كفى إهانة لمحكمة العدل العليا

تم نشره في الاثنين 8 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً

أسرة التحرير -هارتس

المحفل الأمني الأعلى في إسرائيل لم ينتخب أبدا، ليست له فترة ولاية محددة وهو يفتقد لأي صلاحيات قانونية. فهو لا يبني قوة، لا يستخدمها ولا يتدخل في التعيينات الشخصية، إلا في حالات نادرة، مثلما في قضية العميد موشيه تشيكو تمير، عندما تردد رئيس الأركان غابي اشكنازي في إبلاغ تمير بأن مسار ترفيعه انقطع. هذا محفل ينتظر الطلبات ويقدم المشورات غير الملزمة ولكن نظريا فقط. أما عمليا فإن المقررين لا يعملون خلافا لمشورة الموصين إذ أنه في عصر لجان التحقيق يجد المقررون الرسميون صعوبة في اتخاذ قرار مصيري حاسم يختلف مع التوصية التي طلبوها.

اذا كان هذا المحفل يبحث عن اسم عسكري قصير فيمكن تسميته " أ. س"، حسب الأحرف الأولى لعضوين دائمين فيه – أمنون شاحك وأوري سغي. رئيس الأركان المتقاعد ورئيس شعبة الاستخبارات الأسبق كانا في العقد الماضي خصمين لدودين. أما اليوم فهما متصالحان أكثر، مثل اسحق رابين وشمعون بيريز في حكومتهما الثانية.

في تلك الفترة، تحت قيادة رابين في جهاز الأمن وإلى جانب رئيس الأركان ايهود باراك كان اللواءان شاحك (كنائب لباراك) وسغي في الفريق الرائد لهيئة الأركان. في المثلث إياه باراك – شاحك – سغي، كان هناك ضلع رابع – رئيس شعبة العمليات، العميد غابي اشكنازي، وفي تقلبات السياسة والجيش انسحب الجميع إلى هوامش المنصة إلى أن أعيدوا منها في أعقاب القتال في لبنان في صيف العام 2006. وزير الحرب عمير بيرتس كلف شاحك بالتحقيق مع الجيش، ولكن رئيس الأركان دان حلوتس أحبط الخطوة. وعندما استقال حلوتس وعين أشكنازي رئيسا للأركان، قبل أقل من نصف سنة من تغلب باراك على بيرتس وعودته إلى وزارة الحرب، كان شاحك وسغي كبيري المستشارين، ولا سيما لاشكنازي (ورئيس شعبة الاستخبارات عاموس يدلين)، ولباراك أيضا. ويمكن أن نرى فيهما هيئة رقابة، أو "فريقا أحمر" يرشح تجربة واعية ومعفية من رحى الضغوط الشخصية والتنظيمية.

إرث اشكنازي

الشهر الماضي جاء باراك واشكنازي وسغي إلى منزل شاحك، للتشاور.. يمكن التخمين، ولكن يمنع النشر، في شأن موضوع البحث. من الصعب التصديق حين يأتي باراك واشكنازي ليعرضا موقفهما من الحكومة، أن يستخفا بأمور سمعاها من شاحك وسغي.

في هذه المجموعة توجد رواسب جديدة وقديمة على حد سواء. شاحك رفض في العام 1999 أن يكون مرشح باراك كوزير للحرب وفضل التنافس ضده وضد بنيامين نتنياهو على حد سواء. اشكنازي غاضب من باراك الذي سمح لمحيطه أن يثور على مُقرب من رئيس الأركان هو الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي آفي بنيهو. وباراك ملزم بأن يرى في اشكنازي الذي سيكون في غضون سنوات قليلة رئيس أركان مجمد في التقاعد، خصما محتملا على اللقب السياسي المحترم "سيد أمن". اشكنازي، في سنته الرابعة في المنصب، مرة أخرى لا ينظر إلى الأسفل إلى الجنرالات والمقاتلين بل إلى الجانب، إلى الجنرالات والأدميرالات في جيوش العالم وإلى الأمام، إلى المسار التالي. ولهذا الغرض فإنه يضع أساسات لـ "إرث اشكنازي".

حرص باراك واشكنازي على التشاور مع خبراء خارجيين من نوع شاحك وسغي، إضافة إلى الدراسة المعمقة العادية في الجيش، هو دليل خالد على جدية جهاز الأمن في استعداداته للتحديات العسكرية. صحيح أنه مثلما ثبت المرة تلو الأخرى في الحروب وفي الحملات، فإن الجدية في الدراسة لا تترجم دوما إلى إنجازات على الأرض، ولكنها جدية أكثر من الضحالة التي يتميز بها موقف الحكومات من المجال السياسي.

المثال الأكثر وضوحا هو إيران، ولكن بذات القدر صحيح الحديث عن الساحة الشمالية لسورية – لبنان – حزب الله (التي تنعكس شدة أهميتها أيضا على مضاعفة عدد المحافل التي تعنى بها في دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات العسكرية) وعن الساحة الفلسطينية. في المسائل الثلاث، حتى لو كانت الإداة العسكرية حادة وقاطعة قدر الامكان، ففي السياق السياسي سيكون استخدامها بالضرورة معقدا من ناحية إسرائيل.

إسرائيل ليست مركز العالم، بل إنها ليست قوة عظمى. مدى الاعتبارات والاضطرارات للدول الأكبر منها يشملها هي نفسها، ولكن ليس بأولوية عليا. خروج مبادر إليه الى حرب، أو إلى حملة من شأنها أن تتدحرج إلى حرب، ينطوي على مخاطر ترتبط بطول نفس الاقتصاد والجيش والمقدرات الدبلوماسية. الحكومة، حتى بفضل دورها كمديرة مخازن للجيش الإسرائيلي، ملزمة بأن تأخذ بالحسبان أيضا التأثيرات السلبية للنجاح العسكري، ناهيك عن الفشل، على قدرة امتصاص الجبهة الداخلية الهشة والمثارة الأعصاب.

كل هذا يفترض بنتنياهو أن يعرفه، ولكن الهذر الذي يخرج عنه يثير التخوف من أن تتغلب عليه نوازعه. وخلافا لإسرائيليين كبار آخرين، بما في ذلك أشكنازي، الذين يظهرون كمكافحين في المحادثات مع الأجانب أكثر مما في التصريحات الداخلية، كي يمارس الأجانب على إيران ضغطا يوفر على اشكنازي اختبار الكفاحية، فان نتنياهو يقيس ملابس المفكر الاستراتيجي.

جناح سياسي مكسور

في ضوء الضربة الوقائية العسكرية التي قد يوقعها نتنياهو، سارعت إدارة أوباما إلى توجيه ضربة وقائية سياسية، مثل لعبة رجال الأطفاء قادمون: سلسلة زيارات لشخصيات رفيعة المستوى، يرشون زبدا على الشرارات التي تهدد بالاشتعال. شعلة تضرم نارها في مواقع النووي أو النفط في إيران ستعرض للخطر الخليج والشرق الأوسط والعالم بأسره.

قبل أسبوعين، عندما سافر نظير اشكنازي، الأدميرال مايكل ملن من اسرائيل الى الأردن روى لموظفي السفارة في عمان بأنه يوصي الشباب الذين يسألونه أي لغة يتعلمون، بأن يختاروا الصينية او العربية. والتبرير: "هذه ستكون اللغات الأبرز في العلاقات الهامة على مدى حياتكم وهي مصيرية للعالم". لا العبرية، ولا الفارسية أيضا. وزير الدفاع روبرت غيتس، الذي التقى باراك في واشنطن الأسبوع الماضي وسيلتقي أيضا اشكنازي هناك، يرى إيران في إطار أشمل – بلورة استراتيجية الناتو. ويريد البنتاغون تجنيد الأعضاء الأوروبيين في الناتو لصد إيران وليس للانجرار إلى معركة حسب إملاء إسرائيلي.

كما أنه يوجد فلسطينيون، بقيادة محمود عباس وإدارة سلام فياض. يمهدون التربة لإعلان دولة في العام 2011. في حكومة نتنياهو الأولى استعد الجيش الإسرائيلي لسيناريو إعلان ياسر عرفات عن دولة من طرف واحد، في ذروة أزمة المحادثات مع إسرائيل. عندها تراجع عرفات لأن بيل كلينتون أيد إسرائيل ونتنياهو فقد حكمه. وفي السنة القادمة فإن أوباما قد يؤيد فياض وليس نتنياهو. وإذا كانت إسرائيل تريد تأييدا في الأمم المتحدة فانه لا يمكنها أن تتحدى مواقف الأسرة الدولية وقواها العظمى في مسائل أخرى، وعلى رأسها إيران.

هذه العقدة تشبه ليس فقط السياسة على المستوى القيادي بل وأيضا المردود السياسي المناسب على المستوى التنفيذي، في ما يشبه المشاورات لدى باراك واشكنازي ومع شاحك وسغي. ولكن نتنياهو الذي كان افيغدور ليبرمان مدير عام ديوانه في حكومته الأولى، يعمل الآن لدى وزير الخارجية ليبرمان الذي دهور وزارته إلى درك لم يشهد له مثيل حتى الآن. وإذا كان الجناح السياسي لإسرائيل سيبقى مكسورا بالمسؤولية المشتركة لليبرمان ونتنياهو، فان الجناح العسكري لن يوفر لها إمكانية الاقلاع.

التعليق