"القط الذي علمني الطيران" لغرايبة: الكون كله خصم يستحق المبارزة

تم نشره في الثلاثاء 8 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

زياد العناني

عمان- كم هي بليغة تلك التجربة التي أبدَعها هاشم غرايبة منذ طوقت الشرطة بيته، وأخذوه في السيارة وانهالوا عليه بالضرب لمجرد أنه انتمى ذات شباب للحزب الشيوعي الأردني.

غير أن مبعث البلاغة هنا لا تتأتى من السجن أو من ضياع عشرة أعوام كاملة من عمره، بل من صياغة تلك المرحلة في قالب إبداعي يتكئ عليه ويسرد الحياة بطولها وعرضها لكي يتجاوز مهجعه الضيق بمجموعة من القصص والروايات اللافتة.

في روايته الجديدة "القط الذي علمني الطيران" الصادرة أخيرا عن دار فضاءات في عمان، يسردُ غرايبة تجربته عن السجن بأسلوب جديد وذلك حين يدخل "الفتى الغر" السجن بسبب انتمائه الحزبي الهش، فيكون الامتحان الصعب ليس لانتمائه السياسي، بل لروحه المتمردة، ولرائحة الياسمينة – الأم-، ولأحلامه وأشواقه المحلّقة؛ التي يجد صداها في كتابين لا علاقة لهما بالسياسة والإيدولوجيا: "الأمير الصغير، والنورس جوناثان".وعلى أرض الواقع يجد الفتى "عماد" سنده في صداقة لص اسمه "القط"؛ شخصية مركبة يبدو وكأنه اختار قدره كلص، ورضي بأن يكون من دون من حوله، رجل حالم وشفاف، لكنه متدثر بالسخرية يتقي بها شرور الواقع.. يبخل بإظهار مكنونه النبيل، وثقافته الخاصة؛ فلا يفيض عشقه الأصيل للحرية إلا حين يضطره الموقف لذلك!!..

ومن تلك الصداقة بين اللص صاحب الخبرة بالحياة والسجين السياسي الغض تضاء شخصيات السجن من حولهما، وتتشعب الرواية لنتعرف إلى عالم مختلف عما ألفنا، وشديد الالتصاق بما نعرف في الوقت ذاته حيث يطرح غرايبة فهمه للحياة على غلاف الرواية.

ويقول "الكون كله خصم يستحق المبارزة". ويضيف: "بما أننا نعيش مرة واحدة، فلتكن مغامرة إقدام تستنفذ كل قوانا.. لنكن مع أقران لنا يشبهوننا في عقولهم وقلوبهم نفتخر بما نعمل.. فعندما يحمل الناس وهم في قمة عنفوانهم قناعات وقيماً؛ فعليهم أن يتصرفوا وفقاً لها. وينفذوها".

وتحمل الرواية رائحة الحرية وإربد، وقصة رائحة الياسمين.. والعطن أيضا، وحكاية القبو وهو يتمدد ليصير فضاء للغرائب، وكل ذلك يأتي من خلال رصد ممتع لدفق الحياة القوي ينبض في أعتم زوايا السجن، ومراجعة شجية لذاكرة السجين وهي تتمدد عبر الزمان والمكان، وإضاءة لقنديل الحزن الشفاف في روح الفتى الذي تنقل لنا أحلام يقظته وهي تغمس عروقها في ينابيع الحياة والحب والجمال التي خبرها على أرض الواقع، أو في بطون الكتب التي أغرم بها.

وتستمدّ الرواية مادتها من التجربة الشخصية للكاتب في سجن فرعي صغير (سجن اربد- دار السرايا اليوم)، مع مساجين قساة لكنهم صادقون.. حيث النشّال مدمن نشل الجيوب ونبشها! واللصّ مدمن على السرقة! والمغتصب مدمن اغتصاب! واللوطي مدمن لواط! حتى الأسلوب إدمان؛ أسلوب كلّ فرد في ارتكاب حماقته الخاصة يتكرر مثل بصمته الخاصة!.. هنا الناس مكشوفو السريرة، أرواحهم مشرعة الأبواب، مخلّعة النوافذ.. لكنهم أبناء الحياة!

وتتشكل الرواية من بحث عميق في محدوديّة المكان خصوصا أنها تفتح على سؤال الزمن.. حيث الزمن مثل الماء يأخذ شكل المكان، وحيث الزمن مثل الأشياء.. لا يرى في العتمة، فالزمن قنديلٌ زيته الحركة، وفتيله الإنجاز.. (حتى الجنّة لا تطاق بلا إنجاز!)حيث تؤكد روح السجناء أنهم ورغم أن السجن زمن دائري إلا أنهم يننامون ويصحون ويأكلون ويمشون عبر نفس المشاهد، ويقابلون الوجوه ذاتها بتنويعات هامشية.. لكنهم يتشبثون بحلم الخروج من رحلتهم الدائرية كل يوم.

وتصل رواية "القط الذي علمني الطيران" التي تقع في 204 صفحات من القطع المتوسط، إلى حكمة تؤكد أن كسر الزمن وسط هذه الرزنامة الحافلة بالمفاجآت يبدو شيئاً جوهرياً وتدلنا كيف نعيش أيام العمر عبر المرور السريع والعبثي للزمن حين تقول: هناك خياران: طريق تمر بمشهد ثابت؛ تبدلاته لا تدهش، ولا تبهج، بل تجعلك سجيناً يتأفف من برد الشتاء، ورذاذ الربيع، وحر الصيف، وغبار الخريف.. فيما العمر يمضي، وتسّاقط أيامه مثل أوراق الرزنامة.. وخيار أن تتعلم الطيران الحر عبر سحر الكون المتجدد أبدا، فتشعر كل يوم أنك ذاهب لما تشتاقه، وأنك وهبت يوماً جديداً لتعيشه بعمق.. عُمرٌ تتنفس عبره صباحات الأيام بنهم، وتعيش لحظاته مثل هطول بتلات الياسمين في كفّ طفلة.

zeyad.anani@alghad.jo

التعليق