إرث بوش المأساوي: كيف أشر 11 /9 على الأفول الأميركي

تم نشره في السبت 17 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • الرئيسان الأميركيان السابق جورج بوش والحالي باراك أوباما - (أرشيفية)

غريغور بيتر شميتز — (ديرشبيغل) 
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كان الدخان ما يزال يتصاعد من ركام مركز التجارة العالمي عندما قال نائب وزير الخارجية الأميركية في حينه، ريتشارد أرميتاج، في أعقاب هجمات 11/9: "التاريخ يبدأ اليوم" وتبين في العقد الذي تلا أن أرميتاج كان محقا في قوله -باستثناء أن ذلك السياسي لم يستطع استشراف مدى مأسوية التاريخ في أعقاب الحدث الجلل. إنه تاريخ تداعي الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى.
قبل وقوع الهجمات، كان هذا البلد في أوج ازدهاره -مثل روما في ذروة مجدها، كما يستحضر مذيع التلفزيون جو سكاربورو. كان الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش قد ورث فائض موازنة سمينا من الديمقراطي بيل كلينتون. وفي كوسوفو، كانت الولايات المتحدة، التي وصفتها مادلين أولبرايت بأنها الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها، قد أظهرت للأوروبيين لتوها كيف أن باستطاعتها حل النزاعات حتى في حديقتهم الخلفية. ولم يكن بيل غيتس ولا مايكروسوفت قد اشتهرا بعد.
ثم جاءت هجمة الطائرات التي قادها أتباع أسامة بن لادن -وللحظة قصيرة بدت القوة العظمى مفعمة بالقوة حتى أكثر من ذي قبل.
وهرع الرئيس الفلسطيني (الراحل) ياسر عرفات إلى التبرع بالدم لضحايا الهجمات، حتى إن كل الفرنسيين أرادوا أن يكونوا أميركيين. ووعد المستشار الألماني (السابق) غيرهارد شرويدر بتقديم "تضامن غير محدود".
أما ما أعقب ذلك، فكان خطأ غير محدود. كان ابن لادن قد أمل في إقحام الأميركيين في حروب دامية. أما عن مدى النجاح الذي كان سيحققه في إنجاز هذا المبتغى، ربما أنه لم يكن ليتخيله.
إرث بوش المأساوي
وقعت أميركا في مصيدة العراق لعدة أعوام، حيث ظل هدف تحقيق النصر قادماً لوقت طويل، لكنه لم يكن ابداً واقعياً. والآن، ما تزال أميركا واقعة في مصيدة أفغانستان، حيث لم يعد النصر يبدو حتى ممكناً. وهي أيضا فريسة مصيدة أخرى في اعتناق حليفتها الباكستان التي لا تثق فيها، لكنها لا تستطيع الإفصاح عن ذلك.
وهذه كلها هزائم مكلفة لأميركا وباقي العالم. وطبقاً لتقدير محافظ أصدرته جامعة براون، فإن هناك حوالي 140.000 إصابة مدنية في أفغانستان والعراق. وبلغت كلفة الرد الضخم أكثر من 3 تريليون دولار أميركي ( 2.2 تريليون يورو)، والتي كان من الأفضل استثمارها في المدارس الأميركية أو في مَحافظ المواطنين الأميركيين.
ولبرهة قصيرة من الوقت بعد الهجمات، بدا البلد وأنه موحد، وعانق الأميركيون بعضهم بعضاً. وحتى البلدة القديمة من مدينة نيويورك بدت دافئة. لكن، وبدلاً من تشذيب الروح العامة، سعى بوش لخلق مسوغ -أي مسوغ- لغزو أفغانستان والعراق. وهذا هو أكثر إرثه مأسوية، وهو يمثل الحقيقة التي لا يستطيع معها الأميركيون حتى أن يعلنوا الحداد على ضحاياهم بشكل لائق -لأن الأميركيين لم يعودوا ضحايا وحسب، وإنما جناة أيضاً. لكن عقد الإرهاب عذب الأميركيين في الحقيقة وحولهم إلى ضحايا -حتى أولئك الذين شهدوا الهجمات على أجهزة التلفزة وحسب.
بلد في حالة حرب مع نفسه
اليوم، وبعد كل حالات التخفيضات الضريبية في حقبة بوش، ترى الولايات المتحدة بلداً منقسماً على نحو معمق من حيث المفاهيم والتعابير الاجتماعية. فالفجوة بين الغني والفقير هي تقريباً بنفس البون الكبير الذي كانت عليه أيام بارونات النفط وأقطاب الفولاذ والصلب في القرن الماضي. وفي الأثناء، يشتري 5% من الأميركيين ما يقارب 40% من كل سلع المستهلك التي تباع في البلد.
لقد أصبح في حرب مع نفسه. ولديه كونغرس حيث فيه نزاع دائم بين اليمين واليسار -وحيث لا يريدون حتى التحدث مع بعضهم بعضاً عندما يلوح في الأفق شبح التهديد بإفلاس قومي.. وعلى النقيض من أي بلد آخر، أصبحت الولايات المتحدة عظيمة بسبب انفتاحها. وتراها الآن أصبحت فاقدة للثقة ومتوجسة خوفاً وفي موقف الدفاع -ضد المسلمين وضد الأجانب وضد كل ما هو غريب. وتقوم ميلشيات من المواطنين بتعقب المهاجرين غير الشرعيين، فيما يبقى الكثيرون من الناس غير متقبلين لفكرة أن يكون للولايات المتحدة رئيس أسود البشرة في البيت الأبيض.
كانت الورقة الرابحة دائما في الولايات المتحدة هي "النزعة الأميركية الاستثنائية". وما يزال المرشحون الجدد للبيت الأبيض يشيرون إليها في الحملة الانتخابية، لكنها أصبحت تبدو مثل الشعار المفرغ من محتواه -واحدة من تلك الوعود الانتخابية التي يجب عدم تدقيقها بشكل كبير، لأنه لو حصل ذلك، فإن الجمهور قد يدرك أن العديد من الأشياء في الولايات المتحدة أصبحت استثنائية لأنها سيئة بشكل استثنائي. وثمة إحصاءات سيئة عن الصحة في البلد على الرغم من أنه يتوافر على أغلى أنظمة الرعاية الصحية في العالم. ثم هناك البلايين التي تتعرض للهدر في نظام التعليم -تنفق الولايات المتحدة من الأموال على الدفاع بقدر ما تنفقه باقي دول العالم مجتمعة تقريباً.
ثم هناك ترسيخ النظام المالي الذي يكافئ المقامرين، وحيث لم يعد أكثر شباب البلد الموهوبين يعملون على تطوير براءات اختراع جديدة، وإنما يكرسون أنفسهم للسحر المالي. وفي نفس الوقت، تستطيع الصين وغيرها من الاقتصادات الصاعدة التركيز بسعادة على ارتقائها الخاص.
بلد مُغرَّب عن بقية العالم
أين ذهبت أميركا النوعية تلك؟ تلخص "مجلة نيويورك" ذلك بالقول: "بعد عشرة أعوام، أصبحت أميركا تبدو الآن أكثر شبهاً بالبلدان الأخرى -فقد أصبح اعتناقنا للرأسمالية أكثر تعقيداً، ومرونتنا الطبقية أقل يقيناً، ومهاجرونا وتنوعنا أقل استثنائية".
وحتى في السياسة الخارجية، لم تعد القوة العالمية تضطلع بالدور العالمي الأنموذج. وأصبحت "القيادة من الخلف" هي الحد الأقصى الذي ينشده الرئيس الحالي باراك أوباما. وهو يقول ذلك بدافع الحاجة، لأنه تم تشكيل ائتلاف غريب في الولايات المتحدة بين أولئك الذين يقبعون على هوامش النظام السياسي السائد، في اليسار وفي اليمين على حد سواء.
ويريد هؤلاء تحويل أميركا إلى قوة عظمى مقبوضة اليد. وهم يريدون شيئا واحداً وحسب: يجب أن تعود القوات الأميركية إلى الوطن، ثم على البلدان الأخرى أن ترى لنفسها كيف تتصرف. وكما يحاجج هؤلاء الانعزاليون، فإن هذه البلدان الأخرى لا تفهم أميركا بأي حال، بعد كل شيء.
وقد أصبحت الولايات المتحدة غريبة عن بقية العالم. وذلك في جزء منه خطؤها الخاص، لكن باقي العالم يتحمل بعض اللوم -لأن العديدين يرون أميركا في موضع الجاني ولم يعودوا يعتبرونها ضحية. وتجلى هذا أكثر ما يكون في اليوم الذي قتل فيه ابن لادن. فقد ابتهج الأميركيون بعفوية عندما نزلوا إلى الشوارع لدى سماعهم الأخبار، لكن العديدين في أجزاء أخرى من العالم لم يريدوا الاحتفال معهم. وأصدروا رد فعل مغضبا على الاحتفال المتغطرس جهاراً بسبب مقتل الإرهابي. وقد بدا تغريب الآخرين غالباً سلوكاً رعوياً ومرضياً للذات.
لكن ذلك أبرز حقيقة أن ضحايا الهجمات لم يعودوا في الواجهة. وبدلا من ذلك، تم جلب خطايا الضحية الأصيلة إلى بؤرة التركيز -خطايا أميركا. وليس على القوة العظمى سوى أن تلوم نفسها وحسب، وإلى حد كبير، على الرغم من أن ذلك يظل أمراً يبعث على الحزن.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Bush’s Tragic Legacy: How 9/11 Triggered America’s Decline

التعليق