نقاد: "أوراق معبد الكُتبا" تعبر عن أزمة الإنسان الحائر

تم نشره في الأربعاء 12 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً
  • نقاد: "أوراق معبد الكُتبا" تعبر عن أزمة الإنسان الحائر

ندوة في رابطة الكتّاب تعاين رواية هاشم غرايبة الجديدة

عزيزة علي

عمان- أكدت ندوة في رابطة الكتّاب أول من أمس، أن الروائي هاشم غرايبة في روايته "أوراق معبد الكُتبا" يعبر عن أزمة الإنسان الحائر من خلال إطلاقه أسئلة وجودية، ناحيا في ذلك منحى تجريبيا في تقنيات الرواية السردية.

الندوة التي تأتي ضمن سلسلة قراءات في كتب التفرغ الإبداعي، شارك فيها الناقدان د.أحمد الخطيب وزياد أبو لبن، وأدارها د.زياد الزعبي.

ورأى الخطيب أن غرايبة "جعلنا في هذه الرواية نقف أمام اتجاه جديد في كتابة الرواية العربية، بعد أن خاضت الرواية في الموضوعات السياسية والاجتماعية والثقافية".

وأكد أن غرايبة نهل من الأساطير والحكايات الشعبية، لافتا إلى ضرورة اتجاه الكتاب "إلى محطة مهمة، في التاريخ والفلسفة والعقائد من وجهة نظر عصرية".

وبين الخطيب أن فهم الواقع على حقيقته، شرط أساسي للتمكن من تجاوزه، لرأيه أن فن الرواية هو السبيل الأمثل لفهم هذه الحقيقة، فـ"رواية غرايبة ومثيلاتها من الروايات العربية تعد تطويرا للرواية الأردنية والعربية بشكل عام".

ولفت إلى مسألة تجاوز رواية "الحكي" نحو رواية "المعرفة"، إذ لم تعد الرواية مجرد منجز تخيلي، يمتح من الواقع حينا، ومن الخيال أحيانا أخرى، لرأيه أن رواية الحكي "استنفدت طاقاتها وإمكاناتها الإبداعية".

وأشار إلى أن غرايبة نحا في هذه الرواية منحى تجريبا في تقنياته السردية، وهذا يعد عملا صعبا، فعلى كاتب مثل هذا النوع من الرواية أن "يتهيأ له بمزيد من القراءة المتخصصة الدقيقة، حتى يشكل فهما خاصا، ورؤية بعينها، يسعى إلى تحقيقها، أو تجسيدها من خلال عمل تخيلي في لغة خاصة، يتوازن فيها المعرفي والأدبي".

غرايبة لم يكتب الماضي، وإنما يكتب الحاضر، وفق الخطيب، بل قام بعملية تشريح دقيق للراهن العربي، وإظهار مواقفه من هذا الواقع المتردي، وإدانته له، وقد قدم رؤية تشاؤمية لمستقبل الأمة العربية، إذ ظلت تكرر أخطاءها بإتقان، ولم تفد من قراءة تاريخها.

كما أشار الخطيب إلى إحدى شخصيات الرواية الرئيسة وهو "الحارث" الذي حارب هيرود وخلفه روما، وهما العدوان اللدودان لبترا طوال عمرها، في إشارة من الروائي إلى ما يحدث الآن بين العرب وإسرائيل "نحن نحارب إسرائيل وخلفها الروم كلهم. فها هو الماضي يحيل على الحاضر".

وأكد الخطيب أن غرايبة قدم صورة المرأة في هذه الرواية كإدانة للراهن العربي وموقفه من المرأة، مشيرا إلى أن المرأة لم تأت كعنصر ثانوي لاستكمال مطالب العالم الذكوري، وإسداء خدماتها الخالدة له، وإنما جاءت أساسا فاعلا ومؤثرا، مشاطرا للعالم الذكوري في تحقيق الحلم، فهي الربة أترعتا "الروح"، وأليسار "الثقافة"، وأباس "القضاء"، وسولار "الاقتصاد"، وزلف "العلم"، وناوند "الفن"، والميرة سعدات "السلطة".

وبين الخطيب أن غرايبة قسم روايته مناصفة بين سفيان الثمودي وأليسار اللذين شكلا البطولة المحورية فيها، مؤكدا أنه قدم من خلالهما مشهدا ديمقراطيا عز نظيره، حينما دعا سفيان "وزير بترا أثناء خروج الحارث للحرب" لعقد اجتماع لنساء بترا، والذي استهلته الربة أترعتا بالقول "نحن نساء بترا الماجدات، نمسك عنان الحياة بحرص لتمتطيها الأجيال إلى الخلود.. نناول الترس والفأس للرجال، ونقول: عد رافعا ترسك، أو محمولا عليه. عد رافعا فأسك، أو ليكن مغروسا في صدرك؛ أما نحن النساء فمهمتنا الجليلة أن نحمي الحبل السري لاستمرار وجودكم على هذه الأرض".

ورواية غرايبة تقوم، بحسب الخطيب في بنائها على تعاقب مجموعة من الأصوات، فالفصل الأول خاص بسفيان الثمودي وقد شارك فيه ثمانية عشر صوتا، وكان نصيب الرجال منها خمسة عشر صوتا، ونصيب المرأة ثلاثة أصوات، والفصل الثاني كان نصيب الرجل خمسة أصوات، وحظ المرأة ثلاثة عشر صوتا.

وخلص إلى أن هذه الرواية تجعلنا قارئين فاعلين، ومحاورين جيدين، وهي ليست رواية جسد، وتبدو شديدة الانخراط في الهم العربي العام. كما أنها رواية غنية بدلالتها وبنائها وتشكيلاتها الفنية، وتعد إضافة نوعية لمنجز غرايبة الروائي.

الناقد زياد أبو لبن رأى أن غرايبة يطالعنا في هذه الرواية برواية محكمة الإتقان، حيث يختلق عالما متخيلا يتكئ على التاريخ؛ من خلال التقاط رقاع المعبد أو الدار، في تصوير بارع للمتخيّل السردي، حيث يرصد الأمكنة المتعددة وحركة الشخوص، ويقطع الزمن عبر تحولات سردية متقنة.

وأضاف أبو لبن أن الروائي منذ البداية يوهمنا في الانتقال بين زمنين مختلفين؛ زمن يحمل من التكنولوجيا الحديثة ما يحمله، وزمن بترا القديم، من خلال الُحلم، في تكرار عبارة "رأيتُ فيما يرى النائم"، وهذه العبارة لا تفترق عمّا فعله الروائي نجيب محفوظ في رواياته، التي ترتدّ للتراث، وما فعله جمال الغيطاني في كثير من رواياته، وما فعله أخيراً يوسف زيدان في "عزازيل".

وبين أن غرايبة استحضر التاريخ في النصّ الروائي كما فعل نجيب محفوظ في "عبث الأقدار"، "ردوبيس" و"كفاح طيبة"، لكن نجيب محفوظ لم يقتنع ببناء الروايات الثلاث فأهمل أكثر من ثلاثين رواية كُتبت على الشاكلة نفسها، كما تحدث عن ذلك في حوار صحافي، فاتّجه إلى كتابة "القاهرة الجديدة"، ولكن جورجي زيدان سار على الخط نفسه، فبقيت رواياته تراوح مكانها في استخدام لغة السرد التاريخي، الذي يطغى عليه الحدث التاريخي، في حين استفاد جمال الغيطاني ويوسف زيدان وهاشم غرايبة من التاريخ في خلق عالم روائي جديد.

وأشار أبو لبن إلى الحواشي التي ظهرت في غرايبة؛ فهي "تفسّر وقائع وأحداث تاريخية حقيقية، تفترق داخل المتن الروائي تماماً، وكأن تلك الحواشي توقع القارئ في وهم الأحداث التي يصنعها خيال الكاتب، خصوصا من خلال ظهور شخصيات روائية ترتدّ في حقيقتها لشخصيات تاريخية حقيقية".

وقال أبو لبن إن المكان يلعب عند غرايبة دوراً أساسياً وفاعلاً في الأحداث، تتمثّل في المكان المركزي "بترا"، وأمكنة أخرى مثل مأدبا وربة عمون وأورسالم وغيرها. فامتزجت الأمكنة التاريخية بأحداث الرواية، وبرع في وصف الأمكنة، كما برع في وصف الشخوص، مثلما هو وصف ديالا في صفحة 45، ووصف يعقوب السبئي في صفحة 51.

وبين أن السيطرة على الشخصيات في الرواية ليس بالأمر السهل، فهناك العشرات من الأسماء التي تتفاعل داخل الأحداث المتوالية، لكن تبقى هناك شخصيات ترتكز عليها الأحداث جاءت عناوين لمفاصل الرواية.

ورأى أن الروائي ينطلق في رواياته بتساؤلات الإنسان الحائر في أسئلة وجودية اتخذت من التاريخ نقاط تحوّل بين الماضي والحاضر، فشخصية سفيان الكُتَبَي/السارد تبعث في خيال القارئ حياة جديدة للمكان المتمثّل بـ"بترا"، فالسياق التاريخي لتلك الشخصية لم يُغرقها استنطاق الماضي، بل أضفى استنطاقاً جديداً للحاضر، كما نجد ذلك في شخصية أليسار بنت زيدار، وزوجها نسرو الذي يُدعى بصالح.

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق