مناورة فلسطينية:كيف تعلن دولة من دون الإعلان عنها

تم نشره في الاثنين 27 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً
  • مناورة فلسطينية:كيف تعلن دولة من دون الإعلان عنها

إسرائيل هيوم: دوري غولد

رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية، سلام فياض، أطلق تصريحا غريبا في مقابلة مع دانا فايس من القناة الثانية أُجريت الأسبوع الماضي في واشنطن. فقد أعلن فياض بأنه معني بدولة فلسطينية، ولكن في ذات الوقت شدد على أنه غير معني بالإعلان عن دولة من طرف واحد.

ولما كان الحديث يدور عن مقابلة مع قناة تلفزيونية إسرائيلية، فمن غير المستبعد أن يكون حاول كسب النقاط في أوساط الجمهور في إسرائيل القلق من إمكانية أن يشاهد فياض وأبو مازن قريبا يقفان على شرفة في رام الله ويعلنان عن دولة فلسطينية في حدود العام 1967 وعاصمتها القدس.

هل هجر فياض المسار أحادي الجانب؟ هل حاول التلميح بأنه يعترف بذلك بأن الطريق إلى الدولة والحدود المعترف بها تمر عبر المفاوضات؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، يجب التطرق بانتباه شديد إلى صيغة أقوال فياض الدقيقة، والذي قال عمليا فيها إن الفلسطينيين غير معنيين بإعلان أحادي الجانب "إضافي" عن دولة. في 18 تشرين الثاني (نوفمبر)، كشف فياض النقاب عن قدر أكبر مما كان مستعدا لأن يكشف عنه في المقابلة مع القناة الثانية. فقد شرح قائلا: "أنا أقول دوما إن الأمر الذي علينا أن نركز عليه ليس الإعلان عن دولة بل بناء دولة، وذلك لأننا سبق أن أعلنا عن الدولة في الجزائر فيى العام 1988".

بتعبير آخر، حسب فياض، الدولة الفلسطينية قائمة منذ الآن ولا حاجة إلى إعلان إضافي في العام 2011، وذلك لأن عرفات أعلن عن الدولة في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1988 في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر.

ظاهرا، كل ما تحتاجه السلطة الفلسطينية الآن هو اعتراف بالدولة الفلسطينية القائمة. فياض يمكنه أن يصد شكاوى من جانب واشنطن عن سلوك أحادي الجانب بدعوى أن الفلسطينيين أنفسهم لا يعلنون عن دولة ولهذا فإنهم لم يعملوا بشكل غير مناسب. فياض غير ملزم بأن يأخذ المسؤولية عن اعتراف من جانب دول أخرى.

يجدر بالذكر أنه لو عملت إسرائيل أو الفلسطينيون بشكل أحادي الجانب وبادروا إلى تغيير المكانة القانونية للضفة الغربية، لكان الأمر شكل انتهاكا جوهريا لالتزام مركزي في اتفاقات أوسلو. ظاهرا، من خلال الاستناد إلى إعلان العام 1988، فياض يحاول القيام بمناورة قانونية لتجاوز العائق الموجود في التعهدات الفلسطينية للتسعينيات.

غيّروا اليافطة

غير أن هناك إخفاقات جوهرية في ادعاءات فياض. في العام 1988 كانت م.ت.ف في تونس ولم تكن لديها أي سيطرة من أي نوع كان على أرض جغرافية محددة ما - الأمر الذي يشكل أحد الشروط المسبقة للاعتراف بدولة حسب القانون الدولي.

ورغم أنه في السنة التي تلت ذاك الإعلان أعلنت 95 دولة اعترافها بالدولة الجديدة إلا أنه كان للعديد منها تحفظات. حتى الاتحاد السوفييتي، الحليف الواضح لـ م.ت.ف قال إنه "يعترف بالإعلان عن الدولة الفلسطينية، وليس بالدولة ذاتها".

متحدثون فلسطينيون يطيب لهم أن يذكروا أنه بعد إعلان العام 1988 اتخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارا في 15 كانون الأول (ديسمبر) العام 1988 بأنه أخذ علما (Acknowledge) بالإعلان عن دولة فلسطين من جانب المجلس الوطني الفلسطيني بأغلبية 104 دول.

القرار غيّر الاسم على يافطة مراقب م.ت.ف في الأمم المتحدة إلى "فلسطين". ومع ذلك، فإن القرار أيضا يشير إلى أنه لا ينبغي رؤية التغيير للمفهوم الذي يُستخدم للتعبير عن ممثلية م.ت.ف مؤشرا على تغيير جوهري ما في صلاحيات ووظائف م.ت.ف في ساحة الأمم المتحدة. بتعبير آخر، ما تم في الأمم المتحدة بعد إعلان العام 1988 كان رمزيا فقط.

السؤال العسير الذي ينبغي لفياض أن يجيب عنه هو كيف يمكنه أن يدعي بأن الدولة سبق أن أُعلن عنها في العام 1988، بينما الفلسطينيون أنفسهم يكررون التهديد بأنهم سيعلنون عن الدولة في السنوات التي تلت ذلك؟

العديد من الزعماء الفلسطينيين ادعوا أنه في 4 أيار (مايو) العام 1999 انتهى مفعول الاتفاق الانتقالي الذي وقعه الفلسطينيون مع إسرائيل. هكذا مثلا، أبو علاء، في منصب رئيس البرلمان الفلسطيني، كتب يقول إنه بسبب الفراغ القانوني الذي سينشأ كنتيجة لانتهاء الاتفاق، على الفلسطينيين أن يعلنوا عن دولة مستقلة، وفي النهاية هجروا الفكرة. في العام 2008، بعد أن أعلنت كوسوفو عن استقلالها، طرح الفلسطينيون مجددا فكرة الإعلان عن استقلال الدولة الفلسطينية.

البروفيسور جيمس كروفورد من جامعة كامبردج الذي يعتبر خبيرا دوليا رائدا في موضوع الاعتراف بالدول الجديدة، كتب في العام 2006 في كتابه حول هذا الموضوع يقول إن حاجة بعض رجال م.ت.ف للمبادرة إلى إعلان جديد من طرف واحد تثبت بأن أولئك الأشخاص يعتقدون بأن إعلان العام 1988 كان ضعيفا وغير كافٍ.

العمل مع السلطة

تجدر الإشارة إلى أنه حتى عندما ظهر أبو مازن أمام الجمعية العمومية في الأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2000، تحدث عن القدس كـ"عاصمة دولتنا المستقبلية". في شباط (فبراير) العام 2009 تحدث أبو مازن في البرلمان الأوروبي وعاد هناك وتطرق إلى الدولة الفلسطينية بصفتها "الهدف النهائي" المستقبلي.

الاستراتيجية الفلسطينية الحالية تشكل تحديا لدولة إسرائيل. كيف ينبغي لإسرائيل أن ترد عندما تعترف الأرجنتين والبرازيل أو بوليفيا بدولة فلسطينية؟ وكبديل، ما العمل عندما نسمع في القدس بأن عشر دول تريد رفع مستوى تمثيل م.ت.ف في عواصمها؟ الجواب هو أن شيئا لا يحدث من تلقاء نفسه بل إن هذه الأمور هي نتيجة ضغط مستمر من جانب السلطة الفلسطينية لنيل اعتراف دبلوماسي. عمليا، موقع الإنترنت لوزارة الخارجية في البرازيل يعترف بأن هذا الاعتراف نبع كرد على كتاب طلب أرسله أبو مازن الى الرئيس لولا في 24 تشرين الثاني (نوفمبر).

هناك سلسلة من الخطوات يمكن لإسرائيل أن تتخذها ردا على الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة. ومن الواضح أن على اسرائيل أن تعمل مع العواصم في العالم في الأماكن التي يفكرون فيها بمنح اعتراف بالسلطة الفلسطينية كدولة. ولكن هذه الدول ليست العنوان الوحيد. إذا لم تحاول إسرائيل تعطيل هذه الخطوات وردع السلطة الفلسطينية بأنه في نهاية المطاف المسؤولية عليهم، فبانتظارنا تصعيد في هذا النشاط في الأسابيع القريبة المقبلة.

التعليق