الإرهابيون المَحليّون في أوروبا

تم نشره في الجمعة 5 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً
  • إيرلندي من جماعة النازيين الجدد اليمينية المتطرفة في أوروبا - (أرشيفية)

غاري يونغ - (ذا نيشن) 25/7/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


بعد أسبوعين من وقوع الهجمات الإرهابية المميتة في لندن في 7 تموز (يوليو) من العام 2005، وبعد يوم واحد من هجوم فاشل آخر، طارد ضباط شرطة بريطانيون في ملابس مدنية الطالب جين تشارلز دي مينيزيه في محطة مترو أنفاق في لندن، وأطلقوا عليه سبع طلقات نارية.
وقالت تقارير أولية لشهود عيان إنه كان يرتدي سترة ضخمة منتفخة مثيرة للريبة في يوم حار، وإنه كان قد تخطى الحواجز وأطلق ساقيه للريح عندما طلب منه التوقف. وقال أنتوني لاركين، الذي كان يستقل المترو، إنه شاهد هذا الفتى الذي بدا وكأنه كان يلف حزاماً ناسفاً، وإن أسلاكا كانت تتدلى من جسده. وقال مارك ويتبي، الذي كان أيضاً في المحطة، إنه يعتقد بأنه شاهد إرهابيا باكستانيا تجري مطاردته، وإن رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية أردوه قتيلاً. وبعد أقل من شهر، قال وتيبي: "أعتقد الآن بأنني استطعت أن أنظر إلى ضابط المراقبة" الذي تم إبعاده من الطريق فيما كان يتم قتل ميتزيه.
وتبين أن الباكستاني كان برازيليا، وأظهرت الكاميرات الأمنية أنه كان يرتدي سترة قطنية متينة، وإن كان من الواضح أنه لم يكن في عجلة من أمره عندما التقط صحيفة مجانية واستخرج بطاقة المترو خاصته. وكتب جون بيرغر في "ويز اف سينغ" أن "العلاقة بين ما نشاهده وما نعرفه لا تستوى أبداً".
عندما يشاهد بعض المعلقين الغربيين هجوما إرهابيا فإنهم يشعرون، كما يبدو، بالراحة بما يشاهدونه أكثر مما يعرفونه. وعليه، كان يوم الجمعة عندما ظهرت أخبار عن الهجمات المرعبة في النرويج، والتي أسفرت عن قتل ما يقارب 76 شخصا والتسبب للأمة بالكثير من الألم. فخرجت صحيفة "صن" التي يمتلكها روبرت مردوخ (والتي تعد الصحيفة اليومية الأكثر مبيعا) بعنوان رئيسي يقول: "القاعدة ترتكب مذبحة: 11/9 النرويج". وأصرت صحيفة "ذا ويكلي ستاندرد" على القول: "لا نعرف إذا كانت القاعدة مسؤولة مباشرة عن هجمات اليوم، لكن كل الترجيحات تشير إلى أن الهجوم شن من جانب جزء من الهيدرا الجهادية" (الهيدرا حيوان مائي متعدد الرؤوس أو تعني العدار، وهي أفعى خرافية ذات تسع رؤوس قتلها هرقل، فكان كلما قطع رأسا من رؤوسها نبت محله رأسان جديدان). ومن جهته، ادعى جنيفر روبين من صحيفة الواشنطن بوست بأن "هذه تذكرة معقلة لأولئك الذين يعتقدون بأن شن حرب ضد الجهاديين أمر باهظ الثمن".
وفي غضون ساعات قليلة، تم تنظيم إطار عمل مفاهيمي بشكل مطلق -رغم أنه من نسج الخيال- لبحث مشكلة المسلمين على وجه الخصوص، والمهاجرين غير البيض في أوروبا على وجه العموم، والتهديد الوجودي الذي يشكله هؤلاء على الحضارة كما نعرفها. ثم جاءت الحقيقة لتقول إن الإرهابي هو في حقيقة الأمر رجل أبيض؛ متطرف مسيحي ونازي جديد يدعى أنديارس بريفيل، المغضب من المسلمين ومن نزعة تعدد الثقافات.
وعلى النقيض من المسلمين في أعقاب الهجمات الإسلاموية، لم يتداع المسيحيون لتأكيد اعتدالهم. ولم يحاجج أحد بأن على الشعوب البيضاء أن تتوافق مع مشروع التنوير، لكن التفجيرات -والافتراضات المعدة مسبقاً عن الجهة المسؤولة، تشير إلى أن التهديد الحقيقي الموجه ضد الديمقراطية الأوروبية ليس من الإسلام أو المسلمين، وإنما ظهور نسخة أخرى من النزعة الفاشية والعنصريين. ويبدو الاعتقاد بأن المسلمين لا بد وأن يكونوا منخرطين، وأنه يتناغم بسهولة مع فهم مشوه وهستيري للديناميات الديمغرافية والدينية والعرقية التي ما تزال موجودة في أوروبا منذ أكثر من جيل، والتي توجد أشكال مختلفة منها قيد العمل في الولايات المتحدة اليوم.
ويذهب التأطير العام للفهم المشوه على النحو التالي: تخضع أوروبا حاليا لحكم المسلمين والمهاجرين من غير البيض، الذين يتجاوزون غير المسلمين في الإنجاب بمعدل رهيب، وغير راغبين في الاندماج ثقافيا وغير قادرين على خوض المنافسة فكريا. وقد أصبحت جموع السكان المسلمين مواقع ساخنة للتعاطف والتفاعل مع الإرهاب. ولا يهدد تواجدهم الأمن وحسب، وإنما أيضاً الإجماع الليبرالي المتعلق بحقوق المرأة وحقوق المثليين الذي أسسته أوروبا الغربية بعد تجشم الآلام.
وفوق كل شيء، تمثل هذه الحالة من الأمور تكسرا للمجتمع الذي يأخذ في فقدان قيمه العامة. وقد سمح لهذا بأن يتم تحت اسم عدم التعرض لأي مجموعات عرقية معينة، وهو ما يعرف أيضاً باسم "التعددية الثقافية".
ويستطيع المرء أن يمضي سحابة النهار في تفكيك هذه الحجج وتحويلها إلى مزق. ولكن دعونا نتعامل لبرهة مع الوقائع فقط.
ثمة تنبؤات بأن السكان المسلمين في أوروبا سيتضاعفون تقريبا مع حلول العام 2015 (اونر تاسباينر من معهد بروكينغز)، وسيتضاعفون مع حلول العام 2020 (دون ملفين، الاسوشيتدبرس)، وسيشكلون نسبة 20 % من القارة مع حلول العام 2050 (ايستر بان، مجلس العلاقات الخارجية).
ويقول الطامح إلى الرئاسة، الجمهوري ريك سانتورام لسارة بوستر من صحيفة "ريليجين دسباتشز": "إن العدد الذي سمعته هو أنه في كل 32 عاماً، سينخفض عدد الأوروبيين في أوروبا بواقع 50 %، وهذا هو حال سوء معدلات الولادة لديهم. هذه، في العديد من الوقائع، قارة محتضرة من وجهة نظر الأوروبيين- الأوروبيين".
وهذا الكلام هراء، والتوقعات بعيدة عن الدقة. فبينما لدى المسلمين في أوروبا معدلات ولادة أعلى مما لدى غير المسلمين، فإن معدلات الولادة لديهم آخذة في الانخفاض. وتتنبأ دراسة لمعهد "بيو"، نشرت في كانون الثاني (يناير) 2011، بزيادة في عدد المسلمين بين السكان في أوروبا من 6 % في العام 2010 إلى 8 % في العام 2030.
وقد خشي الإرهابي النرويجي بريفيك من استيلاء المسلمين على النرويج، لكن المسلمين في النرويج يشكلون نسبة لا تتعدى 3 % من مواطني البلاد، كما أن الأميركيين السود يتوافرون على تواجد أضخم في ألاسكا.
لكن، وحتى لو كانت هذه التنبؤات صحيحة، ماذا إذن؟ ليس ثمة من داع للقول إن على أوروبا أن تظل مسيحية أو ذات غالبية بيضاء. كما أن المهاجرين لا يناضلون من أجل الاندماج. ففي بريطانيا، يتزوج المسلمون الآسيويون والسيخ والهندوس كلهم من خارج مجموعاتهم الخاصة بالمعدل نفسه مثل البيض. وبالنسبة لمعظم الأقليات العرقية في بريطانيا، فإن نصف أصدقائهم تقريبا أو أكثرهم من البيض. وثمة نسبة 20 % وحسب من أولئك الذين كانوا قد ولدوا في بريطانيا ممن لهم أصدقاء من مجموعتهم الخاصة. ووفق مسح لمركز أبحاث بيو، فإن الشغل الشاغل ومصدر القلق الرئيسي للمسلمين في فرنسا وألمانيا وإسبانيا هو البطالة والتطرف الإسلامي.
في معظم أوروبا، فإن السياسية الرسمية لنزعة تعدد الثقافات وأمثالها، والتي يهاجمها بريفيك والمزيد من الساسة المنتمين للاتجاه السائد -سياسة ليبرالية تقودها الدولة تقوم على تشجيع ودعم الاختلاف الثقافي على حساب التلاحم القومي- هي محض خيال مطلق. وفي العام الماضي، ادعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل بأن تجربة "تعدد الثقافات" قد فشلت. وفي وقت سابق من هذا العام، قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الشيء نفسه. والحقيقة هي أن أياً من البلدين لم يحاول خوض هذه التجربة. ويشرح ميكونن مسغينا، رئيس دائرة الهجرة وتداخل الثقافة في مؤسسة هنريك بول ذلك بقوله: "لم تكن لدينا سياسة التعددية الثقافية أبدا"، ويضيف: "إن ما كان يوجد لدينا هو سياسة الإنكار: إنكار الهجرة والتنوع. وراهنا، يبدو الأمر وأننا نستيقظ من غشية طويلة".
لعل الموضوع الحقيقي لاستغرابهم هو وجود ثقافات "أخرى" -بمعنى غير بيضاء- في أوروبا: حقيقة الثقافات "الأخرى" وليس ترويجها. والعائق الأضخم أمام الاندماج في معظم أوروبا ليس الإسلام أو نزعة التعددية الثقافية، وإنما نزعة العنصرية والمضار الاقتصادية والأكاديمية التي تواكبها.
وأخيرا، فإن المسلمين ليسوا في أي مكان قريب من التهديد الإرهابي الأكبر. وطبقا للبوليس الأوروبي، فإنه في الفترة بين العامين 2006 و2008، كانت نسبة 0.4 % وحسب من المخططات الإرهابية (بما في ذلك محاولات هجمات وهجمات نفذت بالكامل) في أوروبا من صنع إسلامويين. أما حصة الأسد (85 %) فقد كانت مرتبطة بالنزعة الانفصالية. ولا يعني ذلك عدم وجود مشكلة، لكنها ليست على المستوى أو من الطبيعة التي ادعى أولئك الذين أطلوا من البوابة في بداية الأمر يوم الجمعة بأنها كذلك. لكن، ولنقل بصراحة، إذا كان عليك بأن تفترض أي شيء عندما تنفجر قنبلة في أوروبا، فإن عليك بأن تفكر في الإقليم وليس الدين.
لكن هناك البعض في أوروبا ممن يجاهدون في سبيل مواكبة التغييرات التي تجري -من الذين يفشلون في الاندماج في المجتمعات المتغيرة، والذين ينطوون على مشاعر استياء مستقرة عميقاً ضد المواطنين من بني جلدتهم. وتلك شريحة كبيرة ومتنامية من السكان البيض المحيدين، لدرجة أنها عمدت مرة أخرى إلى جعل الفاشية أيديولوجية الاتجاه السائد في القارة.
في ألمانيا، يحيل أفضل الكتب بيعا منذ الحرب العالمية الثانية، وهو من وضع عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني "بند سبانك" السابق تيلو سارازين، يحيل معدلات الولادة في الداخل (الأوروبي) بين الأتراك والأكراد إلى "حالات عجز فطرية،" ويحاجج بأن المهاجرين من الشرق الأوسط هم "عضو جيني سالب" للبلد، "لكن سرعان ما تجري في العادة لفلفة الموضوع" كما كتب. وأضاف "امح الفكرة التي تقول إن العوامل الجينية يمكن أن تكون مسؤولة جزئيا عن فشل شرائح من السكان الأتراك في النظام المدرسي الألماني".
وأظهر استطلاع للرأي نشر في المجلة القومية "فوكس" في أيلول (سبتمبر) من العام 2010 أن 31 % من المستجيبين للاستطلاع وافقوا على أن المانيا "آخذة في أن تصبح أكثر غباء" بسبب المهاجرين. وقالت نسبة 62 % إن تعليقات سارازين "لها ما يبررها." وفي أستراليا وبلجيكا والدنمارك وفرنسا وإيطاليا، تحظى الأحزاب القومية اليمينية المتشددة وتلك المعادية للمهاجرين في العادة بأكثر من 10 % من أصوات المقترعين. وفي فنلندا تبلغ النسبة 19 %، وفي النرويج 22 %، وفي سويسرا 29 %.
أما في إيطاليا والنمسا، فقد كانت هذه التيارات موجودة في التشكيل الحكومي. وفي سويسرا حيث حزب الشعب السويسري المعادي للهجرة هو أضخم حزب، فإنها ما تزال في السلطة.
كان بريفيك ينتمي إلى فرع شرير على وجه خاص من ذلك الاتجاه. لكنه لم يأت من اللامكان. كما أن القلاقل التي أفرزته ما تزال تنمو، فالفاشيون يتغذون على الحرمان الاقتصادي وحالة عدم اليقين وقضية العجز غير الديمقراطي بسبب عضوية الاتحاد الأوروبي، وقضايا السيادة ذات الصلة بالعولمة. كما تتمتع قوى أقصى اليمين في اليونان، على سبيل المثال، بانبعاث قوي. وعندما تمس الحاجة إلى أكباش فداء فإنهم يقدمونها. أما عندما تمس الحاجة إلى حلول، فإنها تصبح نادرة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Europe's homegrown Terrorists

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق