لقاء أوباما - نتنياهو: لا داعي للشمبانيا.. كأس من الكولا يكفي

تم نشره في السبت 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 09:00 صباحاً
  • لقاء أوباما - نتنياهو: لا داعي للشمبانيا.. كأس من الكولا يكفي

يديعوت أحرنوت - ناحوم برنيع

هل يتوجب فتح زجاجة شمبانيا؟ سألت أحد كبار المسؤولين في البيت الابيض أول من أمس (الأربعاء).

شمبانيا؟ تساءل لماذا الشمبانيا؟ الصباح كان قد بدأ لتوه في واشنطن وهذا ليس بالوقت الملائم للشمبانيا.

قلت: شمبانيا بسبب نجاح اللقاء فقد كنت قد قلت لي قبل قليل ان اللقاء كان ايجابيا جدا. قال لي الأميركي "هيا بنا لا نبالغ، كأس نبيذ يكفي". وربما كان كأسا من الكوكاكولا كافيا. ما رأيك مثلا بكأس كوكاكولا زيرو.

يبدو لي انني قد سمعت صوت ضحكه على الخط الثاني من الهاتف.

الارتياب الذي رافق لقاء اوباما مع رئيس الوزراء لم يولد من فراغ. وما نشر بصورة بارزة كان الصعوبة التي يواجهها البيت الابيض في ايجاد وقت للقاء، لكن هذه الصعوبة التي لم تظهر في عهد الرئيسين السابقين. شعر نتنياهو بالإهانة. ولانه لم يكن قادرا على مهاجمة الرئيس فقد صب جام غضبه على رئيس طاقمه رام عمانوئيل.

الفجوة بين توجه اوباما إزاء الصراع ونهج نتنياهو معروفة. كما ان التوتر الشخصي بينهما معروف. مع ذلك كانت التجربة هي التي اسهمت بأجواء الارتياب اكثر من غيرها. وقد وصف اللقاءان السابقان بين الاثنين في واشنطن ونيويورك على الفور بعد انتهائهما كبداية لصداقة رائعة. وبعد مدة قصيرة اعترف اتباع نتنياهو بأن اللقاءين كانا باردين وقد اتسما بالنفور وألحقا الضرر اكثر من المنفعة. لم يسارع احد للعب دور المغفل: ومن أكل من الشيء مرتين لا يسارع في ابتلاع الملعقة في المرة الثالثة.

هناك شيء واحد مؤكد اتفق عليه بين الاثنين: اظهار اللقاء بصورة ايجابية جدا. اختصار ذكر التفاصيل والاكثار من الحديث عن الاجواء. عندما عقد مناحيم بيغن مؤتمرا صحافيا في ختام لقائه مع الرئيس الأميركي كان السؤال الاول هل يوجد هناك انسجام. بيغن فكر للحظة وعندئذ قال بابتهاج: اجل هناك انسجام.

أول من أمس (الأربعاء) اطل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من نافذة غرفته المتواضعة في فندق باريس - التواضع في الفنادق اصبح الان صرعة دارجة خصوصا في باريس - حيث كان الوقت عصر يوم خريفي تغمره الشمس. كانت النافذة مفتوحة وتطل على أسطح باريس الشهيرة: اسطح ذات طبقتين حتى يتم وضع غرفة نوم الخادمة بين الطبقتين. تابع نتنياهو اشعة الشمس التي تنفذ للداخل فتضيء جوانب الفندق، وقال: هذا الفندق لم يرمم منذ ثلاثين عاما. وكان هذا برهانا جديدا غير مباشر على موجة التواضع التي ألمت بقيادتنا السياسية. وان لم يقم احد بإيقاف نتنياهو وباراك في موعد مبكر فإنهما سينزلان في زيارتهما القادمة في نزل صغير.

نهاية الكارثة

قال نتنياهو: كان اللقاء مع اوباما جيدا جدا، وقد حددناه لنهاية اليوم لأننا اردنا ان تكون اغلبية المحادثة على انفراد وان لا يتم قطعها بسبب لقاء آخر. لم تكن هناك اية امور اضطرارية.

اللقاء الواسع مع كل الحاشية جرى في الغرفة البيضاوية. واستغرق هذا اللقاء 14 دقيقة فقط. بعد ذلك اخذ اوباما نتنياهو الى غرفة مقابلة اقل رسمية. الاثنان خلعا المعطف، وتحادثا بين ساعة وربع حتى الساعة والنصف تقريبا. لم يكن هناك من يسجل الحديث - وهذه مشكلة معروفة في المحادثات المباشرة بين رؤساء وزراء إسرائيل ورؤساء الولايات المتحدة. في الوهلة الاولى كان بإمكان كل واحد من الاثنين ان يتذكر من هذا اللقاء ما يريده لكن الإسرائيليين افترضوا أن الأميركيين يسجلون كل كلمة بالسر. اجهزة التسجيل موجودة هناك منذ عهد كيندي ناهيك عن نيكسون.

تذكر نتنياهو اللقاء الذي عقده مع اوباما في العام 2007 في مطار ريغان في واشنطن. كان اوباما في بداية معركته الانتخابية نحو الرئاسة. وكان نتنياهو يشق الطريق لعودته لرئاسة الوزراء. كانا سياسيين طموحين جدا. والتطلع للوصول إلى الحكم كان قاسما مشتركا بينهما. نتنياهو من ناحيته اقتنع بأن اوباما ضعيف الشخصية: كلماته جميلة الا انه لا يستطيع الوقوف وراءها. وهذا كان ظن اوباما بنتنياهو بالضبط. اللقاء بينهما كان كارثة.

ولكن في واشنطن هذا الاسبوع شعر نتنياهو انهما يعودان الى ذلك اللقاء في مطار ريغان. المحادثة كانت صريحة والتحليل كان ألمعيا. اوباما أظهر انه يمتلك المعلومات والفهم والسيطرة على تفاصيل الصراع. وقطع طريقا طويلا في توجه نحو الشرق الاوسط. ويقول نتنياهو إنه ايضا قطع شوطا طويلا. وهكذا كان هناك اساس مشترك. في هذا المثلث توجد ثلاثة رؤوس: اثنان منها اوباما ونتنياهو يريدان استئناف العملية اما الرأس الثالث ابو مازن فإشكالي ومن الواجب جلبه.

نتنياهو يكرر القول بأنه يريد الاتفاق، وليس مفاوضات تستمر للابد. وكانت مهمته اقناع اوباما بأنه يقصد بجدية ما يقوله وفوق ذلك تزويده بأداة فعالة تقنع ابو مازن.

في مفترقات سياسية كهذه تظهر في العادة فكرة وديعة: رئيس وزراء إسرائيل يقدم للادارة الأميركية طرف تنازلاته. وتعد الادارة بالحفاظ على هذه الوديعة في السر ولكنها تخوض حملات مكوكية من منطلق الثقة بوجود اساس للاتفاق. رابين مثلا اودع بيد وزير خارجية أميركا كريستوفر استعداده للانسحاب من هضبة الجولان مقابل السلام مع سورية. وكريستوفر حدث الاسد عن هذه الوديعة ورابين وجد صعوبة في غفران ذلك له. باراك اودع اقتراحه بصدد الاتفاق مع الفلسطينيين بيد كلينتون واولمرت في لقاءاته المنفردة مع بوش حدثه الى اي مدى هو مستعد للوصول في الاتفاق مع الفلسطينيين.

فهل اودع نتنياهو بيد اوباما تنازلاته؟ الطرفان ينفيان ذلك. مع ذلك من الصعب ان نرى كيف يمكن لنتنياهو ان يكسب ثقة الرئيس من دون الدخول في التفاصيل. نتنياهو يلمح منذ اشهر في كل لقاء مع وزير محتار من حزب العمل وفي كل لقاء مع ضيف اوروبي بأنه عازم على التوجه نحو الحواسم الصعبة والتاريخية. كل واحد يعرف ما الذي يختبئ وراء هذه العبارة الشائعة والمتكررة. لنفترض فقط من اجل الافتراض ان اوباما الذي يعرف المنطقة الان بتفاصيل التفاصيل قد سأله، ما الذي تقصده عندما تقول الحواسم الصعبة. فهل يعقل ان يكون قد رفض الرد على هذا السؤال.

يقول نتنياهو: كنت حذرا، تحدثت بصورة واضحة وصريحة، وهذه كانت محادثة حول الاستراتيجيا وليس حول التكتيك والمناورات.

على نتنياهو ان يشكل ائتلافا حكوميا آخر حتى يتوصل الى اغلبية الحواسم الصعبة التي يتحدث عنها. مشكلته الاولى تكمن في طاقم الوزراء السبعة. اربعة منهم – يعلون، بيغن، يشاي وليبرمان – لا يؤمنون بالاتفاق. اما التجاوب مع ابو مازن فيؤمن به اثنان فقط باراك ومريدور. نتنياهو هو الذي حدد هذه التشكيلة الوزارية. اما تشكيلة كتلته في الكنيست فلم يكن هو الذي قررها ولكن هناك ايضا تتربص به المشاكل التي ستزداد حدة مع الوقت.

مناحيم بيغن مرر اتفاق السلام مع مصر في الكنيست بواسطة المعارضة في حزب العمل وبثمن منخفض في حزبه وائتلافه. وهناك شك ان يمتلك نتنياهو ما كان بيغن قد حصل عليه.

وعندئذ سيضطر لمواجهة الشارع والمستوطنين والاطراف الواسعة لليمين.

مع ذلك لا ينتمي المستقبل دائما لذوي الايمان الضعيف. عندما بدأ شارون مثلا بإطلاق تلميحاته حول خطوته البعيدة المدى وجد الكثيرون وانا من بينهم صعوبة في تصديق ذلك. عندها جاءنا فك الارتباط.

الصمود

قال نتنياهو لاوباما إن العنصر الاول في كل تسوية، هو الامن. انا لست معنيا بتسوية جميلة على الورق ولكنها جهنمية على الارض. المراسيم في البيت الابيض ستكون مثيرة والخطابات ستكون مدوية والعالم سيصفق ولكن السؤال يبقى كيف سنضمن صمود هذا الاتفاق وبقاءه مع مرور الوقت.

وشكر نتنياهو اوباما على المساعدة التي تقدمها الادارة الأميركية لإسرائيل والمناوارات العسكرية المشتركة والعتاد العسكري الذي تمت الموافقة عليه ووقوف أميركا ضد تقرير غولدستون. ووعد اوباما بخطوات اخرى لبناء الثقة، حيث ستكون على الاغلب اطلاق سراح سجناء من فتح.

وأوضح لاوباما بأن حكومته قد جمدت البناء في المستوطنات فعليا. وهو يرتكز في هذه القضية على الامور التي قالتها هيلاري كلينتون في القدس (في عواصم اخرى قالت امورا اخرى). انا لست واثقا بأن ما قاله قد ارضى اوباما. لو كان بمقدور الاثنين لانتهى اللقاء ببيان حول التجميد التام للبناء في المستوطنات ليحدثا دراما حقيقية. كان على ابو مازن ان يعود الى طاولة المفاوضات في مثل هذه الحالة. موجة الاحتجاج من اليمين كانت ستحسن مكانة حكومة نتنياهو الدولية وحزب العمل كان سيطمئن. اما على مستوى امتحان القيادة فإن ذلك سيكون فرصة جيدة جدا للفوز بثمن معقول.

ولكن الاثنين اكتفيا بأقل من ذلك. وقال نتنياهو: كسرنا الجليد. وقال احد المسؤولين الذين رفضوا ذكر اسمهم لمراسل صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن اللقاء كان مخيبا للامال. الإسرائيليون غضبوا وطالبوا بتوضيحات. وفي البيت الابيض لم يشككوا بمصداقية الصحيفة. وقد وعدوا الإسرائيليين بالبحث عن هذا المسؤول وما يزالون يبحثون عنه حتى كتابة هذه السطور.

من دون حدود

في أحد الايام سينهض أحد ما ويخرج للنور موسوعة مشاريع السلام الشرق اوسطية من سايكس بيكو حتى موفاز. وستكون هذه سلسلة مجلدات ضخمة كثيرة الصفحات. ولكن ليس من المؤكد انها ستكون كثيرة البيع.

ليست خطط السلام هي المفقودة في الشرق الاوسط وانما الشجاعة في التوقيع عليها، والقوة السياسية المطلوبة لتمريرها والقدرة على الالتزام بشروطها في صبيحة اليوم التالي. لقد اقترح موفاز على الفلسطينيين دولة ضمن حدود مؤقتة تبلغ ستين في المائة من مساحة الضفة. وايهود ابارك اقترح على الفلسطينيين والأميركيين اقتراحا شبيها. الفلسطينيون رفضوا الاقتراح فورا وادعوا ان الامور المؤقتة عند إسرائيل تصبح دائمة. وبعدهم رفض الأميركيون الاقتراح. موفاز متفائل بأنه سيتمكن من اقناع الأميركيين الذين سيقنعون الفلسطينيين بدورهم. ان لم تقتنع فتح فسنتوجه لحماس. وفي الوقت الحالي وفي خضم الصمت السياسي المطبق يبدو أنه ينجح في احتلال عناوين الصحف.

المشروع الوحيد الذي يجب ان يقلق حكومة نتنياهو الان هو خطة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض. فياض يقترح اعلان قيام الدولة الفلسطينية من دون حدود نهائية. وهي ستركز خلال عامين على بناء المؤسسات وفي المقابل ستجري المفاوضات مع إسرائيل. ان لم تتمخض المفاوضات عن الاتفاق فإن المسألة ستنتقل لمؤسسات الامم المتحدة. مجلس الامن سيتوصل الى قرار حول مضمون التسوية، بما في ذلك الحدود. والولايات المتحدة لن تفرض الفيتو وستكون النتيجة حلا احادي الجانب برعاية الامم المتحدة.

مجلس الامن لن يرسل جنود الامم المتحدة لإجبار إسرائيل على قبول التسوية. يكفي ان نقرر ذلك وان لم تتعاون إسرائيل فستبدأ عملية العقوبات، وخلال فترة قصيرة ستصبح إسرائيل دولة مارقة فتخضع لأنها لا تمتلك خيارا آخر.

ليس لفياض تأثير حقيقى على الشارع الفلسطيني. أبو مازن يبتعد عنه. فتح تعتبره عدوا. ناهيك عن حماس. ولكن الأميركيين يؤمنون به وهم يسمعون من فمه ما يتمنونه.

في إدارة اوباما فضلوا تبني الجانب الايجابي من مشروع فياض. بناء المؤسسات الوطنية مسألة جيدة. وهذه مسألة توافق عليها إسرائيل والاتحاد الاوروبي. فياض موثوق وجدي ومهني ومن الواجب مساعدته.

وكان نتنياهو قال لاوباما هذا الاسبوع إن التجربة الإسرائيلية بصدد خطوة احادية الجانب كما حدث في غزة انتهت بالفشل وهكذا ستنتهي ايضا المحاولة الفلسطينية. إسرائيل سترد ازاء كل خطوة أحادية الجانب بخطوة أحادية من جانبها. وحماس هي التي ستكسب من ذلك وإيران بصورة غير مباشرة.

التعليق