الحراك الشعبي يدفع المثقف للتشبث بدوره الريادي في التنوير

تم نشره في الاثنين 28 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

تحليل ثقافي

جمال القيسي

عمان - على مدار التاريخ لا عبر عقود، ظلَّ المثقفون العرب الحقيقيون يُحاربون بصدور عارية دفاعا ومنافحة عن القيم الانسانية العليا، ويراهنون ويقبضون على جمر الاعتقاد بأن يكون الغد أجمل تدفعهم فداحة الواقع، والهوة السحيقة التي تفصل بين خطابهم الثقافي والحالة السياسية التي يعيشون في ظل قسوتها.

ولإنصاف دور المثقفين ظلوا يؤكدون إيمانهم الجدي المتعاظم، والمتساوق مع طروحاتهم التي انتهجوها، رغم ما يتعرضون له من إرهاب وترهيب للحياد عما هم عليه، وظلوا ضد اي إلماح للتنازل والمساومة على ذلك، وهم بذلك يختلفون تماما لا بل عكس "الحالة السياسية" التي ما همها الا الدفاع عن ذاتها، وتلك لا ترتبط بالضرورة مع ما يؤدي الى الخروج بالحالتين الثقافية والسياسية الى ما ينفع أو يؤدي رسالة الأمة الواحدة.

نقطة الفصل بين بقاء "المثقف" متمثلا لدوره الريادي، وعدم ذلك، تكشف الصورة الحقيقية له، وهي تلك المساحة التي تسقط فيها أقنعة مدعي الثقافة والتنويرية، وتَمثّله لذلك هو القول الفصل ليختلف عن غيره مما تحمل توجهات ومراكز القوى الأخرى، وهذه النقطة لا مساومة عليها، هي العلامة الفارقة بينه وبين الحالة السياسية المقابلة (السلطة بأشكالها كافة) وما تملك من أدوات.

لا يمكن للمثقف ان يقفز عن دوره، كما شهدنا من دور حقيقي وعظيم للمثقفين الحقيقيين - في الثورة المصرية مثالا - لأن المثقف هو الذي يعرف أكثر من غيره، سواء من جماهير الناس أم من أدعياء الثقافة، بأنه صاحب الدور الأصيل، الذي إن تخلى عنه، سيكون قد أسهم بفجاجة في ضرب الوعي المجتمعي، وترك من يرونه مثالا يحتذى، متكئين على بنية نفسية (وهي الأشد خطرا وأثرا)/ سياسية / اجتماعية تفرضها السلطة آنذاك من دون عناء لا بل بتواطؤ منه.

حين يتأكد المثقف أن الجهة الأخرى، قد ضيعت البوصلة، وباتت تستهدي بمصابيح مكسورة، لا يفترض به التباكي على حالها المأزوم، أو الأسف على حالة فقدانها التوازن، بل عليه أن يعي أكثر أنه أمام (أما-أو) وعليه أن لا ينخدع باستسلام اي طرف للراهن الملقى على عاتقه، وعليه أن يعي أن لا أحد سواه يستطيع دفع المقابل الوقوف الحقيقي تحت وابل الترهيب، وأن يعرف أن "شراء صمته" غاية بعيدة لا تتحقق.

قد لا يكون دور المثقف ملموسا حالا وفوريا، لكنه هو الدور، وهو المؤسس لكل ما تكون عليه انعطافات التاريخ، ومفاصل تأسيس الحقيقة، وعليه فمن الخطير جدا أن ينأى المثقف بنفسه، تاركا الساحة للغير لفرض "رؤيته"، لأن السفينة واحدة، وصعد فيها الجميع، وخرقها سيلقي بالجميع في فم حوت كبير، لا تسمع من صيحات الاستغاثة في جوفه صدى.

لا بد للمثقف من دوام الارتكاز على أن ما يجري يخصه أكثر من سواه، لأنه هو من خطط لكل شيء من قديم، عبر حقب مختلفة ومن أيديولوجيات متباينة، وإزاء ذلك لا يليق أن ينبري للأمر غيره وإلا فإنه سيكون في الصف المقابل الساعي لخرق السفينة، أو وقوف المساند الحامي لذلك.

التنوير وما يستتبعه من استعداد المثقف لدفع الأثمان الباهظة، يجعل الآخر يقف على أرض رخوة بالنظر الى "خطورة" وفعالية هذا "المثقف" الذي يشكل قلعة حصينة، تحمي المجتمع من بطش وسطوة أي قوة مهما تعاظمت، وسيكون الاستعداد لدفع الأثمان، هو المقلق الدائم، والمقِضّ الأليم، الذي سيتم التفكير الطويل المدبر به، وبالتالي مراجعة كيفية احتوائه وتدجينه، إن استعصى على الإقصاء.

الرسالة التي يحملها المثقف يفترض أن لا تغيب عن وعيه، ولا يفترض مطلقا أن يأتيه من يذكره به، أو يحضه عليها المثقف العربي، إذا توقف عند تدبيج القصائد للحبيبة ذات العينين المكحولتين، أو أخذته حمى إصدار وتوقيع الكتب، لا بد أنه نفسه من ذلك "الصنف" الذي يعلن يأسه حتى من قول كلمة يتيمة فيما يجري لأن العالم كله "مؤامرة".

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق