العرب يتوجهون إلى القدس الغربية

تم نشره في الاثنين 10 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً
  • العرب يتوجهون إلى القدس الغربية

اسرائيل هيوم

نداف شرغاي 9/5/2010

في ليل السبت الماضي، في منتصف القداس، احترق مصباح الإنارة في منزل عائلة ليفي في شارع بار يكار في حي النبي يعقوب في شمالي القدس، فانقطع التيار الكهربائي عن الشقة، وبقي أبناء العائلة المتدينة في الظلام. بعد دقيقة من التراكض هنا وهناك، تغلب أفراد العائلة على حرجهم، فدقوا باب منزل جارهم العربي نبيل الذي انطلق من ورائه صوت المغنية اللبنانية نوال الزغبي وطلبوا منه أن يقوم بدلا منهم باشعال النور في الشقة وذلك احتراما للسبت. فاستجاب نبيل بسرور.

وفي المنطقة المجاورة لشارع سييرت دوخيفات في بسغات زئيف، الحي المقدسي الشمالي الآخر، تسكن عائلات عربية. قبل نحو أسبوعين تسلى هناك أبناء عائلة عيني وأبناء عائلة حلاق بمباراة كرة قدم، فيما أصابت كرة فجأة بقوة وجه عباس، ابن 9، سقط وبدأ يتقيأ. رفاقه اليهود نقلوه بسرعة إلى جارهم، الطبيب العربي الدكتور خلايلة الذي يسكن في الحي اليهودي فقدم له إسعافا أوليا.

هذه الحكايات، قصص صغيرة عن نسيج حياة جديدة جلبتها معها هجرة العرب إلى الأحياء اليهودية في شمالي القدس. قد لا تكون تهم الولايات المتحدة بقيادة أوباما. ولكنها تنطوي على تغيير دراماتيكي لا يقل عن التغيير الذي يجري في الأحياء العربية، التي يدخل إليها اليهود.

في المركز التجاري لحي التلة الفرنسية مثلا، وهو حي يهودي آخر في شمالي العاصمة، يبرز خليط السكان الجديد هذا على نحو خاص: مركز الحي، شارع ههغنا يعج في الصباح بمئات العرب الذين انتقلوا إلى السكن في المنطقة، وبمئات من سكان حي العيسوية المجاورة. العبرية تكاد لا تسمع هنا، سواء كان في المقهى أو في صالون الحلاقة أو في البنك.

في يوم الذكرى الأخير تلقت الديمغرافيا المتغيرة هذه تعبيرا ملموسا، عندما وقفت الموظفتان في فرع البريد المحلي صامتتين خلال الصافرة بينما جمهور الزبائن، الذي يكاد يكون كله عرب، واصل شؤونه.

التغيير يؤدي أيضا إلى التوتر: في ملاعب الرياضة وفي الحدائق العامة تنشب غير مرة مشادات وجدالات بين الفتيان اليهود والفتيان العرب. والشابات اليهوديات اللواتي يسرن في مركز ليرنر، المركز الرياضي الكبير قرب الجامعة في جبل المشارف، يرافقهن في الصباح وفي المساء عمال أو أصدقاء يهود، بعد أن ازدادت تحرشات الشباب العرب. كما أن هناك ميزة واضحة لموجة الكسر وخلع أبواب الشقق والسيارات: الكاسرون والخالعون للشقق والسيارات كما تبين غير مرة هم من الجيران من القرية المجاورة الذين يقضون ساعات اليوم في الأحياء اليهودية.

في كنيس "خيمة غبريئيل وابراهام" في شارع بتسليئيل في بسغات زئيف تعصف الخواطر: يهودا غباي، الذي أقام الكنيس، والحاخام، يتوجهان المرة تلو الأخرى إلى المصلين مناشدين إياهم عدم بيع أو تأجير شققهم للعرب. ولكن معظم البائعين ليسوا ممن يأمون الكنس، والمقاطعة لا تؤثر عليهم.

بسبب الجدار الأمني

"الاستيطان" العربي في قلب "مناطق مكتظة بالسكان اليهود" لا يثير الانتباه الدولي، كما يثيره "الاستيطان" اليهودي في قلب المناطق المكتظة بالسكن العرب، ربما لأن الدافع بشكل عام مختلف. فالسبب المركزي الذي يدفع "الاستيطان" اليهودي هو سياسي – أيديولوجي: الرغبة في إسكان كل أجزاء القدس والتخوف الكبير من تقسيم المدينة. أما السبب المركزي الذي يدفع "الاستيطان" العربي فهو مادي – إقتصادي.

"الاستيطان" العربي الذي لا يكثرون من الحديث عنه بدأ قبل نحو خمس سنوات حين أقيم الجدار الأمني على خلفية موجة الإرهاب. وقد أخرجت أسوار الاسمنت العالية نحو 40 ألف فلسطيني من نطاق المدينة. وقد جاء الرد الفلسطيني مفاجئا للكثير من الإسرائيليين: في غضون نحو سنتين نزح إلى الجانب الإسرائيلي من الجدار بين 50 إلى 90 ألف فلسطيني (حسب تقدير مصادر الأمن). ولم ينظمهم أحد. كانت هذه حركة عفوية لأناس خشوا من فقدان مكان عملهم وتعليمهم، ومن حرية الحركة، وحق الوصول إلى أماكن العمل والاستحقاقات لمخصصات الشيخوخة والتأمين الوطني.

كما أن الأعمال التجارية تحركت غربا. الكثير من المهاجرين الجدد، ذوو بسطات وتجار، خشوا من الاقتراب من حكم السلطة الفلسطينية، ولكنهم خافوا الحديث عن ذلك بشكل علني. وفي غضون بضع سنوات ارتفعت أسعار الشقق في الأحياء العربية في الجانب الإسرائيلي للجدار إلى رقم قياسي. في بيت حنينا وفي العيسوية لم تتبق شقة لطبيب. وتنازل بعض السكان الجدد فسكنوا باكتظاظ، حتى في الأقبية.

وعندما "سدت" الأحياء العربية، بدأ السكان الذين انتقلوا إلى الجانب الإسرائيلي من الجدار يشترون ويستأجرون الشقق في الأحياء اليهودية من القدس ولا سيما في الشمال. وانضمت إليهم شريحة مثقفة من الأكاديميين، ومن رجال التعليم والأطباء العرب، وبعضهم مسيحيون من الجليل، ممن أرادوا لأنفسهم مكان سكن في محيط غربي يقدم خدمات على مستوى عال وكذلك حفنة من العملاء الذين أسكنهم جهاز الأمن هناك.

معهدان للبحوث وثقا ما يجري: معهد القدس للبحوث الإسرائيلية والمركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية. ولكن الهيئة الوحيدة التي عنيت بالمتابعة المنهاجية للظاهرة كانت "سلطة شكاوى الجمهور لشؤون شرقي القدس"، وهي هيئة ذات طابع يميني صرف، يرأسها آريه كينغ.

في العام 2007 درس رجال كينغ 100 شارع في الأحياء اليهودية من القدس. وبلغوا عن 380 وحدة سكن ومحلات تجارية اشترتها أو استأجرتها عائلات عربية. وفي كانون الثاني العام 2010 أجري استطلاع متجدد في ذات المائة شارع، وعثر على 576 وحدة سكن اشتراها أو استأجرها العرب، ما يعني ارتفاعا بمعدل 42 في المائة.

تقدر بلدية القدس أن نحو ألف عائلة عربية انتقلت إلى الأحياء اليهودية في شمالي المدينة حتى الآن.

ولكن التغيير ليس في الشمال فقط. فقد بدأ العرب يشترون شققا في وسط القدس أيضا، وفي شوارع مثل كيرن هيسوت، يافو، حفتسيلت، الملك جورج، الحاخام كوك أو البلماخ، وكذلك في الأحياء الجنوبية: غيلو وتلبيوت الشرقية. وبالإجمال يدور الحديث عن نحو 1.500 عائلة عربية تسكن في الأحياء اليهودية. وهذا الرقم لا يتضمن الأحياء التي تسمى "مختلطة". وهو أعلى بكثير من عدد اليهود الذين استوطنوا في شرقي المدينة.

إن هذه الظاهرة، التي أخذت تزداد زخما في السنين الأخيرة تؤثر في الحقيقة في نسيج الحياة في الأحياء التي يهاجر إليها العرب، لكن لها معنيان أكثر عمقا.

الأول: حسب انطباع الباحثين الذين يقومون على أحاديث مع سكان عرب، يجري تقسيم المدينة بهدي من مخطط كلينتون الذي يحاول الفصل بين الأحياء العربية والأحياء اليهودية يفضي إلى موجة هجرة عربية أوسع بكثير (لنفس الأسباب الاقتصادية)، لكن إلى قلب المنطقة اليهودية في غربي القدس هذه المرة.

والثاني: أن نشطاء اليمين الذين "يحتلون" قطعا من الأرض وبيوتا في شرقي القدس، يستعملون الهجرة العربية إلى الأحياء اليهودية ويقولون علنا إنه إذا كان لا يجوز لليهود شراء شقق في الجانب العربي، فإنه لا يجوز للعرب أيضا شراء شقق في الجانب اليهودي. وهم يتركون نصف المعادلة الآخر لليسار. فهؤلاء يزعمون أنه إذا كان يجوز لليهود استيطان أحياء عربية فإنه يجوز للعرب أيضا استيطان أحياء يهودية.

مهما يكن الأمر فإن السكان اليهود في الأحياء التي يتم فيها هذا المسار في حرج ويصعب عليهم هضمه. ويقول ابراهام ريفلين من بسغات زئيف إنه ينقض على كل شقة تعرض للبيع في شارعه "عشر عائلات عربية تعرض مالا أكبر. المحافظون والمتدينون لا يبيعون لكن الجمهور العلماني يبيع. عندنا رائد من الجيش الإسرائيلي أجرى تفاوضا مع طبيب نصراني. تحدثنا معه وارتدع. وفي شارعنا امرأة أخرى هددها الجيران بأن يلقوا عليها اللعنة بواسطة حاخامات كبار إذا باعت الشقة، ورجعت عن ذلك أيضا، لكن برغم ذلك بيعت في شارعنا أربع دارات للعرب".

يقول ريفلين، وهو في الثانية والسبعين وكان في الماضي محاسب صندوق المرضى العام إنه ليست في قلبه ضغينة على العرب. "إن بعضهم جيران مثاليون، لكنني اخترت العيش في دولة إسرائيل لأعيش بين يهود لا بين عرب".

وتقول رفيت كوهين وهي محامية تسكن شارعا مجاورا: "من فرط ديمقراطيتنا، نسينا أننا يهود أيضا. ليست المشكلة هي العرب، بل اليهود الذين يبيعونهم. إن لي أولادا ولا أريد أن أراهم يصادقون أبناء العرب وبناتهم. تدرس في صف ابني بنت عربية أيضا. إنهم يستطيعون أن يكونوا الناس الألطف في العالم، لكن السكن معا سيفضي بالضرورة إلى الذوبان فيهم".

ويقول يهود غباي، ويسكن شارع زيلبر شتاين المجاور الذي دخلته أيضا عائلات عربية، إن هذا الشأن يمزق قلبه: "لو أردت أن أعيش معهم، لعشت في فرنسا أو في بريطانيا. أتيت لأسكن دولة يهودية". أما إيلي بن حامو، رئيس الإدارة الجماهيرية في بسغات زئيف فيتابع ما يحدث، لكنه يعترف بأنه "لا يمكن فعل شيء. فالحديث على العموم عن جيرة طيبة، لكن لا يمكن تجاهل أنه توجد شوارع يتغير طابعها رويدا رويدا. ليس هذا ما رجوناه".

سلاح اقتصادي

إن الحاخامات هم الذين يرفضون التسليم بالواقع. قبل بضعة أشهر اجتمعوا في جفعات زئيف وأعلنوا سلسلة من المقاطعات ليهود يبيعون أو يؤجرون شققهم لعرب. وكان من بين الحاخامات حاخام صفد، الحاخام شموئيل الياهو، والحاخام يعقوب يوسف ابن الحاخام عوفاديا يوسف. وأعلن الحاخامات أن من يبيع عربيا شقته لا يستطيع الصعود إلى التوراة ويبتعد عن الكنيس. بل إنهم هددوا بنشر صور أشخاص يريدون بيع شققهم إلى عرب.

تحدث ارييه كينغ في المؤتمر عن "مقاول كبير يبني في افرات وفي بيتار باع شقته إلى عربي. توجهنا إلى الناس هناك كي لا يشتروا شققا منه". وفي مناسبة أخرى أتى حاخامات يهوديا متدينا باع شقته في بسغات زئيف إلى عربي، وانتقل إلى معاليه ادوميم. عملوا على إبعاده عن الكنيس ونشروا اسمه على الملأ.

في التلة الفرنسية يعملون على نحو مختلف. فرئيس الإدارة جدعون يجير يعمل كي تنشئ البلدية والسلطات في حي العيسوية القريب حدائق عامة، وفرع بريد ومصرفا وخدمات أساسية أخرى. ويقول "إذا أصبح عندهم هذا هناك فلن يأتوا إلى هنا". وقد زار يجير منطقة الطور قبل بضعة أشهر. وعن هذه الزيارة يقول "بين لي أفراد الإدارة الجماهيرية هناك عشرات البيوت بناها محليون. تركت في اللحظة التي أنشىء فيها الجدار وبقيت هذه البيوت خارجه. وقد انتقل الجميع إلى الجانب الإسرائيلي وإلى الأحياء اليهودية أيضا".

لا يحاول يجير تحسين الواقع: "توجد احتكاكات بين يهود وعرب في التلة. ويوجد أناس يخافون الخروج ليلا. وتوجد احتكاكات في الملاعب وفي البركة. ولا يستطيع آباء أولاد صغار إرسالهم وحدهم للعب خارجا. هذا وضع غير طبيعي".

وتقول جنيت روتمان وتسكن التلة الفرنسية إنه "يتنافس في الشقق التي تخلو عرب وحريديون. إذا رفع العلمانيون أيديهم وتركوا، فيفضل أن يدخل الحريديون كي يظل الحي يهوديا. الحريدون الذين يأتون إلى هنا هم من الولايات المتحدة وبريطانيا. لا من متطرفي مائة شعريم. وهم أكثر انفتاحا وتقبلا للآخر". وتؤكد روتمان أيضا أنها لا تحمل ضغينة للعرب: "كثير منهم لطفاء، لكن مجرد حقيقة أنهم يسمون شارع بار كوخفا عندنا اليوم "جادة سخنين" يقول كل شيء، وبرغم ذلك لا نستسلم".

قال تيدي كوليك ذات مرة إنه يريد أن يرى القدس مثل "فسيفساء أحياء متجانسة، المتدينون على حدة والعلمانيون على حدة والعرب على حدة واليهود على حدة. فالناس يحبون أن يعايشوا أنفسهم"، كما شخص كوليك، "انهم يحبون سماع أصوات تشبه ما يصدر عنهم وأن يشموا روائح تشبه ما ينبعث عنهم، وكلما ساكنوا أنفسهم قل خطر أن تنفجر المدينة على خلفية التوتر الذي يسودها".

إن أرييه كينغ، الذي أنشأ مع رفاقه في رأس العامود الحي اليهودي معاليه هزيتيم مستعد للتوقيع على صيغة كوليك، بشرط أن يتخلى العالم واليسار الإسرائيلي عن خطتهم لتقسيم القدس. ما يزال لا يوجد معه شركاء في هذه الصفقة، والسكن المشترك في الجانب اليهودي وفي الجانب العربي، عنصران آخران في المعادلة المعقدة التي تسمى القدس.

التعليق