"أرض أخرى 2" لنصر الله: اللوحة لا تتكئ على الشعر إلا باعتلالها

تم نشره في الجمعة 28 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً
  • "أرض أخرى 2" لنصر الله: اللوحة لا تتكئ على الشعر إلا باعتلالها

غسان مفاضلة

عمان- ربما ظلم لوحته، أو أقحمها في سياق مغاير للمحفّزات البصرية، التي شكّلت ملامحها ومنحتها مذاقا تعبيريا خاصا بها، عندما اعتبر التشكيلي محمد نصرالله على هامش معرضه "أرض أخرى 2" المتواصل في غاليري الأندى، أن روح القصيدة، "هي الأم الشرعية للوحته، وعندما ألتقي معها في لحظة نقاء الروح، تهزني وتحرضني على الرسم".

ورغم أن حقول الفنون تتجاور وتتنافذ فيما بينها، إلا أنه يصعب الجزم بتوالدها من بعضها بعضا، سواء بشكل شرعي أم غير شرعي؛ بسبب خصوصية أدوات كل حقل، وآلية عملها وفاعليتها في إطارها التعبيري.

ومع أن الحوار الجمالي بين حقلي الشعر والتشكيل يرفد كل منهما الآخر، ويكشف عن مساحات التقاطع التعبيري بينهما؛ بين "النص البصري" بمعطياته التصويرية على سطح اللوحة وفي فضائها، وبين "النص البصيري" بحسب تعبير أدونيس، بآفاقه التصوّرية في فضاء الشعر، إلا أن أوجه التقمّصات والتحوّلات، بينهما تبقى عُرضة للالتباس والمراوغة، وتُعرِّض بنيان كل منهما للقسر والإقحام.

سبق لنصر الله، الذي أقام منذ العام 1989 أحد عشر معرضاً، وشارك في العديد من المعارض العربية والدولية، أن خاض قبل نحو عام، غمار تجربة محاورة الشعر تشكيليا في معرضه "مرايا ترابية"، استنادا على العديد من النصوص الشعرية، لشقيقه الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، وهو المعرض الذي كشف عن إحكام سيطرته على بناء لوحته، وعلى موضوعها الذي استقاه من روحية النص الشعري، وساجله بصرياً ببراعة واقتدار.

ورغم براعته في استلهام الروحية الشعرية تشكيليا، ظلّت لوحة نصرالله، الذي درس الفن في معهد الفنون الجميلة، وحاز على دبلوم فنون من المركز الثقافي الإسباني بعمان، تحيل من آن إلى آخر، إلى مناخات النص الشعري وتمثّلاته الرمزية، مدفوعة بإغراءات التماهي مع روحيته والاتكاء عليها، من دون أن يشوبها اعتلال يسوّغ ذلك، ورغم استقلاليتها وامتلائها بحيوية التعبير والتكوين.

ولأن تحاور الغامض المشترك بين فضائي الشعر والتشكيل، وتساجله على نحو تعبيري شفيف، من دون الوقوع في منزلقات السرد والإنشاء، لهو أشبه بمن يخمّر عجينة البصر بالبصيرة، ويستدرج برؤوس أصابعه غواية الحوار، إلى مكامنها بين لون الرجاء الفسيح ولون التراب القتيم؛ وهما اللونان الأزرق والترابي، الأثيران لدى الفنان، الذي استدرج بهما عوالم لوحاته بلغة بصرية متئدة، بين الأرض والبحر والسماء.

ومع خميرته الأولى، واستدراجاته للغته المفتوحة على واقعه، ومحيطه الناغل بالآلام والأحلام، ومنذ كشف في باكورة نتاجاته الفنية الأولى قبل نحو 20 عاما، بدأت مع معرضه "أناشيد التراب"، وما تلاه من معارض عديدة مثل: "طيور وفزاعات"، و"فضاء آخر"، و"أرض أخرى"، و"مرايا ترابية"، وصولا إلى معرضه الأخير المتواصل حتى 17 حزيران (يونيو) المقبل، ما انفكّ نصرالله عن رفد أسلوبه، الذي ابتكره لنفسه وميّزه عن غير من الأساليب الفنية الأخرى، بمخبوءات ذاكرته مما اختزنته من موضوعات متنوعة، خبرها وعايش تفاصيلها عن قرب.

وسواء اتخذت تكوينات الفنان، المولود في مخيم الوحدات العام 1963، والذي يبحث دائما عن مساحة مختلفة للتعبير عما يراه ويحسه، شكل الفزاعة، أو الطائر، أو قطعة خشبية تتعامد مع الأرض، أوتتوازى معها في الفضاء، فإنها تتمثل جميعها هيئة الإنسان، وتتقمص روحه وأحلامه تعبيرياً.

تترصّد تكويناته من شقوق عيونها، ومن مكمنها الأمين الفضاء الملوّن بلون التراب. عيونٌ ووجوه مقنعة، وأياد عمياء: الكلُّ يَسْرد الهواء بطريقته، توجساً وريبةً واحتداما. والكلُّ يستطلع الغامض الغائب من حضور التراب الكثيف. وما أن تحتشد في كائنات نصر الله، إمكانات المواجهة مع الخارج، حتى تصبح ضراوة التعبير عن الداخل، مواجهةً أخرى في مساحات الكشف والإخفاء بين الأرض والسماء.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وبعدين؟ (أمل)

    الجمعة 28 أيار / مايو 2010.
    لماذا يبدو النقد التشكيلي في الأردن دائما كأنه قراءة في فنجان
    ما المشكلة في أن تساجل اللوحة الشعر والرواية السينما والقصيدة السيناريو والشعر اللوحة؟ وهناك أبحاث كثيرة في العالم تؤكد هذا الغنى، الذي نحوله نحن إلى فقر أو نقصان