أميركا، الحرب والدّيون

تم نشره في السبت 13 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً
  • محاولة إنعاش الاقتصاد الأميركي كما يتخيلها رسام كاريكاتير - (أرشيفية)

مايكل هدسون*  (كاونتربنتش) 

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لنبدأ بالسؤال الأكثر وضوحاً: لو ضخمت الحكومات ديونها خلال عملية تنفيذ البرامج التي أقرها الكونغرس أصلاً، لماذا يكون لدى الكونغرس خيار آخر أيضاً، يتمثل في وقف الحكومة عن المضي قدماً في صرف هذه النفقات المخولة من خلال رفضه رفع سقف الدين؟
سيكون الجواب واضحاً عندما ينظر المرء إلى السبب وراء طرح هذا الفحص "الفشل-السلامة" في كل بلد من بلدان العالم تقريباً. وما تزال الحرب، على مدار التاريخ الحديث، هي المسبب الرئيس لارتفاع الدَّين القومي. وتعمل معظم الحكومات وفق ميزان مالي خلال وقت السلم، حيث تمول نفقاتها واستثمارها عبر فرض ضرائب وتحميل رسوم استخدام. وتدفع الطوارئ بهذا الميزان إلى حالة العجز -أحياناً لحروب دفاعية وأحياناً للعدوان.
في أوروبا، تم تصميم الرقابة البرلمانية على الإنفاق الحكومي لمنع الحكام الطموحين من شن الحرب. وكانت هذه هي حجة آدم سميث الكبرى ضدّ الديون العامة، وحثه على ضرورة تمويل الحروب على أساس "ادفع بينما تذهب للحرب". وقال إنه إذا أحس الشعب بالأثر الاقتصادي للحرب في الحال –بدلاً من تأجيله من خلال الاقتراض- فإنهم سيكونون أقل ميلاً نحو دعم نزعة المغامرة العسكرية.
ومن الواضح أن هذا لم يكن موقف حزب الشاي، ولا موقف الجمهوريين. وما هو ملاحظ على نحو كبير بخصوص أزمة سقف الدين يوم 2 آب (أغسطس) في الولايات المتحدة، هو فك صلتها بإنفاق الحرب. ولا شك بأن أكثر من ثلث (350 بليون دولار) من الخفض الحالي في الإنفاق والبالغ 917 بليون دولار، مخصص للبنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية). لكن ذلك ببساطة يبطئ معدل التصاعد الملحوظ الذي حدث، من العراق إلى أفغانستان إلى ليبيا.
ولعل الأكثر مدعاة للملاحظة هو أن الديمقراطي دينيس كوسينيتش والجمهوري رون باول، سعيا في الشهر الماضي إلى حمل الرئيس أوباما على الخضوع لشروط قانون صلاحيات الحرب، والحصول بالتالي على موافقة الكونغرس على حربه في ليبيا كما يقتضي الحال عندما تتواصل الأعمال الحربية لأكثر من ثلاثة أشهر. وكانت هذه المحاولة لتطبيق حكم القانون على الرئاسة الإمبريالية غير ناجحة، فادعى أوباما بأن قصف بلد ما لا يعني شن حرب عليه، وأن الحرب تعلن فقط عندما يقتل جنود البلد. وكان قصف ليبيا يتم من الجو ومن مسافة بعيدة، وربما أيضاً باستخدام الطائرات من دون طيار. وعليه، فهل تعد الحرب التي لا تسفر عن سفك دماء الجنود (الأميركيين) حرباً في الحقيقة -أي أنها غير دموية بالنسبة للجانب المعتدي؟
هنا كانت الحالة بالضبط، والتي طرح من أجلها حكم سقف الدين في العام 1917. لكن الرئيس ويلسون أخذ الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية، متنكراً لوعده بعدم فعل ذلك. وسعى الانعزاليون في الولايات المتحدة إلى الحد من التزام أميركا من خلال فرض إشراف من الكونغرس وموافقة منه على رفع سقف الدين. وكان من الواضح أن القصد من هذه الضمانة هو استخدامها ضد الإنفاق غير المقرر، والذي يتم من دون موافقة الكونغرس.
يتأتى الارتفاع الحالي في دين الموازنة الأميركية من شكلين من أعمال الحرب. الأول هو حرب النفط العسكرية المفتوحة في الشرق الأدنى، من العراق إلى أفغانستان (Pipelinistan) إلى ليبيا الغنية بالنفط. وستنتهي هذه المغامرات وقد تكلفت ما بين 3 و5 تريليون دولار أميركي. والثاني، وحتى الأكثر كلفة، هو الحرب الاقتصادية الأكثر سرية والأكثر كلفة في وول ستريت ضد باقي الاقتصاد، والتي تطالب بأن ترحل خسائر البنوك والمؤسسات المالية إلى الموازنة العمومية للحكومة ("دافعي الضرائب"). وقد بلغت تكلفة عمليات الإنقاذ و"الغداء المجاني" لوول ستريت –وليس من قبيل المصادفة أن يكون المساهم رقم واحد في الحملة السياسية للكونغرس- 13 تريليون دولار أميركي.
ويبدو من الملاحظ أن تركيز أوباما الرئيس على سقف الدين يهدف إلى التحذير من أن تمويل الضمان الاجتماعي يجب أن يخفض، سوية مع ذلك الخاص بالرعاية الطبية وغيرهما من البرامج الاجتماعية الأخرى. ومضى أكثر من ذلك إلى حد القول بأنه على الرغم من استثمار مدخرات أجور ضريبة قانون المساهمة الفيدرالية للتأمين التي تقتطع من أجور العاملين، في الأوراق المالية الخاصة بالخزينة لأكثر من نصف قرن، فإن الحكومة قد لا ترسل شيكات في هذا الأسبوع.
ثمة معيار مزدوج راديكالي قيد العمل بالنسبة للديمقراطيات. ومن المؤكد أن المستثمرين في وول ستريت لم يعانوا من مثل هذا الإزعاج. وفي الحقيقة، فإن أسعار الفائدة على سندات الخزينة طويلة الأمد كانت قد هبطت في الشهر الماضي وبشكل خاص في الأسبوع الماضي. وعليه فإن من المتوقع كما هو واضح أن يتم الدفع لحاملي سندات الدين المؤسساتي. أما مدخرو سندات الضمان الاجتماعي فقط فهم الذين سيظلمون- أم هل كان أوباما يحاول تهديدهم ببساطة وحسب، ليصور نفسه على أنه بطل جاء لإنقاذ أمنهم الاجتماعي من خلال التفاوض على صفقة كبرى؟
لقد أحسن وول ستريت صنعاً. فلم تكن ثمة أزمة فعلية. والتخويل لرفع سقف الدين العام ليس بمناسبة لائقة لبحث سياسة الضريبة طويلة الأمد. ومنذ العام 1962- ومع شروع الحرب الفيتنامية في التصاعد- تم رفع السقف 74 مرة. ويعادل هذا ما يصل إلى حوالي رفع واحد في كل ثمانية شهور. والأمر مثل الذهاب إلى كاتب العدل -فقط من أجل التأكد من أن الرئيس لا يرتكب خطأ. وكان باستطاعة الرئيس أوباما طلب تصويت محدود على هذا الموضوع وحسب من دون فقرات إضافية. ولم يسبق أبداً أن تم إلحاق فقرات إضافية مثل هذه. والأكثر لفتاً للانتباه أنها لم تجر أي محاولة لفرض فقرة إضافية في السابق بغية تقييد إدارة أوباما في إنفاق أي أموال إضافية على ليبيا بدون الحصول على إعلان رسمي من الكونغرس بالحرب.
لقد كان بإمكان أوباما أن يستحضر التعديل الرابع عشر للدفع. وكان بإمكانه أن يعول على الاقتراح الذي قدمه سكوت فلويللر وغيره من الاقتصاديين للخزينة لإصدار نقود قليلة بقيمة تريليون دولار أميركي والدفع للاحتياطي الفدرالي نظير سندات الخزينة بغية إحالتها على التقاعد. لكن السيد أوباما أبحر بشكل صحيح بالنقاش، محولاً إياه إلى بحث في كيفية خفض الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية في حرب الطبقات الأميركية الناجمة، بدلاً من المبالغة في تمديد حرب النفط إلى شمال أفريقيا.
كان أول نصر كبير حققه القطاع المالي في حرب الطبقات الأميركية المحلية، هو خفض الضرائب "المؤقت"على الأثرياء الذي أقره بوش. ولم يتم التراجع عن هذا العدوان لاستعادة التوازن في الموازنة. كما لم يتم إلغاء خفض الضرائب المؤقت ولم يتم إغلاق الثغرات القانونية، حتى إنه تم دفع عبء موازنة الميزانية إلى ما هو أبعد من ذلك إلى القاعدة الخاصة للحزب الديمقراطي: العمالة الحضرية، والأقليات العرقية والإثنية، والمناطق الساحلية الشرقية والغربية. ومع ذلك، انقسم الديمقراطيون 95/95 في التصويت على رفع سقف الدين عبر خفض كبير للإنفاق الاجتماعي في دوائرهم الانتخابية الرئيسة.
الناخبون، وليس المساهمين في الحملات. ذلك يبدو وأنه المفتاح للكيفية التي تكشفت من خلالها أزمة الدين. فمع أن ديمقراطيين بارزين مثل ماكسين وولترز ودينيس كوسينيتش وهنري واكسمان وبارني فرانك وادولفوس تاونز وتشارلز رانجيل وجيرولد نادلر قد عارضوها (وفي الجانب الجمهوري رون باول وميشيل باكمان وبن كوايل)، فإن الكثير من المعارضة المبدئية قد جاءت من الجمهوريين التقليديين. وقد اتهم مساعد وزير الخزينة الأميركية في رئاسة ريغان، بول كريغ روبرتس، الصفقة بأنها يمينية كثيراً وبأنها تلتهم الأثرياء لدرجة قد تفضي إلى التهديد بحلول ركود.
كان جوهر اقتصادات السوق الحرة الكلاسيكية هو الحد من السلطة التنفيذية -في حقبة كانت فيها سلطات صنع الحرب تعد الباعث الرئيس في المصالح القومية. وتماماً مثلما استولى المشرعون في المجلسين التشريعيين على الصلاحية لإلزام الأمة بدين قومي دائم -بدلاً من ديون ملكية ماتت مع الملوك كما كان الحال عليه قبل القرن السادس عشر- عمد البرلمانيون إلى تأكيد حقوقهم في منع أعمال الحرب.
لكن التمويل يبدو الآن وأنه هو الشكل الجديد لأعمال الحرب- محلياً لا خارجياً- حيث تقيد السلطة الخزينة من دون إلزام دافعي الضرائب بإنقاذ المصالح المالية التي تتربع على قمة الهرم الاقتصادي. ويدعي البنك الفدرالي وغيره من البنوك بأن "استقلالهم" السياسي هو" دمغة الديمقراطية". لكنها تبدو وأنها أميل لأن تكون انتقالاً إلى الأوليغاركية المالية. والآن، وقد انضم التمويل إلى الصناعة النفطية، فإن الاحتكارات الرئيسية ومخصصي الملاك العام، كما والحاجة إلى إشراف من الكونغرس، أصبحت ضرورية بمثل ما كان التخويل النيابي ضرورياً بالنسبة للإنفاق العسكري في الأزمنة الماضية.
لكنها لم تتم إثارة أي بحث لهذا المبدأ الأساسي في نقاش سقف الدين. وحتى المنتقدون الذين صوتوا (تظاهرياً) على نحو متردد (بغية توفير قابلية للإنكار تحظى بالإطراء لما سيكون بلا شك إداناتهم الأخيرة للصفقة عندما يقترب موعد الانتخابات)، فقد تصرفوا وكأنهم كانوا ينقذون الاقتصاد. والحقيقة أنه لا يوجد راهناً سوى القليل من الأمل في إعادة بناء البنية التحتية كما كان الرئيس قد وعد. وستضرب عمليات الخفض في اقتسام العائد الفيدرالي المدن والولايات أقسى ما يكون، حيث ستجبرها على بيع المزيد من الأراضي والطرقات والأصول الأخرى في الملاك العام لتغطية عجز الموازنة لديها، فيما يغوص الاقتصاد الأميركي أكثر فأكثر في أتون الركود. وقد أضاف الكونغرس لتوه إنكماشاً مالياً لانكماش في الدين، مبطئاً بذلك التوظيف أكثر فأكثر.
فكيف، في الحقيقة، سيشرحون كل هذا في الانتخابات الرئاسية التي ستعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2012؟
*اقتصادي سابق في وول ستريت.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
The Debt Ceiling That
Didn’t Happen

التعليق