الصبر سلاح أمهات تخطّين ظروفاً معيشية صعبة

تم نشره في الأحد 21 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً
  • الصبر سلاح أمهات تخطّين ظروفاً معيشية صعبة

لبنى عصفور
 
عمّان- في قلب ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، فإن كثيراً من الأمهات يكافحن بكرامة وعظيم صبر، لتحصيل قوتهن وقوت أولادهن اليومي.

دلال محمود خلف (40 عاما) توفي زوجها، كما تذكر بمرارة، قبل ثمانية أعوام؛ عندما كان ولداها وبناتها الثلاث أطفالاً ومراهقين، لم تفكر بالزواج بعد رحيل زوجها، بل كان أكبر همها "تأمين قوت الأسرة وحفظها من الضياع".

عملت خلف في تجارة الملابس وواجهت صعوبات كثيرة، إذ "لا يصل الإنسان إلى مراده بسهولة، وأنا عملت وتعبت كثيراً لأتمكن من تدريس أولادي".

ورغم معاناتها المريرة، إلا أن خلف لم تتزحزح عن همها الأول والأخير "تدريس أولادها في الجامعات"، وهي على طريق تحقيق ذلك؛ واحدة من بناتها حصلت على شهادة جامعية، فيما بقي لولد آخر فصل واحد حتى يصبح حاملاً لدرجة البكالوريوس في التسويق من جامعة الزرقاء الأهلية.

ابنها الثالث في التوجيهي حاليا وينوي دراسة الطيران بعد تخرجه، أما ابنتاها الصغيرتان فهما في مراحل دراستهما الأساسية.

كل ما تملكه خلف من أدوات يعينها على تخطي حياتها، وفق قولها، وتتمثل في صبرها وقدرتها على الإدارة وعقلها الرصين، إذ لم يقف معها سوى الله وتوفيقه.

وفي عيد الأم، تستذكر خلف ذكريات الماضي وتتذوق حلاوة نجاحها عندما يتجمع أولادها حول كعكة عيد الأم ويقدمون لها هدايا معبرة جمعوها من مصروفهم، منبهة إلى أنه "ما دامت الصحة موجودة، فأنا في أحسن حال وأستطيع تقديم المزيد والمزيد لأسرتي".

سوزان الشامي (39 عاماً) تساعد زوجها في إعالة عائلتهما المكونة من ستة أولاد وهي حامل بالطفل السابع، زوجها يدعمها، كما تبيّن، وهو الذي أمّن لها رأس المال في عملها ببيع نثريات من عطور ومكياج وأحذية للجارات وزبائن آخرين من منطقة الوحدات.

الشامي تتدبر أمور أولادها وعمل بيتها وعملها، حيث لا تتضارب مع بعضها. وترى أن طبيعة عملها تسمح لها بالتوازن. وهي تحس بالسعادة عندما تبيع بضاعتها البسيطة؛ لأنها تسهم في مصروف المنزل وتساعد زوجها.

ورغم تعبها من أجل عائلتها، إلا أن بناتها لا يعجبهن تنقل والدتهن بين البيوت ويفضلن أن يأتي الزبائن إليها.

سوزان صاحبة الضحكة المتفائلة دائما، تعيد إنتاج الحياة وتتطلع قدما إلى الأمام رغم الحريق الذي قضى على منزلها المكوّن من غرفتين مؤخراً.

وترجو سوزان أن يتسنى لها تدريس ولدين على الأقل من أولادها في الجامعة "فالأحوال صعبة ولن أستطيع تدريس الستة في الجامعة".

الشامي تحس بعيد الأم من خلال عملها وإنتاجها وما تقدمه لأسرتها، وهذه هي طريقة الاحتفال بالنسبة لها.

منذ 35 عاما وفتحية العشاوة تواصل عملها في التطريز الفلاحي، وقد أنجبت خلال تلك الأعوام أولادها جميعا؛ ثلاث بنات وصبي.

العشاوة عملت كل هذه الأعوام لتعيل أسرتها التي ساءت أحوالها، خصوصا بعد وفاة زوجها قبل خمسة أعوام.

ومن الصعوبات التي واجهتها أن زوجها، ورغم كل الظروف السيئة وتضحيتها في العمل بالتطريز الذي أفقدها بصرها، تزوج عليها وأنجب أربع بنات من زوجته الثانية، فزاد هموم الأسرة بعد وفاته، خصوصا أن ابنها الوحيد لا يستمر في عمل واحد بسبب طبيعة عمله في البناء، إضافة إلى زواجه وتشتت مسؤولياته بين زوجته وعائلته التي بلا أب.

ورغم ندرة أوقات الفرح التي تحظى بها، فإن فتحية لا تعترف بعيد الأم وتعتبره "حراماً" من منظور ديني لا يقر سوى بشرعية عيديّ الأضحى والفطر، وفق قولها.

والعمل، في سياق متواصل، لم يكن أفضل خيارات أم أحمد (53 عاما) المصابة بداءي السكري والضغط، ورغم مرضها، فهي لا تكل من العمل الشاق لتأمين حياة أفضل لأولادها.

أم أحمد، عبرت، كما تورد، عن امتنانها لزوجها الذي يشقى لتأمين احتياجات عائلته، إلى عمل في مطعم فول وحمص بالقرب من منزلها في منطقة ماركا، تعد فيه من السادسة صباحا وحتى العاشرة مساء، طلبات التواصي من بعض الأكلات المنزلية؛ كالكبة والمسخن وغيرهما.

ضيق ذات اليد، هو ما دفع أم أحمد، كما تبوح، إلى العمل كل هذه الساعات، بعيداً عن صغارها وعيالها.

ولا يعينها على تحمل هذا الغياب عن عائلتها إلا مساندة زوجها لها ومساعدة ابنتها التي تقوم بأعمال المنزل في غيابها.

كما يشعرها قرب المطعم من المنزل بالأمان في ظل غيابها الطويل. وهي تتمنى أن يكمل أولادها دراستهم الجامعية، وخصوصاً أنها وزوجها حاصلان على الشهادة الجامعية، إذ أنها تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية.

عمل أم أحمد الشاق كان أكثر صعوبة مع بداياته العام 2005، إذ لم تكن تفهم الناس ومتطلبات السوق، الأمر الذي تحسن الآن.

أم أحمد تضطر الى متابعة الطبخ وتحضير التواصي في منزلها بعد انتهاء ساعات العمل الطويلة في المطعم، "العمل يحتاج إلى حركة وما بده قعدة"، كما تقول بصبر وأمل.

أم أحمد لا يعنيها عيد الأم؛ فمنذ أسبوعين وأولادها يناقشون الاحتفال بها فيه، غير أنها ترفض، فرغم صعوبة حياتها، إلا أنها ترى في كل يوم يمضي عيداً.

ومع أنها لا تؤمن بذلك، إلا أن أولادها يصرون على الاحتفال بها في هذا اليوم، ما يدخل السرور الى قلبها. وتختم قائلة وداعية ومهللة: "أرجو من الله أن يبقى أولادي حناين عليّ وعلى والدهم".


lubna.asfour@alghad.jo

التعليق