أم محمد تشتاق إلى أبنائها رغم عقوقهم

تم نشره في الأحد 21 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً
  • أم محمد تشتاق إلى أبنائها رغم عقوقهم

سوسن مكحل
 
عمّان- تحاول أم محمد "55 عاماً" نسج لحظات فرح خاصة بها، في عالمها الذي تعيشه منذ عامين في هذه الدار.

حضن الأمومة الدافئ، غادره أبناؤها، ليبدأوا حياتهم بعيداً عن صاحبته، التي أمضت أعوام عمرها في طفولتهم وشبابهم، وتكون المكافأة في لحظات عجزها وضعفها، النكران والهجر والظلم، وقسوة ثقيلة، يئن منها قلب لا يعرف إلا العطاء.

أم محمد تبحث في وجوه زميلاتها من نزيلات الدار، عن سعادة سرقت منها ومنهن، وقذف بها أبناء حاربوا البِّر في عوالم النسيان، لتبقى الدموع التي تغلفها بسمة شوق لهم رغم ما اقترفوه، هي عناوين وجوههن، التي تبكي تقسيماته في الوقت ذاته، غدر الزمان وإذلاله.

الونيس لأم محمد في هذه الدار، هو جلسات مقتضبة مع رفيقات يحملن الهم ذاته، تستأنس بحديثهن، إلا أنها سرعان ما تغادرهن لتختلي مع النفس، وتجلدها بأسياط أبناء هجروها.

لم يبق لأم محمد سوى الحب لهذه الدار، التي تحملها جدرانها إلى البيت العائلي الحميم، الذي يجمع أبناءه على الود والمحبة، وتقول "هذه الدار احتضنتني بعد قسوة الحياة وظلم الأبناء".

مفارقة عطاء الوالدين وحبهم، وما يقابله من عقوق الأبناء وغدرهم، ترويها صورة محمد، التي علّقت على إحدى دفتي خزانة ملابس هذه السيدة، التي أنهكتها مشاعر الأمومة.

وما أن بادرنا أم محمد بسؤالها عن صاحب هذه الصورة، حتى أطالت النظر إليها، رافعة يديها إلى السماء قائلة، "ابني الله يرضى عليه"، متناسية في تلك اللحظة مشهد دخولها إلى هذه الدار، بسبب مشاكل أشعلها هذا الابن، وكان مصيرها الطلاق، ومن ثم الحياة بقية عمرها في دار للمسنين.

التسامح، الذي يحتل قلب أم يشغله الحنان والعاطفة، هو السر الذي جعل أم محمد، ترى في أبنائها التسعة كل الخير، ملتمسة لهم الكثير من الأعذار، التي حملتهم لاتخاذ قرار بإقصائها عنهم، لتكون إحدى النزيلات الثكالى في هذه الدار.

ورغم الأسى الذي يعتري حال أم محمد، إلا أنها ما تزال تحلم برؤية أحفادها، الذين لا تعرف صور وجوههم أو حتى كم أصبح عددهم، لكن الحقيقة المُرة الماثلة أمام أعينها، وتقول "زوجات أبنائي منعوا أحفادي من زيارتي، ومنهم من لا يعرف بأن له جدة على قيد الحياة".

وما يزيد من ألم أم محمد، هو عدم اتصال أبنائها معها للاطمئنان عليها، مضيفة "ربيتهم وسهرت الليالي على تعليمهم وزوّجتهم، إلا أنهم يبخلون حتى بمجرد الاتصال بي، باستثناء ابني محمد الذي لا تفارق اتصالاته هاتفي".

وتبرق أم محمد لكل أم على وجه الأرض، ببطاقة تهنئة في عيدها قائلة، "كل عام وأنتن بخير في هذا اليوم".

ورغم المحاولات التي يقوم بها محمد لإقناع والدته بمغادرة هذه الدار والعيش معه، إلا أن أم محمد تؤكد أنها لن تبرح مكانها، وتقول "يوم واحد داخل أسوار هذه الدار، أفضل بكثير من أعوام خارجها تجلدنا بقسوتها"، مضيفة وبحنان الأمهات المحرومات، "كل عام وانتو بخير بعيد الأم يا أولادي والله يسامحكم يمه".


sawsan.moukhall@alghad.jo

التعليق