"البحر في أكياس بلاستيكية": معرض الفنانين الفلسطينيين الشباب في لندن

تم نشره في الاثنين 11 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

لندن- حين يتجول الزائر في أرجاء قاعات "mosaic rooms" في مقر مؤسسة عبدالمحسن القطان في لندن، حيث عرضت الأعمال الفائزة في مسابقة "الفنانين الفلسطينيين الشباب"، يجد نفسه يتنقل بين عوالم مختلفة ومفاهيم متباينة، ولكن يشده خيط خفي يربط بينها.
ما هو المشترك بين أكياس بلاستيكية مليئة بسائل أزرق شفاف وتتدلى من السقف، ولوحات تلامس حدود السريالية، يتمرد فيها التشكيل على الشكل ويطغى اللون على الفكرة المباشرة؟
وماذا يربط تلك الأعمال بإطارات الدراجات القديمة وعلب المشروبات الفارغة الصدئة والمخلفات الغذائية التي استخدمت كعناصر لعمل فني يعبر عن فكرة فلسفية؟
لا بد أن هذه الأسئلة دارت في ذهن بعض من زاروا المعرض الذي افتتح الجمعة الماضي، ويستمر حتى الحادي والعشرين من الشهر الحالي.
العمل الفني الذي أبدعه الفنان عايد عرفة باسم "أفق" يذكر برواية بعنوان "ما أبعد البحر"، لأن العملين قائمان على الفكرة نفسها.
عايد، فلسطيني يعيش في أحد مخيمات الضفة الغربية ويحلم بالبحر الذي لا يبعد عن مخيمه سوى 80 كيلومترا، لكن الوصول إليه شبه مستحيل، وهذا هو حال بطلة الرواية المذكورة التي تدور أحداثها أيضا في مخيم فلسطيني.
عايد لا يذهب الى البحر، لكن البحر يحضر إليه، ويلهمه أعمالا فنية، فتارة يعبئ مياهه في قوارير، وأخرى في أكياس بلاستيكية، فيما يسمى "بالفن المفاهيمي" "conceptual art"، الذي يقوم على التعبير عن فكرة فنية أو فلسفية من خلال استخدام عناصر مادية وأدوات عملية مستخدمة في الحياة اليومية.
يستخدم عايد في عمله المعروض أكياسا بلاستيكية مليئة بسائل أزرق شفاف. للوهلة الأولى لا يدرك الزائر المقاربة رغم أن اللون الأزرق يذكر بالبحر. ولكن الفكرة أبعد من ذلك.
إذن الفكرة قائمة على الحبس والاختزال، فكأن الفنان لم يستطع أن يقترب من البحر إلا إن اختزله حجما ووظيفة، وحبسه في حيز مغلق يحاكي واقعه المعاش، هكذا أصبح الفنان والبحر رفيقين ندين، فإن لم يستطع البحر أن يجر الفنان إلى الحرية جره الفنان الى السجن، ليشاركه المصير.
ولكن المفارقة أن عايد أعطى لعمله الفني اسم "أفق"، فهل قصد السخرية؟ أم أنه اكتفى من البحر بزرقته الشفافة، وإن كان سلبه أمواجه وحرمه من مناجاة الريح.
أما دينا مطر فقد لجأت الى التجريد الذي يقف عند حدود السريالية، فاللون هو العنصر الأساسي في اللوحة، أما الشكل فيخرج على القواعد المألوفة للتشكيل، وإن كان المتأمل في اللوحات بكثير من العمق سيستطيع تبين بعض المعالم المحددة للأشكال الغرائبية، ولكن هذا يبدو غير ذي صلة، فالعنصر الأكثر بلاغة في اللوحة هو الألوان والمفارقة بين تلك المستخدمة في الخلفية والأخرى التي تلون الأشكال الغرائبية.
في إحدى اللوحات التي لا تحمل عنوانا يبدو للناظر وكأنه يرى حفلة كوكتيل "تجريدية"، الأشخاص (أو الأشكال التي يفترض أنها تمثل أشخاصا)، اختارت لها الفنانة ألوانا زاهية، وأحيانا فاقعة، ولكنها صافية وهادئة ولا يشوبها أي تشويش.
ولكن إذا نظرنا إلى الخلفية فسنجد أنفسنا في مواجهة دراما صاخبة، فهي موزعة بين لونين: أحمر بلون الشفق ورمادي داكن يكاد يقترب من السواد، بلون الغيوم والعواصف.
العمل الفني الذي أبدعه عبدالله الرزي لم يكن معروضا بل كانت هناك سلسلة من الصور تمثله بالإضافة إلى فيلم قصير. والسبب أن العمل ليس لوحة، بل هو بنيان فني أقيم في خزان للمياه في غزة كان يستخدمه المستوطنون الإسرائيليون. العمل مكون من أجسام قديمة ومخلفات معدنية صدئة ترمز إلى التآكل والصدأ الذي يرى الفنان أنه ينخر وجدان الإنسان وينتهي به الى التحلل.
اختار الفنان لعمله الفني اسم "الجرثومة" ليعبر عن المقاربة بين ما تقوم به الجرثومة من تدمير لبنيان الخلايا الحية، وما يعتري النفس الإنسانية من تحلل، كما يرى الفنان.
ولكن ما الخيط الخفي الذي يربط الأعمال الآنفة الذكر التي أنجزها ثلاثة فنانين يعيشون في مدن مختلفة، وليسوا على معرفة شخصية ببعضهم؟
ربما كان هناك نفس الهاجس وراء أعمال الفنانين الثلاثة، وعلى أي حال فالعمل الفني مفتوح أمام أكثر من تفسير.
العمل الذي يحمل عنوان "أفق" يستحضر زرقة البحر لتمنحه أفقا أوسع من جدران بيته في المخيم، والألوان الزاهية الفرحة في لوحة دينا هي في مواجهة العواصف والمستقبل المكفهر خلف الغيوم الداكنة.
أما "الجرثومة" فهي صرخة استغاثة إلى الخارج تصدر عمن يحس بداخله بتمزق وبطبقات من الصدأ تجثم على روحه وتقتل نبض الحياة فيه.
إذن الهاجس المشترك يبدو واضحا هنا؛ هناك ما يجثم على وجدان الفنانين الثلاثة، ربما كان نفس مصدر الاكتئاب، واستجاب كل منهم له بطريقة مختلفة وإن كانت بعض الخطوط الخفية تربط بينها في الحالات الثلاث.

(بي بي سي)

التعليق