الحقيقة .. وبعض ما يُقال!

تم نشره في الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2010. 09:00 صباحاً

علي رياح

لعل أهم وابلغ ما نحاول أن نتعلمه ونحن نعيش كل هذه الانقلابات المدوية في عالم الخبر والتحقيق والتقرير والصورة، أن ننقل الحقيقة بتفاصيلها الموضوعية من دون التعكز على كلمات مقعّرة أو طنُّانة أو مبهرة ذات محتوى أجوف.

وهذا هو شأن الصحافة في زمن التطور السريع، الذي باتت فيه المعلومة طوع البنان في كل بيت وزاوية من العالم، فالأصل أن العلم يقدم خدماته للصحافة من أجل أن تنقل رسالتها إلى الناس التي باتت تميز بين الصادق والثمين وبين الغث والسمين، فلم يعد في الإمكان حجب الحقائق عنها ولو بخبر يتخذ رداءً متحذلقا!

وإذا لم تكن لدى أي صحفي الموهبة والقدرة والمتابعة، وهي أساسيات الزاد الذي يستمدّ منه طاقة العمل المثمر، فلا أقل من أن يحاول الوفاء لمهنته ولو بـ "النقل" السليم غير المتواتر عبر ألسنة الآخرين، وهي ألسنة يقول علم النفس إنها تتأثر وتؤثر فتزيد من حجم الخبر وتضيف إليه سعيا وراء تقديمه بالأسلوب المثير!

وهذا الكلام أحسبه يفيدنا في الدخول إلى نماذج من الأقلام التي تهوّل التفاصيل المقتضبة، وترقص على أنغام المبالغة، فتقدم للقراء ما تعتبره "سبقا" بتفاصيل غير معلومة، سبقا ترتعد له الفرائص، من دون أن يكون لهذه التفاصيل نصيب ولو ضئيل من أي أساس في أرض الواقع!

وقد ابتلاني الله ذات يوم بـ "زميل" جلس بقربي، وكان يكتب كل شيء عن أي شيء من دون أن يردعه شيء من الخجل.. فكتب في دفتره.. مسّد الحكم شعره عندما نفذ اللاعب ركلة الزاوية في الدقيقة الفلانية.. هذا اللاعب يهوى تسديد الكرات برأسه وقد حذف من قاموسه قدميه.. الحارس لا يتورع عن التصدي لأية كرة تحاول طرق مرماه.. وما إلى ذلك من تفاصيل، منها ما يدخل في باب المُسلـّمات، ومنها ما يعد انتهاكا لأي شكل من أشكال الوصف الفني لمباراة في كرة القدم!

هذا "القلم" كان يفضح نفسه أمامنا في كل حالة من الحالات التي يتهادى فيها الحديث من المدرجات إلى سمعه، وكان يقفز فرحا كلما أوغل في تناول الناس من زوايا يتلاشى فيها أي قدر من الإنسانية والموضوعية، ولم يكن الرجل يدرك أنه كان محط سخرية من يجاوره من الزملاء وهو يحثـّه ساخرا على كتابة "كل الأعمدة" التي التقطها بالسمع !

كان صعبا على الناس، في عهود مضت، أن تتثبّت مما تتناوله الصحافة، ولهذا كانت تصدق جُل أو كل ما كان ينشر، أما اليوم فان جوانب عدة من الحقيقة باتت متاحة للناس بشيء من التحرّي الصادق.. فالقارئ يبحث عن الحقيقة.. ليست حقيقة (وفسر الماء بعد الجهد بالماء).. إنما هي التوصيف المنصف لما يجري.

والصحافة، حسبما تعلمنا ونتعلم، من أمهات مصادر المعرفة اليومية بما يدور حولنا، وهي بالتأكيد ليست ديوانا يدخله ذلك الشاعر الذي شقّ طريقه وسط الناس ليقول: الليل ليلٌ والنهار نهارُ!

ali.ryah@alghad.jo.

التعليق