تعب من الهياكل الرسمية للدبلوماسية التي تقوم بالسمسرة لمصالح إسرائيل فحسب.
ويمتاز القادة الفلسطينيون الشباب الجدد بأنهم على دراية بوسائل الإعلام الاجتماعية، وهم أفضل تجهيزاً لتنظيم حركة جماهيرية شعبية، ويرفضون أن يكونوا مقيدين بالحدود التي حبست آباءهم وأجدادهم في قفص. وتقييمهم هو أن السلطة الفلسطينية -وحتى هيئة الفلسطينيين الفوقية غير التمثيلية، منظمة التحرير الفلسطينية- هي جزء من المشكلة وليس الحل.
وحتى الآن، ظل هؤلاء الشباب يكنون احتراماً لكبارهم إلى حد كبير، لكن هذه الثقة تتضاءل بسرعة. ويبحث هؤلاء القادة الشباب المتعلمون والمغرّبون عن إجابات جديدة لمشكلة قديمة.
ولن يسعى هؤلاء إلى الحصول على الإجابات من الدول والمؤسسات التي أكدت مراراً وتكراراً على تواطئها في الحفاظ على بؤس الشعب الفلسطيني. وسوف يقدم القادة الجدد التماساتهم من فوق رؤوس حُرّاس البوابات، ويتحولون إلى محكمة الرأي العام العالمي. وتظهر استطلاعات الرأي أن الناس العاديين في أوروبا والولايات المتحدة هم أكثر تعاطفا مع القضية الفلسطينية من حكوماتهم.
وكانت الطلقات الأولى من هذه الثورة في السياسة الفلسطينية واضحة في حركة الشباب التي أرعبت في وقت سابق من هذا العام حركة فتح التي يتزعمها عباس، وكذلك حركة حماس، وأجبرتهما على إقامة ما يشبه الوحدة. هؤلاء الشباب، المتحررون الآن من وهم إقامة الدولة الفلسطينية، سوف يوجهون طاقاتهم إلى نضال ضد نظام الفصل العنصري، مستخدمين وسائل المقاومة غير العنيفة والعصيان المدني. وسوف يكون هتافهم الجماعي هو صوت واحد للشخص الواحد في الدولة الواحدة التي تحكمها إسرائيل.
وسوف تتم ترجمة الدعم العالمي إلى تكثيف سريع لحركة المقاطعة والعقوبات ضد إسرائيل. ويرجح كثيراً أن تتعرض شرعية إسرائيل ومصداقية مزاعمها المشكوك فيها بكونها ديمقراطية إلى المزيد من الأضرار.
تقوم الأحداث في الأمم المتحدة بصناعة وضوح جديد بالنسبة للفلسطينيين، مذكرة إياهم بأنه لا يمكن أن يكون هناك حق لتقرير المصير حتى يقوموا بتحرير أنفسهم من إرث الاستعمار والأوهام الخادعة الخادمة للذات، والتي يعتنقها الشيوخ الذين يقودونهم الآن. لقد وصل الرجال المسنون في البذلات السوداء إلى نهاية اليوم.

*صحفي فاز هذا العام بجائزة مارثا جيلهورن الخاصة للصحافة. آخر كتبه هو: "إسرائيل وصدام الحضارات: العراق، إيران وخطة إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط" (مطبعة بلوتو)، و "فلسطين المختفية : تجارب إسرائيل في البؤس الإنساني". الإنسان" (كتب زد).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: UN Bid Heralds Death of Palestine's Old Guard

 

[email protected]

التعليق