الخليل: إرث ديني وحضاري يحرسه أهل المدينة أمام غطرسة الاحتلال

تم نشره في السبت 27 شباط / فبراير 2010. 09:00 صباحاً
  • الخليل: إرث ديني وحضاري يحرسه أهل المدينة أمام غطرسة الاحتلال

 

حازم الخالدي

عمّان - مدينة تحمل في حواريها ودروبها جذور عراقة تمتد لأكثر من أربعة آلاف سنة. ارتبطت شهرتها بأبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي حط ترحاله فيها، لتحمل بعد الفتوحات الإسلامية اسمه إلى اليوم؛ خليل الرحمن، أو ليختصر الاسم لاحقا بـ"الخليل".

لا تبعد الخليل مسافة طويلة عن القدس، إذ تقع إلى الجنوب من المدينة المقدسة بحوالي 30 كم، وكما القدس فالخليل تحمل أيضا قداسة عميقة لدى المسلمين كغيرها من المدن الفلسطينية التي حافظت على روحها المعمارية والحضارية ونسيجها الاجتماعي.

المدينتان ارتبطتا في وجدان العرب والمسلمين بالقداسة منذ القدم، ويكفي أن الحرم الإبراهيمي في الخليل يعتبر أقدم بناء مقدس في العالم، لضمه رفات نبي الله إبراهيم وزوجته سارة وابنيهما إسحاق ويعقوب وزوجتيهما لبقا ورفقا، وساهم هذا المكان المقدس في التواصل الحضاري لمدينة الخليل وجعلها من أشهر المدن العالمية.

في الخليل لوحات جمالية متعددة، تحتار الى أين تنظر من تلك المشاهد التي تحمل عراقة المدينة بتجارتها وصناعتا وتميزها في الزراعة، تنظر إلى التلال الجميلة المزينة بكروم العنب، وكأن قطرات الندى مع الصباح الباكر تتساقط على أوراق الدوالي في صيف معتدل، كما هو مناخ المدينة التي ترتفع 950 م فوق سطح البحر أي حوالي 1300 م فوق سطح البحر الميت، ما يجعلها من أعلى مدن المنطقة، ويضفي عليها الاعتدال في المناخ الذي يتراوح معدله السنوي ما بين 15-16 درجة مئوية.

فالخليل التي تعتبر من أكبر محافظات الضفة الغربية اليوم، ومن أهم المراكز الصناعية والتجارية الفلسطينية، ويبلغ عدد سكانها نحو 200 ألف نسمة مهددة بالاستيطان الذي يستأصل الوجود العربي الفلسطيني من قلب المدينة، ما جعل أهالي الخليل في مواجهة دائمة مع الاحتلال وقطعانه من المستوطنين الذين ينتشرون بين حاراتها القديمة، يستفزون سكانها من الأطفال والنساء والشيوخ محدثين الرعب فيما بينهم.

لكنك تلمس عنفوانا وتحديا كبيرا لكل تلك الاستفزازات، وأنت ترى صمود الأهالي في بيوتهم والتجار في دكاكينهم وتلك المشاعر المشحونة بإرادة البقاء.

تشاهد وأنت تتجه الى الحرم الإبراهيمي والحارة القديمة في الخليل حواجز الاحتلال، وما يقوم به المستوطنون الإسرائيليون من استفزازات ضد سكان البلدة القديمة، وتجد صعوبة في الدخول إلى الحرم الإبراهيمي الذي قسمه الاحتلال الى نصفين قسم للمسلمين وقسم لليهود ويمكن الوصول إليهما عبر مدخلين منفصلين.

كانت الخليل تتعرض إلى حملة شرسة منذ أن وطأ الاحتلال أرض فلسطين، وهي نفس الحملة التي تتعرض لها الان القدس لتقسيم المسجد الأقصى والسماح لليهود بدخوله، وواجهت سلسلة متلاحقة من الاستفزازات لتحويل الحرم الإبراهمي الى كنيس يهودي حتى جاءت الفرصة المواتية للمخطط الإسرائيلي للسيطرة على الحرم في تاريخ 25 شباط (فبراير) العام 1994، عندما هاجم المستوطن اليهودي باروخ غولدشتاين المصلين المسلمين أثناء صلا الفجر وفتح الرشاش عليهم مما أدى إلى حدوث مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها 29 شهيدا من المصلين المؤمنين الذين كانت قلوبهم تتجه الى الله.

وعند الباب الذي يفصل الحرمين ترى شيوخا يقفون متحسرين على ما أصاب الحرم الإبراهيمي وأحيانا يضربون بأيديهم وبقوة، الباب الذي يقطع الحرم الى نصفين وجعلوه مستباحا بأيدي قوات الاحتلال. حدثني أحد شيوخ المدينة عندما كنت زرت الحرم أخيرا "لقد تربيت في هذا الحرم وأنا صغير، ومنذ أن ولدت في العام 1940 عشت في كنفه، نحن لن نفرط فيها لأنا تربينا فيه كل تاريخ إسرائيل أسود في فلسطين".

كما أصبحت البلدة القديمة مدينة تعيش تحت نظام فصل عنصري، فقد أغلقت العديد من الساحات والطرق والمداخل بين السكان، ومنعتهم من حرية التنقل بسهولة وخصصت شوارع خاصة للمستوطنين كما منع بعض أهالي البلدة القديمة من استعمال بيوتهم، والبعض منع من استخدام مداخل بيوته.

في الحارة القديمة في الخليل كان الأطفال يقفون في حيرة لا يلعبون كبقية الأطفال في المدن، فحراب الاحتلال لا تميزهم وعندما يلعبون لا يبتعدون كثيرا عن بيوتهم وساحاتها، فهم دائما يتعرضون الى مضايقات من المستوطنين الذين يوجهون إليهم مسبات وشتائم قد لا يفهمونها أحيانا.

رغم هذا التداخل الذي لا يعبر عن عيش مشترك لأن هناك ثقافتين متباعدتين، ثقافة الصمود والتمسك بالأرض في مواجهة ثقافة الاحتلال والقوة، مستوطنات تركن في زوايا الحارات القديمة، ومستوطنون يقفون أمام البيوت العربية يستفزون سكانها بشتى الطرق، كان عبدالرؤوف المحتسب الذي يملك بيتا من طابقين مجاورا للحرم الإبراهيمي في الحارة القديمة يقف بتحد وشموخ أمام المستوطنين، وهو يقول "لقد دفع لي اليهود مائة مليون دولار من أجل أن أبيع هذا البيت الذي ورثته عن أبي ولن أبيعه رغم كل المضايقات التي يقوم بها المستوطنون".

زرع الاحتلال المستوطنين داخل المدينة القديمة التي شهدت نزوحا كبيرا من سكانها الى خارجها، منذ بدء الاحتلال العام 1967 وتوطين المستوطنين في قلبها وعلى أطرافها، وقيام الاحتلال بنقل الخدمات الأساسية مثل محطة الباصات وسوق الخضار والمدارس وتقسيم المدينة إلى قسمين، وكان نتيجة ذلك تفريغ ما يقارب 85 بالمائة من سكان البلدة القديمة وتدمير بنيتها الاقتصادية والتحتية، وشكلت مجموعات المستوطنين بالنسبة للناس أداة توتر دائم حرمت الناس من القيام بوظائفهم، وبخاصة كما هو معروف لدى الشعب الفلسطيني أن مستوطني الخليل هم الأكثر تطرفا وعنصرية من غيرهم مما أفقد المدينة حياتها الطبيعية.

تكتشف في المدينة أن أناسا يعملون ويتشوقون لرائحة الأرض التي تربوا عليها وحفروا فيها ذكريات الآباء والأجداد، فمهما حاولَ الاحتلال أنَّ يعمل لتقطيع التواصل الجغرافي بين الناس وتعطيل الحياة العامة بينهم، إلا أنهم يقفون بكل تحد ضد كل المشاريع الإسرائيلية لتفريغ المدينة القديمة فعملوا على تأسيس لجنة إعمار الخليل العام 1996، والتي صدر فيها مرسوم رئاسي في الثاني عشر من آب من نفس العام من الرئيس الراحل ياسر عرفات بتشكيلها، وأراد القائمون عليها أن ينفضوا عنها غبار السنوات المؤلمة وركام الاحتلال عبر سنوات طويلة من القمع والعنف.

ارتفع عدد سكان البلدة القديمة من 400 مواطن منذ إنشاء المشروع إلى 4500 مواطن في عام 2008، مما يؤكد تمسك المواطنين بأرضهم وبيوتهم مجسدين بذلك قيمة الصمود والتحدي لكل محاولات الاحتلال لتفريغ الأرض.

وتشجع لجنة الإعمار السكان على الثبات في بيوتهم إذ يتم ترميم البيوت مجانا، وتعفى من المياه والكهرباء إلى جانب تقديم إعفاءات ضريبية أخرى، مما يحفز الناس إلى العودة إلى بيوتهم التي رحلوا عنها مكرهين، كما أنشأت اللجنة مكتبا قانونيا لملاحقة الإسرائيليين الذين يقومون بانتهاكات في الحارة القديمة وتقديمهم لأي محكمة دولية.

في الخليل مشاهد مختلفة لا تقل بشاعة عما نسمعه من انتهاكات إسرائيلية متواصلة، انها تنتهك حرية العبادة والمس بالمقدسات الإسلامية، وانتهاكات حرية الأفراد العامة بخاصة في مجال حرية الحركة والتنقل وفرض مزيد من القيود عليها واستمرار منع النشاطات والفعاليات في المدينة وإغلاق المؤسسات، إضافة إلى مصادرة أراضي المقدسيين وتكثيف عمليات الاستيطان اليهودي في تلك الأراضي والاستيلاء على عقاراتهم واستمرار أعمال التنكيل التي يقترفها رجال أمن ومدنيون إسرائيليون بحقهم وهدم المنازل بدواعي عدم الترخيص.

واليوم ها هي دولة الاحتلال تستمر في تجاوزاتها لتعلن ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح الى ما يسمى "قائمة المواقع التراثية الإسرائيلية"، في محاولة بائسة لسرقة تراثنا وتاريخنا الذي ترسخه حضارة عربية إسلامية عريقة متجذرة في أعماق التاريخ.

هذه المدينة التي أصبحت اليوم تتشكل فيها مأساة جديدة من المآسي التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، وفصل جديد يكشف عنصرية الاحتلال وسياسته الإرهابية، ليست ضد الإنسان والأرض فقط وبقية مكونات الحياة الفلسطينية، وانما تمتد تلك اللصوصية لسرقة التراث والثقافة والمعالم العمرانية ومحاولة طمس تاريخ مدينة لها عراقتها وجذورها.

[email protected]

التعليق