فرقة "وشم" تحلق في فضاءات من الموسيقى والشعر في أمسية "طيات الريح"

تم نشره في السبت 1 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً
  • فرقة "وشم" تحلق في فضاءات من الموسيقى والشعر في أمسية "طيات الريح"

غيداء حمودة
 
عمان- على وقع موسيقى الكلمة والحرف، ووقع الموسيقى الآلية، ومحاكاة بين أبيات شعرية لشعراء عظماء وموسيقى تترواح فيها الأمزجة والثقافات، قدمت فرقة وشم أمسية موسيقية غنائية مساء أول من أمس على مسرح البلد بعنوان "طيات الريح".

ومع بيت من شعر النفري يقول "إني حدثتك لترى، فإن رأيت لا حديث" استهل الموسيقي والمؤلف والمغني المغربي نجيب الشرادي وأعضاء الفرقة المكونة من فلوريس دريكسن (التشيلو) وباسم الخوري (قانون) ونيد ماكجون (فلوت) وجاكوب بلوي (كمان) وميخاليس شوليفاس (طارو) وميدو أخريف (إيقاع)، أمسيتهم عبر مخاطبة الموسيقى لغناء الشرادي لهذه الأبيات من الشعر على طريقة الارتجال.

ارتجالات الشرادي وتحليقه في مدى صوته الواسع وخبرته الواسعة في ابراز البعد الصوتي للحرف العربي عبر أنغام مختلفة، وتحاوره مع الموسيقيين كافة الذين حظوا بمساحة خاصة بهم كانت السمة الأبرز للأعمال التي قدمتها الفرقة في الأمسية بعيدا عن الشكل السائد للأغنية العربية.

ومع فضاء خاص يُبقي للموسيقى ألقها وللحرف أبعاده الصوتية، جاءت المقطوعة الثانية مع أبيات من قصائد ابن زيدون "ودع الصبر محب ودعك، ذائع من سره ما استودعك" بصوت الشرادي.

المساحة الموسيقية في المقطوعات لا تقل أهمية عن غناء الشرادي؛ ففي الغالب تبدأ وتنتهي مع الموسيقى وتتخللها ارتجالات تتوزع على أكثر من آلة في المقطوعة الواحدة، وتظهر في كل مرة براعة الموسيقيين على اختلاف ثقافاتهم وجنسياتهم.

أما الشرادي فهو يختار تقديم أبيات معدودة من الشعر وتكرار غناء البيت نفسه بتنويعات لحنية مختلفة غير مرة، وهو على حد قوله "أخون النص لكن بوفاء"، ليخرج من موسيقى النص نفسه إلى موسيقى أخرى، ولا يخلو أداء الشرادي من حضور قوي على المسرح الذي يسترسل في أدائه في انسجام كبير وإيماءات يديه وهو يغني.

وتابعت الفرقة الأمسية مع الشعر الصوفي وتحديدا للحلاج "أنا من أهوى ومن أهوى أنا، نحن روحان حللنا بدنا، فإذا أبصرتني أبصرته" والتي بدأت مع القانون والدف ليفتح الشرادي آفاقا أخرى عبر غنائه، وتنتهي المقطوعة مع تزايد الإيقاع.

ومن الشعر الحديث قدمت الفرقة من أشعار جبران "ما أقوله لك لا معنى له، ولكني أقوله لأتم معنى النصف الآخر". وفي هذه المقطوعة تحاورت الآلات فيما بينها عبر الارتجالات والتقاسيم بدأت مع التشيلو فالقانون فالكمان فالطارو والفلوت، ولعل الآلات كانت تبحث عن معنى النصف الآخر في موسيقاها.

الشرادي قدم المقطوعة التالية بأنها لصديق "رحل عنا" مضيفا أنه "بعيد قريب"، ليجلس على كرسي وتأتي صورة الشاعر الراحل محمود درويش وهو يلقي أبياتا من قصيدة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة، تردد أبريل، رائحة الخبز في الفجر... " لتبدأ بعدها الموسيقى فورا وينهي الشرادي المقطوعة مع غناء "إذا احترقت انا وانت فمن ذا الذي سيسير في هذه الطرقات".

التصفيق الحار من قبل الجمهور الذي ضم مجموعة من المثقفين والشباب والشابات لم يفتر منذ بداية الأمسية، التي جاءت بتنظيم من مسرح البلد والسفارة الهولندية في عمان، وبدعم من صحيفة "الغد" وفيليبس وكنور وليبتون وراديو مزاج اف ام و Unilever، وكان تفاعله كبيرا إذ رددوا أكثر من مرة ثناءهم على وجبة الموسيقى الدسمة التي استمتعوا بها.

ومن شعر أبي نواس قدمت الفرقة أبياتا من قصيدة "يا معشر اللوام" على الأسلوب السابق ذاته. ومع أبيات "يا معشر اللوام عذبتموني ملاما، والله ما طاب عشق حتى يكون حرام" وأبدع ميخاليس شوليفاس في عزفه على الطارو في هذه المقطوعة.

ومن قصائد أدونيس كان اختيار الشرادي لأبيات من قصيدة "أرض الغياب" لتقدم الفرقة من بعدها موسيقى مع أبيات من قصيدة للحلاج تقول "مكانك في قلبي هو القلب كله"، وبعد تصفيق حار من قبل الجمهور عادت الفرقة لتقدم "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" بناء على طلب أحد أفراد الجمهور.

تعتبر مجموعة وشم التي تأسست العام 1987 برؤية موسيقية خاصة بما يخص الأغنية العربية أن كل لقاء مع الآخر عليه أن يتحول دائما وباستمرار إلى فضاء الإلهام والتجديد والتجاوب والانفتاح على الآتي البعيد، ذلك المجهول، وذلك في أفق إغناء التجربة وإعطائها بعداً متقدما ومتطورا يسأل السؤال باستمرار.

وتحمل في طياتها تجربة تحفز في الموروث العربي بأدوات متعددة ومتنوعة تعمل على استقراء واستنطاق اللامنطوق واللامفكر فيه، وخلخلة الهامش واحداث قطيعة مع عالم صوتي ثابت لا متحرك، وتفكيك وهدم ما هو سهل معتاد ومألوف ومكرر، واختراق كل الفضاءات التي تحاول لجم ومحاصرة السؤال.

وقد واكب سيرورة البحث والتنقيب الموسيقي في المجموعة عدد كبير من الموسيقيين ذوي جنسيات وثقافات مختلفة، وذلك في إطار الانفتاح دائما على طاقات جديدة مختلفة ثقافيا وحسيا.

[email protected]

التعليق