بين الأخلاق والسياسة الحقيقية

تم نشره في الخميس 27 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً

يوسي بيلين 26/5/2010

بشرت العناوين الصحافية قبل بضعة أيام بالكشف الصحافي الكبير في ظاهر الأمر لصحيفة "الغارديان" البريطانية وفحواه أن إسرائيل عرضت على جنوب افريقيا في العام 1975 سلاحا يمكن تفسيره بأنه سلاح ذري. وقد أنكر رئيس الدولة شمعون بيريز الذي عمل آنذاك وزيرا للحرب، النبأ الذي اعتمد على كتاب ساشا بولاكو - شورانسكي، ويفهم من يقرأ الكتاب أن قضية صفقة الصواريخ (التي لم تحقق قط) هي إحدى القضايا الأقل مركزية في الكتاب.

في السبعينيات، بعد حرب يوم الغفران، بلغت إسرائيل واحدة من أدنى لحظات الحضيض في تاريخها. كانت تلك هي السنين التي اتخذت فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار المخيف الذي سوى بين الصهيونية والعنصرية، وقطعت دول كثيرة علاقاتها الدبلوماسية بنا، ومن جملتها جميع دول افريقيا تقريبا التي أكثرت إسرائيل الاستثمار فيها في الستينيات.

في الوقت نفسه ازدادت المواجهات بين البيض والسود في جنوب افريقيا، وابتعد العالم عن دولة الفصل العنصري، أما النظام العنصري في هذه الدولة فأراد توثيق العلاقات بإسرائيل. كانت تلك علاقات اقتصادية وعلاقات أمنية وكانت أهميتها كبيرة في نظر جنوب أفريقيا بسبب العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وبخلاف دول أخرى أقامت علاقات سرية بهذه الدولة، أجرت إسرائيل في السبعينيات زيارات ولقاءات رسمية مع رؤساء الفصل العنصري، ومن ضمنها زيارات رؤساء النظام إلى إسرائيل. وقد أقامت إسرائيل علاقاتها الأمنية الوثيقة سرا.

كان ذلك حلفا فظيعا. سوغت الحكومة ذلك بأن العالم منافق وبأنه مع عدم وجود أصدقاء آخرين يجب الاكتفاء بما يوجد، وكأنه توجد جماعة يهودية كبيرة في جنوب افريقيا ومن المهم الحفاظ من أجلها على علاقات جيدة بالسلطات. وكانت إسرائيل مقتنعة أيضا بأن سلطة الفصل العنصري ستبقى في الحكم سنين كثيرة، وشبهت منديلا بعرفات ولم تشأ إنشاء أي علاقة بالتحالف الذي كان يرأسه نيلسون مانديلا. أصبحت إسرائيل وجنوب افريقيا دولتين برصاوين أيد بعضهما بعضا. وفي العام 1977 اتخذت الأمم المتحدة قرارا بوقف بيع السلاح إلى جنوب افريقيا، وتجاهلت إسرائيل القرار. فاقت حكومة بيغن - وايزمن حكومة رابين - بيريز في هذا الشأن، وبعد ذلك بعشر سنين فقط اعترفت إسرائيل بأنها كذبت على العالم.

عندما أردت، وقد كنت المدير العام لوزارة الخارجية، في العام 1986 فرض عقوبات على جنوب افريقيا كما صنعت آنذاك جميع دول العالم، جابهت سورا حصينا من أعضاء المجلس الوزاري المصغر من الليكود والعمل الذين وعظوني باسم "السياسة الواقعية" إزاء السذاجة وطيبة النفس. وفي نهاية الأمر فرضت إسرائيل عقوبات على جنوب افريقيا خلال العام 1987 وذلك في الأساس لأن رئيس الحكومة آنذاك، اسحاق شامير جند نفسه للنضال الذي دبرته، وانضم إليه شمعون بيريز الذي تولى وزارة الخارجية مخالفا موقف جهاز الأمن كله، والموساد على رأسه.

العلاقات اليوم بين إسرائيل وجنوب افريقيا بعيدة عن أن تكون علاقات صداقة. فما يزال رؤساء تحالف اي أن سي الذين يصرفون أمور الدولة اليوم يذكرون الشراكة مع نظام الفصل العنصري، لكن لولا تلك العقوبات لما استطعنا أن نقيم اليوم علاقات دبلوماسية بهذه الدولة المهمة.

وهذا أمر يبرهن على أن السياسة الخارجية الأخلاقية (أو اليهودية إذا شئتم) هي - في أكثر من مرة - السياسة الأكثر عملية أيضا.

التعليق