يسار صهيوني جديد

تم نشره في الجمعة 5 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً

هآرتس - أري شافيت

هل كان لدينا يسار؟ نعم. بين صيف العام 1967 وصيف العام 2000 كان لإسرائيل يسار صهيوني حمائمي شجاع. تشكل في اليوم السابع من حرب الأيام الستة، عندما بادرت دائرة ضيقة بعيدة النظر إلى فهم معنى الاحتلال الأخلاقي والسياسي. في الأيام التي انغمس فيها الجمهور الاسرائيلي في نشوة النصر، رأت الدائرة الضيقة النخبوية أن هناك كارثة في النصر أيضا.

لم ينكمش اليسار الصهيوني برغم عيوبه. وتوقع حرب يوم الغفران، وحذر من آثار مشروع الاستيطان وحاول أن يصد بجسمه مسيرة حماقة اليمين – المركز. ورويدا رويدا برهن الواقع على أنه كان على حق. ولذلك أخذت الدائرة تتسع: ففي العام 1992 فاز حزبه ميرتس بـ 12 نائبا وفي العام 1993، في اوسلو، تبنت حكومة رابين سياسته. وتحول اليسار الصهيوني من حلقة بوهيمية مؤججة معزولة إلى حركة مركزية تصوغ جدول العمل الوطني.

كانت التسعينيات مشكلة: فقد تبين خاصة عندما طبق برنامج اليسار أن هناك فجوة كبيرة بين المعتقدات والواقع. فبخلاف الموعود، لم يكن ياسر عرفات نيلسون مانديلا. وبخلاف المأمول، لم يكن سلوك الحركة الوطنية الفلسطينية كسلوك المهاتما غاندي. لكن اليسار الحمائمي وقف صلبا ولم يدع الحقائق تبلبله. وقد رفض بتصميم يستحق التنويه التفريق بين عدالته في شأن الاحتلال وبين خطئه في شأن السلام. وواصل الافتراض والوعد، بأنه لما كان الاحتلال غير ذي بقاء فإن السلام محتوم.

صفعت الحقيقة في صيف العام 2000: فقد اقترح ايهود باراك إقامة دولة فلسطينية وتقسيم القدس ورفض الفلسطينيون الاقتراح رفضا باتا. وصفعت الحقيقة مرة أخرى في كانون الأول (ديسمبر) العام 2000: فقد اقترح بيل كلينتون على الفلسطينيين مشروع سلام لا يمكن رفضه ورفض الفلسطينيون. وصفعت الحقيقة مرة ثالثة في كانون الثاني (يناير) العام 2001: فقد اقترح يوسي بيلين على الفلسطينيين في طابا اقتراحا متطرفا إسرائيليا وقال الفلسطينيون لا. وصفعت الحقيقة مرة رابعة في أيلول (سبتمبر) العام 2008: فقد اقترح ايهود أولمرت على الفلسطينيين كل شيء واختفى الفلسطينيون. وخلال ثماني سنين، كانت هناك أربع محاولات مختلفة لانهاء الاحتلال بالسلام ولم تؤت أكلا. أربع محاولات حاسمة امتحنت تصور اليسار للواقع امتحانا حقيقيا ودحضته.

إن لجنة التحقيق التي فحصت فشل ميرتس في انتخابات العام 2009 تنسب الفشل إلى مجموعة من العوامل. فالحريديون مذنبون، والشرقيون المحافظون مذنبون، والروس مذنبون. والحملة الانتخابية مذنبة. ومذنب ايضا الزعيم غير القوي الحضور. والحقيقة أن السبب ليس ذلك، فالمذنب في فشل ميرتس هو عدم استقامتها الفكرية. فاليمين يستطيع التزييف. وكذلك يستطيع الوسط التزييف. لكن اليسار بغير حقيقة داخلية صلبة هو يسار لا أمل منه. ولأن اليسار لم يواجه في العقد الأخير ضربات الواقع بقي بغير حقيقة داخلية صلبة صادقة. لم يجر اليسار محاسبة للنفس، ولم يعترف بخطئه التاريخي، ولم يستنتج استنتاجات شجاعة. فبخلاف الشجاعة التي أظهرها في السبعينات، أظهر الوهن في سنوات الألفين.

إن عدم قدرة اليسار على الاعتراف بأنه قاد إسرائيل إلى طريق مسدود جعله يمضي بنفسه إلى طريق مسدود.

المقترحات التي تقترحها لجنة تحقيق ميرتس هي مقترحات "ايرتس نهديرت". ربما تبقى حزب بوتيك، وربما تنضم إلى العمل أو كاديما أو ربما تنضم إلى الجبهة الديمقراطية للسلام. إن حزبا حائرا بين الانضمام إلى كاديما أو إلى الجبهة الديمقراطية للسلام هو حزب أضاع طريقه. وليس له حق في الوجود. لكن لليسار حقا في الوجود. يجب أن يقود اليسار إلى انهاء الاحتلال مع الوعد بوجود إسرائيل على أن تكون دولة يهودية ديمقراطية متنورة. بيد أنه على اليسار لفعل ذلك أن يعاود كونه صهيونيا وأن يعاود كونه واقعيا. يجب عليه أن يقترح طريقا عمليا للخروج من المناطق من دون تعريض الوجود القومي للخطر. ويجب عليه أن يمثل الإسرائيلية لا أن يندد بها. ويجب عليه أن يعرض روحا عامة إيجابية للبناء لا روحا عامة سلبية للكراهية. إذا جرؤ على فعل ذلك، فسيكون من الممكن أن نقول إن اليسار لم يكن فقط بل سيكون أيضا. يجب أن يخلق اليسار الصهيوني نفسه من جديد مع ميرتس أو بغيرها.

التعليق