بوتين؟ أيُّ مفاجأة!

تم نشره في الثلاثاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً
  • فلاديمير بوتين، عودة وشيكة إلى الرئاسة الروسية - (أرشيفية)

فيكتور إيروفيسيف *
 (نيويورك تايمز) 26/9/2011
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
استقبلت روسيا أخبار عودة فلاديمير بوتين إلى الكرملين بهدوء مطبق. وثمة احتمال بأن يقول المتحفظون شيئاً مختلفاً. ومع أن الانتخابات الرئاسية ستجري في آذار (مارس) المقبل وحسب، فإنها قد جرت من ناحية فعلية. وقد مرر الرئيس ديمتري ميدفيديف، مبتسماً بابتهاج، التاج ثانية إلى رئيس الوزراء بوتين الذي وعد بدوره ميدفيديف برئاسة الوزراء.
ومن الطبيعي أن يكون هناك أناس في روسيا وغيرها ممن لا يشعرون بالارتياح لأن الانتخابات ستأخذ طابع الروتين الروسي. لكن، وحتى لو كان هناك تصادم حر بين المرشحين (بمن فيهم ميدفيديف)، فإن بوتين سوف يكسب، فهو يلبي فكرتهم بوجود رئيس قوي، ورجل معافى مفعم بالقوة ومثال لها من كل الوجوه، ومتحدث صارم يدافع بحزم عن المصلحة القومية.
ولكن، ما الذي سيحدث لو سمح للمعارضة كلها، وحتى للناس من خارج النظام السياسي، بالمشاركة وبانتقاد بوتين بحرية على كل القنوات التلفزيونية؟ هل سيخسر عندها؟ كلا، إنه سينجح مع ذلك. لكن أسس سلطة الكرملين ستهتز وسيأكلها الصدأ في جزء منها، وهو ما سيترتب عليه ترميمها بالنسق نفسه الذي اتبعه بوتين عندما دخل الكرملين أول الأمر في العام 2000، في أعقاب فوضى الدمقرطة في التسعينيات من القرن الماضي.
هكذا ترتسم نهاية ثنائية لبوتين -ميدفيديف المتكررة. وفي الأثناء، لم يخن ميدفيديف رفيقه الأرفع، فقد تنازل عن السلطة طواعية من دون صراع، وبما يتماشى كما يبدو مع التزامات كان قد قبل بها منذ البداية. ولكن، هل كان ثمة انقسام حقيقي للسلطة في روسيا، ولو كان بمقدار ضئيل؟ أم أن ذلك كان محض خيال جملة وتفصيلاً؟ بالنظر إلى الوراء، ألم يكن ميدفيديف مجرد جزء من بوتين -بينما كان بوتين، بوتين الكبير والمهم، يتكون دائماً من ميدفيديف ونفسه؟
كانت لدى ميدفيديف بعض النوايا الجيدة. شكراً لك يا ديمتري أنتاليوفيتش، لكن الصفحة انطوت.
هل يعتريني الخوف من أنني إذا كتبت شيئاً متشائماً وغير منطو على كيل المديح عن الرئيس الجديد -القديم بوتين- مثلاً أنه دكتاتور ناعم، أو أن روسيا سوف تنضج في غضون 12 عاماً (إذا بقي رئيساً لفترتين) لتشهد ثورة على غرار الربيع العربي، هل أخاف من أنني سأصفع، أنا الكاتب الروسي، بقوة على رأسي؟ كلا، إنني لست خائفاً الآن.
بدأ يوم السبت كالعادة. فأخذت ابنتي "مايا" ذات الستة أعوام إلى طبيب الأسنان لفحص نبات أسنانها اللبنية، ثم ذهبنا إلى الملعب، وعند الظهر علمت بأننا سنشهد بوتين رئيساً ثانية. ولم يتصل بي أي واحد من أصدقائي. وعنى ذلك أن النبأ لم يكن جديداً بالنسبة إليهم.
وكنت أنا أيضاً قد سمعت في وقت ما خلال الصيف بأن بوتين وميدفيديف ذهبا على دراجات هوائية إلى خارج موسكو، وأن ميدفيديف بدا مذهولاً عند عودتهما. فهل كان ذلك بسبب ما حدث؟
صحيح، هل كان أي واحد ينتظر حدوث معجزة عندها؟ يبدو ذلك، لأن ميدفيديف قرر خلال العامين الماضيين محاولة نقل روسيا أقرب إلى القيم العالمية -أو أكثر دقة: القيم الأوروبية. ذلك لأن روسيا بحاجة ماسة لتلك القيم. وقال: "روسيا، إلى الأمام"، واقترح التحديث، ودان نظام العدالة الجنائية الذي ما يزال يتلمظ بغولاغ ستالين ويعيد تسمية المليشيا بـ"البوليس"، وانضم إلى الائتلاف الغربي ضد ليبيا و... حسناً، إلخ، إلخ.
أجل، لكن بوتين لم يتوقف عن أن يكون الرقم (1) أبداً، وهو يستطيع أن يتخذ أشكالاً مختلفة. فتراه في نمط حياته أوروبياً تماماً، وهذا ما يثلج الصدر، مثلما تثلج الصدر حقيقة أنه أعاد تأهيل الحركة الروسية البيضاء، ودان القمع الستاليني. لكنه يفتقر بوضوح إلى العظمة السابقة لروسيا السوفياتية. وهذا مثبط للهمة، خصوصاً بالنسبة لجيراننا.
على العكس من ميدفيديف، من المرجح أن لا يقود بوتين روسيا نحو أوروبا، وإنما نحو نوع من طريق دائري "طريق ثالث" من خلال عدة أنواع من "الفنزويلات" والأصدقاء الغرباء الآخرين، ولن تروق هذه الطريقة دائماً للغرب. وماذا عن التعطش لسفك الدماء؟ هل سيكون هناك المزيد من خدروكوفسكي؟ لا أعلم.
لكن ما أعرفه فعلاً هو أن بوتين أكثر ليبرالية في وجهات نظره من أكثر من 80 % من المواطنين الروس الذين يعدون أكثر قومية، ويعانون من رهاب الأجانب أكثر منه. ولك أن تقول ما تريد، لكنه درع ضد المشاعر السلبية فيما يعد من ناحية أساسية بلداً فقيراً جداً. إننا لا نحتاج إلى ثورات من أسفل، فالموارد الليبرالية لروسيا صغيرة بشكل مثير للضحك، وهي آخذة في الاضمحلال مع مرور الوقت، إما لأن الليبراليين لا يعرفون كيفية التعامل مع الكرملين، أو لأن الليبراليين الشباب يهربون إلى الغرب.
وعليه، وإذا تبخرت الآمال بحدوث معجزة، فلتكن هناك السياسة الواقعية. وحسناً سيكون الحال إذا كان بوتين براغماتياً، وسيكون ذلك حسناً بالنسبة لي شخصياً. وإذا استطعنا أن نتمسك بأهداب الحريات الشخصية التي منحنا إياها بوتين في أوائل القرن الحالي، فلن يكون ذلك سيئاً البتة.
ومع ذلك، ما تزال معنويات البلد متدنية، فقد أمسى الفساد طريقة حياة تخلو من الحياء والخجل، وثمة الكثير من السلوك العدواني. وقد أعلن زعيم شيوعيي روسيا، غينادي زيوغانوف، مؤخراً، أن لدى روسيا معدل جريمة يفوق بعشرين مرة نظيره لدى الاتحاد الأوروبي. وذلك شيء مفزع. وفي الأعوام المقبلة، يمكن أن يشرع الروس بالتحرك نحو تحالف قوي بين الدين والسلطة، كما في إيران، ويمكن أن يفضي ذلك إلى تداعيات مجهولة. وهكذا، ليعش طويلاً بوتين البرغماتي. إننا لا نريد "آيات الله" شرقيين.ما يزال الهاتف صامتاً. ليس ثمة ردة فعل من أحد.
*كاتب ومقدم برامج تلفزيونية روسي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Putin? Oh, what a surprise

 abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق