ليبيا: هكذا يطاردون رجالات القذافي

تم نشره في الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً
  • رسم غرافيتي على جدار في مدينة طرابلس الليبية - (أرشيفية)

أبيغيل هوسلرز – (مجلة تايم) 13/9/2011   

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يبقى فتحي شريف شخصا أريحي المزاج بشكل مدهش بالنسبة لرجل أمضى 13 يوما يناضل لكي يتنفس داخل حاوية فولاذية. لم يكن هناك طعام ولا دورة مياه. وينقل شريف عن معتقليه قولهم لهم: "لا حاجة بكم لأن تصلوا، لأنكم لا تعرفون الله. القذافي يعرف الله." وكان شريف وإخوته الخمسة قد زجوا في السجن في آذار (مارس) الماضي، لتقديمهم دعماً خفياً للثورة الليبية الوليدة في حينه. ولكن، عندما اخترق الثوار جدران سجن عين زارة قبل نحو أسبوعين، ظهر رجل الأعمال البالغ من العمر 49 عاماً كلاعب مؤثر في ليبيا الجديدة، مهمته التي عين ذاته لها: اصطياد المسؤولين الكبار في نظام معمر القدافي.
يقول شريف من مكتبه المتنقل في منطقة المقر الرئيسي للأمن الداخلي المدمر للقذافي: "لنا أعين في كل مكان، ولنا أناسنا الذين ينظرون." ويتكون معظم رجاله من السجناء السابقين. وينطلق تنظيمهم وإخلاصهم، في جزء منه على الأقل، من دافع شخصي. ويضيف: "لدينا حوالي 15 متطوعاً تقريباً يعملون من سياراتهم. وليس الأمر أن (رئيس المجلس الوطني الانتقالي) مصطفى عبدالجليل لن يدفع لنا،فنحن لا نريد نقوداً. إننا نعمل مجاناً."
وهكذا، في ليبيا ما بعد القذافي، أصبح الصيادون هم الطرائد.
وفي مدة أسبوعين وحسب من العمل، يقدر شريف أن وحدته ألقت القبض على 35  معتقلاً لهم قيمة كبيرة، بمن فيهم عدة وزراء ومساعدين للقذافي. ويقول بأعصاب باردة: "يريد الله لنا أن نقبض عليهم أحياء". وكان من بين الذين ألقي القبض عليهم أحمد رمضان، وهو مساعد رفيع للقذافي عرفه مسؤولون رفيعون في النظام بأنه الرجل المسؤول عن نقل كل أوامر الدكتاتور إلى حين سقوط طرابلس. وكان رجال شريف قد عثروا على رمضان في مزرعة في أطراف طرابلس. وعندما دهموا المنزل الذي كان يختبئ فيه، قالوا إنه كان وضع مسدساً على رأسه وحاول قتل نفسه. وقد ضغط على الزناد، لكنه نجا من الموت وأخذ إلى المستشفى المركزي في طرابلس. وعندما استقر وضعه نقلوه إلى "ماتيغا،" وهي قاعدة عسكرية حولها الثوار إلى مركز للقيادة في طرابلس وإلى سجن مركزي.
ويقولون ان هناك سجيناً آخر في ماتيغا، هو بشير صالح، المتهم بأنه كان البائع المتجول للنظام، والمتواطئ الذي زعم بأنه اجتمع مع الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي نيابة عن القذافي في الشهر الماضي. لكن عملية جلب مسؤولي النظام السابقين إلى العدالة لا تكاد تكون شأناً نظامياً. ولم يعين رجال شريف رسمياً كوحدة لاصطياد النظام أبداً. لكنها لم تكن هناك مثل هذه الوحدة وقتها. ويقول فريد أبراهامز من هيومان رايتس ووتش: "أعتقد أنها عملية غير منظمة في الحقيقة. وليس لدي شعور بأنها عملية منسقة أو أن ثمة وحدة خاصة مسؤولة".
وفي الحقيقة، ما يزال المجلس الوطني الانتقالي للثوار في طور إعادة نقل موقع عملياته إلى طرابلس انطلاقاً من معقله الشرقي في بنغازي. وكان رئيس المجلس، عبد الجليل، قد وصل إلى العاصمة يوم السبت قبل الماضي وحسب. وعلى الرغم من وجود وزير للعدل (يقول شريف: "السيد دارات"- "لا أستطيع تذكر اسمه الأول")، تركز السلطات الانتقالية بشكل كبير على تهديد العنف المحتمل من معاقل القذافي السابقة، واستعادة الخدمات الأساسية، وإدارة الصدوع السياسية التي تظهر في داخل صفوف الثوار. وعليه، وفي ضوء غياب محاكم عاملة ومحامين -أو حتى قوانين- تظل العدالة في ليبيا الجديدة مسألة حساسة بشكل كبير.
مثل فرق المطاردة الأخرى المعينة ذاتياً، يجري محققو شريف استنطاقاتهم وتحقيقاتهم الخاصة مع معتقليهم قبل تحويلهم إلى ماتيغا. ويقول شريف انه في أحد أيام الأسبوع الأخيرة، كان اثنان من أحدث المعتقلين لديهما سيدتان متهمتان بتنظيم ودفع "متطوعات سيدات" لدعم النظام خلال الانتفاضة. وكانت إحدى السيدتين على رأس وزارة شؤون النساء في عهد القذافي.
ويضيف شريف إنهما تخضعان حالياً للتحقيق "لأنهما عندما تتحدثان تعطيان أسماء، وأسماء مهمة جداً."
لكن أكبر جائزتين، هادي البريج ومحمد عبده، يجلسان في غرفة نوم في الطابق الأرضي، حيث يبدوان في جلبابيهما الأصفرين الفاقعين، وسلبيتهما التامة، وكأنهما ممتزجان تقريباً مع الأثاث. ويبدو وجها الرجلين البالغين من العمر 67 عاماً وكأنهما يتمردان على مواقف القوة التي تولياها مؤخراً. لكن أياً منهما لا ينكر من يكون أو ماذا كانت مهمته. كان البريج رئيساً لفرقة العمليات الأمنية للقذافي، التي كانت تنسق العمليات الأمنية في طول البلاد وعرضها من خلالها. وكان عبده عضواً في غرفة السيطرة التي تتكون من ستة رجال كرئيس للشرطة العسكرية التابعة للقذافي وسجن أبو سليم. وكان كلا الرجلين قد اعتقلا يوم 30 آب (أغسطس)، وفوجئا بأن الثوار لم يقتلوهما -وهي حقيقة يفتخر بها شريف وغيره من مسؤولي الثوار لتمييز أنفسهم عن وحشية القذافي.
لكن شريف ورجاله يحملون القليل من التعاطف مع إصرار الرجلين على أنهما كانا يطيعان الأوامر، ويحاولان مغادرة النظام. ويقول شريف لاحقاً: "لقد فعل هذان الرجلان الكثير لنا ولا يريدان قوله... ولدي وثائق تقول إن بيريج أعطى أوامر بحرق ’الجرذان‘ - وثائق وقعها بيريج لحرقنا".
ويؤكد أبراهامز من هيومن رايتس ووتش بأنها تتم من خلال ملاحظاته على الأقل "معاملة المعتقلين بشكل جيد"، فهم يتلقون دواء وزواراً. والشكوى الوحيدة هي الافتقار الكلي للإجراءات القضائية. وتلك قضية أوسع نطاقاً (تضم كل المعتقلين)، ولأسباب مفهومة.
وكانت السجون المؤقتة قد أقيمت في مدارس ومكاتب في طول وعرض الأراضي التي تقع تحت سيطرة الثوار، والتي تضم راهناً معظم ليبيا المأهولة. وتضم هذه السجون حالياً كافة المرتزقة المشكوك فيهم، وكذلك الموالين للقذافي. لكن الثوار عمدوا أحياناً إلى اعتقال عمال أجانب، خاصة من المهاجرين الأفارقة. ويقول أبراهامز انه ما يزال من المستحيل تحديد كم هو عدد أسرى الحرب الموجودين، لأن السجون منظمة بشكل مفكك وعشوائي.
ويقر شريف، في الأثناء، بأن هناك المزيد من العمل الذي ينبغي القيام به. فعلى بعد نحو 90 ميلاً (145 كم) إلى الجنوب الشرقي، هناك مجموعة أخرى من قوات الثوار منخرطة حالياً في قتال لغزو بني وليد، حصن النظام، حيث يعتقد بأن اثنين من أبناء القذافي والناطق بلسانه يختفون. ولا تفاجئ السيد شريف حقيقة أنهم ما يزالون هناك. ويتساءل وهو يقول مجازاً: "هل تعرف الفأر؟" ويقوم شريف بحركة نضال بذراعيه، قائلاً: "إنه يضع قدمه في الصمغ. و، آه! يلتصق! فماذا يعمل؟ يضع قدمه الثانية في الصمغ، و، أوه! ثمة القدم الأخرى ثم الأخرى." وبسرعة، يكون الفأر قد جعل وضعه أصعب وهو يحاول إخراج نفسه. ويقول شريف: "ذلك ما يفعله القذافي ونجلاه حالياً". وواحداً واحداً، ويوماً بعد يوم، يتوقع شريف أن يلقي الثوار الليبيون القبض عليهم جميعاً.

 [email protected]

التعليق