"دبلوماسية الرياضة" تفرض نفسها على البطولات والمحافل الدولية

تم نشره في الخميس 17 كانون الأول / ديسمبر 2009. 10:00 صباحاً
  • "دبلوماسية الرياضة" تفرض نفسها على البطولات والمحافل الدولية

قرعة مونديال السلة تعيد إلى الأذهان المواجهة الكروية الأميركية الإيرانية العام 1998

 

 أيمن أبو حجلة

عمّان- لعل أكثر ما لفت الانتباه في قرعة بطولة كأس العالم لكرة السلة 2010، التي سحبت صباح أول من أمس الثلاثاء، هو وقوع المنتخبين الأميركي والإيراني في مجموعة واحدة بالدور الاول، ليستعيد المتابع الرياضي ذكريات العام 1998 عندما التقى البلدان في مباراة تاريخية بالدور الأول لمسابقة كأس العالم لكرة القدم في فرنسا.

واستغلت وسائل الإعلام تلك المباراة الشهيرة لتنقية الأجواء السياسية المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، وقام اللاعبون بدورهم بذلك عندما تبادلوا الورود والهدايا التذكارية قبل بدء اللقاء، الذي انتهى بفوز إيران 2-1 ليخرج الأميركان من الدور الأول.

ورغم أن العلاقات تبقى على صفيح ساخن بين البلدين حتى يومنا هذا نتيجة خلافات عديدة أهمها الملف النووي الإيراني واتهام واشنطن إيران بدعم حزب الله اللبناني، يحتفظ الجانب الرياضي بقدرته على تلطيف حدة التوتر كلما سنحت له الفرصة، فالرياضيون أولا وأخيرا بعيدون عن الملفات السياسية ولا يتجولون في مختلف أنحاء العالم حاملين حقائب وجوازات سفر دبلوماسية، لكن شعبيتهم الجارفة وقربهم من قلوب عامة الناس يجعل مسؤوليتهم مضاعفة أينما ذهبوا.

ولم تكن المواجهة الأميركية الإيرانية هي الوحيدة التي تحمل بعدا سياسيا في قرعة مونديال السلة، بل امتد الأمر إلى منتخب البلد المضيف تركيا الذي سيواجه نظيره اليوناني بالدور الأول أيضا.

وكلما حملت الأحداث الرياضية مفاجآت على المستوى السياسي، تتجه الأنظار نحو الدور الإيجابي أو السلبي الذي قد يلعبه عامل يطلق عليه اسم "دبلوماسية الرياضة".

و"دبلوماسية الرياضة" مصطلح يطلق عند توظيف الرياضة كأداة سياسية لتعزيز العلاقات الدبلوماسية بين كيانين خصوصا عندما تتوتر العلاقة بينهما، وقد تكون عاملا سلبيا في إثارة النعرات والمشاكل بين شعبين من جهة ثانية، ويمكن اعتبار دورة الالعاب الاولمبية المثال الأبرز لاستخدام الرياضة كوسائل دبلوماسية.

وبدأ استخدام الرياضة لأغراض سياسية في أولمبياد 1936، حيث لجأ ادولف هتلر إلى الدورة كوسيلة لتعزيز إيمان ألمانيا بأفكاره الايديولوجية المتمثلة في التفوق الألماني العنصري، وأراد هتلر من خلال هذه الدورة غرس روح الوحدة بين الألمانية والشباب والتخلص من أعراق غير مرغوب فيها من خلال تجاهلهم وعدم إعطائهم الفرصة في المنافسة، لكن تصوير النازية على أن الأقليات العرقية خصوصا الافريقية، لها شأن أقل من غيرها، تبدد عندما فاز الأميركي صاحب البشرة السوداء جيسي اوينز بميداليات ذهبية في سباقات 100م و200م و4 في 100 تتابع، إضافة إلى الوثب الطويل خلال منافسات ألعاب القوى، كما أن ألمانيا لم تتمكن من تصدر لائحة الميداليات مع نهاية الألعاب.

وفي العام 1968، تم اللجوء إلى الالعاب الاولمبية للفت انظار العالم إلى نضال الأميركيين من أصل افريقي، حيث كانوا يتمتعون بحقوق مدنية أقل من غيرهم، وقام كل من تومي سميث وجون كارلوس بأداء تحية حركة "قوة السود" الشهيرة أثناء مراسم توزيع ميداليات سباق 200م في مكسيكو سيتي.

وقاطعت العديد من الدول الغربية أولمبياد 1972 احتجاجا على احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، الأمر الذي أدى إلى قرار السوفييت بعدم المشاركة في أولمبياد لوس أنجلوس العام 1984.

وبعيدا عن الألعاب الأولمبية، فإن القصة الأبرز في مجال الرياضة والدبلوماسية حدثت العام 1971 ويطلق عليها اسم "تطبيع البينغ بونغ"، حيث تلقى الفريق الأميركي لتنس الطاولة دعوة لزيارة الصين خلال بطولة العالم للعبة التي أقيمت في اليابان، ولبى الأميركان الدعوة لتكون أول زيارة لفريق رياضي أميركي إلى الصين منذ العام 1949، وهو ما أدى لاحقا إلى قيام الرئيس الأميركي حينها ريتشارد نيكسون بزيارة بكين وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.

ويبقى عالم كرة القدم مسرحا واسعا للعديد من الأحداث السياسية أشهرها على الإطلاق عندما التقى الجاران السلفادور والهندوراس ذهابا وإيابا في تصفيات كأس العالم 1970، حيث أدت خلافات بشأن هجرة أكثر من ربع مليون سلفادروي إلى الهندوراس إلى توتر الأجواء في المباراتين خصوصا الثانية التي أقيمت في السلفادور، فاندلعت حرب بين البلدين استمرت أربعة أيام وخلفت أكثر من 4000 قتيل وأدت أيضا إلى غزو قوات سلفادورية لأراض هندوراسية.

وأجج أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دييغو مارادونا مشاعر الكراهية بين بلده وبريطانيا عقب حرب الفوكلاند الشهيرة، عندما سجل هدفا بيده أسهم في تأهل الأرجنتين إلى نصف نهائي كأس العالم العام 1986 وخروج انجلترا من الدور ربع النهائي في مباراة انتهت لمصلحة الأرجنتينيين (2-1).

وأثبتت المباراة النهائية لبطولة كأس آسيا 2004 بين الصين واليابان أن مشاعر العداوة بين الشعبين التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية ما تزال موجودة، حيث قام الجمهور الصيني المتواجد في ستاد العمال في العاصمة بكين بإهانة النشيد الياباني، كما حدثت اشتباكات بين جمهور البلدين عقب انتهاء المباراة التي فازت فيها اليابان (3-1).

والعام الحالي شهد حالتين متناقضتين من الأحداث السياسية في مجال كرة القدم، الحالة الأولى جمعت بين تركيا وأرمينيا في التصفيات الأوروبية لكأس العالم 2010، حيث وقع البلدان المتنازعان في نفس المجموعة، وقام الرئيس التركي عبدالله غول بزيارة أرمينيا من أجل حضور اللقاء وتنقية الأجواء، علما بأنه جلس بجانب الرئيس الأرميني في منصة تتمتع بغطاء زجاجي واق للرصاص، لكن ذلك لم يمنع الجمهور الأرميني من إطلاق صيحات الاستهجان صوب الرئيس التركي ولاعبي الفريق الخصم، ورغم ذلك، خرجت وسائل إعلام البلدين في اليوم التالي لتشيد باليوم التاريخي الذي فتح صفحة جديدة مشرقة في العلاقات بين الدولتين.

أما الحادثة الثانية، فلا تحتاج إلى السرد والشرح نظرا للطريقة التي حازت فيها على اهتمام الشارع العربي، فقد أسهمت وسائل الإعلام الجزائرية والمصرية في توتير العلاقات بين البلدين العربيين من خلال حوارات تلفزيونية وعناوين و"مانشيتات" استفزازية قبل لقاء مصيري بين الاثنين في التصفيات الافريقية المؤهلة لمونديال 2010، ومع وصول المنتخب الجزائري إلى القاهرة، تعرضت حافلته للرشق بالحجارة من قبل فئة مندسة من الجمهور المصري، ما أدى إلى إصابة ثلاثة لاعبين بجروح، وانتهت المباراة بفوز المصريين 2-0 ليتم تحديد مباراة فاصلة بين المنتخبين بعد أربعة أيام في السودان، حيث قام الجمهور الجزائري بالاعتداء على نظيره المصري بعد المواجهة التي انتهت بفوز الجزائر بهدف يتيم وتأهله إلى كأس العالم، وقبل ذلك تعرضت المصالح المصرية في الجزائر لخسائر مادية جراء عمليات الاحتجاج والشغب الجزائرية، فنشب نزاع دبلوماسي بين البلدين ما يزال قائما حتى هذه اللحظة.

ويستبعد تماما أن يكرر منتخب السلة الإيراني إنجاز منتخب كرة القدم ويتغلب على نظيره الأميركي العام المقبل، لكن المواجهة بحد ذاتها ستحظى بتغطية إعلامية غير مسبوقة في عالم اللعبة، وربما أكثر من الضجة الإعلامية التي أثارتها وسائل الإعلام الأميركية قبل عامين عندما وقع نجم السلة الإيراني حامد اهدادي عقدا احترافيا مع فريق ممفيس غريزليز الأميركي ليكون أول لاعب إيراني يشارك في بطولة رابطة كرة السلة الأميركية للمحترفين (NBA).

Ayman.hijleh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل (سليم)

    الجمعة 18 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    موضوع قيم صراحة فيه معلومات قيمة
  • »جميل (سليم)

    الخميس 17 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    موضوع قيم صراحة فيه معلومات قيمة
  • »موضوع رائع (حسان نويران)

    الخميس 17 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    من أجمل ما قرأت لك يا أستاذ أيمن بشكل خاص . وفي جريدة الغد بشكل عام. موضع رائع وصياغة ممتازة تستحق الشكر والثناء عليها.
  • »موضوع رائع (حسان نويران)

    الخميس 17 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    من أجمل ما قرأت لك يا أستاذ أيمن بشكل خاص . وفي جريدة الغد بشكل عام. موضع رائع وصياغة ممتازة تستحق الشكر والثناء عليها.