اعترافات ديفيد فان: "فكرت في الانتحار على مدى عشرين عاما"

تم نشره في الجمعة 3 كانون الأول / ديسمبر 2010. 09:00 صباحاً
  • اعترافات ديفيد فان: "فكرت في الانتحار على مدى عشرين عاما"

مدني قصري

عمان - "سوكوان إيسلند" قصة مثيرة تقطع الأنفاس. مع هذه الرواية التي تجرنا إلى ظلمات الروح البشرية، يستقر ديفيد فان ضمن الكتّاب الشباب الذين يحتلون المراتب الأولى في قائمة الموهوبين.

هذه الرواية التي صنفتها صحيفة "نيويروك تايمز" ضمن أفضل الكتب لعام 2008، وبيع منه في فرنسا 80.000 نسخة، يفوز هذه الأيام بجائزة "ميديسيس" للرواية الأجنبية "سوكوان إيسلند" صنع من ديفيد نجما للأدب العالمي.

كتابه كان يمكن ألا يظهر أبدا، لأن الحياة، كما تقول الصحيفة الإسبانية "لافانغوارديا"، لم تبتسم كثيرا لهذا الكاتب الأميركي. يقول الكاتب الذي ولد العام 1966 بأن أصل الرواية التي كتبها قصة انتحار والده، فيما كان عمره ثلاثة عشر عاما.

في تلك الفترة كان والداه منفصلين، وكان فان ووالدته قد غادرا جزيرة "أداك"، في ألاسكا، وتوجها إلى كاليفورنيا ليقيما فيها. وبعد مرور بعض الوقت طلب منه والده أن يعود ليعيش معه سنة واحدة، لكن فان رفض الطلب. وبعد مرور أسبوعين فقط انتحر الوالد.

يقول فان، في بوحه، إنه "أحس بالذنب"، ويوضح أن روايته "تدور حول إشكالية فرضت عليه فرضا أثناء الاقتراح الذي جاءه من والده". "سوكوان إيسلند"، بالفعل، يبرز أبا يصطحب ابنه البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما ليعيش معه في جزيرة في ألاسكا. إلا أن المؤلف يوضح أن الرواية تبقى مع ذلك مطبوعة بطابع الخيال، حتى يطلق العنان لمخيلته. وقد اختار، لغرض في نفسه، جزيرة أخرى غير التي نشأ فيها وترعرع ولم تطأها قدماه يوما.

في حوار مع مجلة نوفيل أوبسرفاتور يعود ديفيد فان، إلى السنوات الصعبة التي سبقت صدور روايته. استغرق تأليف الكتاب عشر سنوات من عمره، ثم عشر سنوات أخرى من الجهود المضنية في سبيل التوصل إلى نشره. وكانت هذه الفترة الطويلة سلسلة من حالات الأرق، ومن المحاولات المتكررة لإنهاء أيامه في هذه الدنيا المضنية.

"على مدى عشرين عاما ما فتئت فكرة الانتحار تستهويني. كنت أظن أن الأشياء إن وصلت إلى نقطة السواد الأعظم فسوف أتمكن من الإقدام على الانتحار، مثلما فعل أبي تماما. ثم ما لبثت أن لمست جوهر الأمر. فعندما لم يبق في جيبي سوى عشرة دولارات فقط أدركت أنني أفضل الاستمرار في الحياة. وساعتها تنفست الصعداء".

يرى ديفيد فان أن الكتابة ينبغي أن تكون وسيلة معالجة نفسية، ويعلن، فضلا عن ذلك، أن كتابه القادم سيتناول قصة زواج انتهى إلى فشل. في هذه الرواية كل ما ينطبق على الحياة ينطبق أيضا على العلاقة ما بين الأب وابنه: في البداية كان كل شيء على ما يرام. لم يقدم جيم (الوالد) أي نصيحة لابنه رُوي. ولم يصطحبه لصيد الدببة. فالدببة هي التي كانت تدمر الكوخ أثناء غيابهما، وتأكل غذاءهما، وتستولي على مؤونتهما، وتدمر جهاز الراديو، الوسيلة الوحيدة لطلب النجدة في تلك الجزيرة النائية. وسيكتشف القارئ لهذه الرواية، أن الكاتب لا يقصد من بطله روبنسون كروزوي. "سوكوان إيسلند" نقيض روبنسون كروزوي تماما: جغرافيا أوّلا، لأننا لسنا في جزيرة تقع عند خط الاستواء، بل عند الدائرة القطبية. وإنسانيا ثانيا، لأن "جيم" أبعد ما يكون عن صفة البطل الذي قد نتخيله. لقد أراد أن يلعب دور المغامر، فيما لم يكن مؤهلا لذلك. نذكر، مثلا، أن روبنسون الذي تاه في إحدى الجزر القصية استطاع ببلطة وفأس، أن يصنع كل ما كان في حاجة إليه: كوخه، وأثاثه. لا شك أن جيم قد قرأ وأخذ حرفيا رواية دانييل ديفوي، قبل أن يقرر الاستقرار على "سوكوان إيسلند". فعلى الرغم من أن جيم ورُوي قد حظيا بامتلاك كوخ وأثاث، وأسلحة، وأدوات ضرورية، فقد كانا في حاجة أيضا إلى بناء مخزن وغرفة تدخين ليجففا فيها اللحم. لكن هذه المهمة ما لبثت أن أضحت مستحيلة: فلم يكن جيم ماهرا، ولا بارعا في صناعة هذه الأشياء، ولذلك لم يفلح في إنجاز أي شيء. وإن نجح في أي شيء من ذلك فبفضل نصيحة ابنه.

فعندما يصطحب الأب ابنه في جولة عبر متاهات الجزيرة، يضيع في متاهاتها، ويكاد يعرض نفسه وابنه للهلاك، لاسيما وهو عاجز عن بناء كوخ يأويهما. ومرة أخرى يمسك رُوي بزمام الأمور. وعلى هذا النحو تنقلب الأدوار. وعلى مدى الصفحات نكتشف أن الابن أنضج من الوالد الذي سرعان ما تنكشف نفسيته المهزوزة، وذاته المضطربة، وشخصيته الضعيفة التي تملك إرادة ولا قوة. وهكذا لا يواجه رُوي قلقه الطفولي وحسب، بل يجد نفسه عاجزا عن أن يبوح بآلامه النفسية لأبيه الضعيف، هذا الأب الذي أصبح هذا الابن مسؤولا عن مساندته ودعمه.

هذا الأب الذي أخذ يذرف الدمع ذات ليلة ويبوح قائلا: "لقد خنت والدتك، عندما كانت حاملة بأختك. كنت أحسس أنها نهاية شيء من الأشياء، ربما نهاية كل ما أملك من إمكانات. كانت غلوريا (العشيقة) تعمل لساعة متأخرة من الليل. كانت تأتي إلى مكتبي وترميني بنظراتها. لم أتمالك نفسي. ولكم كان يؤلمني ذلك. كان الغثيان يصيبني بلا انقطاع. لكنني واصلت. وحتى بعدما رأيت كل الذي فعلته، وكل ما دمرته، لست على يقين من أنني سوف أتصرف على غير ما تصرفت (مع هذه العشيقة) لو أتيحت لي الفرصة ثانية. مشكلتي أن في داخلي شيء مختل، وغير طبيعي. أجدني عاجزا دائما عن أن أفعل ما ينبغي فعله. ولا يسعني أبدا أن أكون ما يفترض مني أن أكون حقا".

[email protected]

التعليق