ما لا يقوله رئيس قسم التخطيط في هيئة الأركان

تم نشره في الاثنين 28 أيلول / سبتمبر 2009. 10:00 صباحاً
  • ما لا يقوله رئيس قسم التخطيط في هيئة الأركان

هآرتس – عاموس هرئيل

اليكم بضعة أمور لا يقولها رئيس قسم التخطيط في هيئة الأركان اللواء أمير ايشل في هذه المقابلة: إن العام 2010 آخذ في التحول الى عام حاسم بالنسبة لأمن الدولة، وإن الأسرة الدولية بعد الحوار مع ايران وبعد العقوبات الجديدة التي ستفرض على طهران في الشتاء المقبل ستبقى في مواجهة خطورة حقيقية حيث إن الايرانيين لن يستجيبوا للضغط ولن يقبلوا التنازل عن مشروعهم النووي. كما إنه سيقول ان القيادة الاسرائيلية ستضطر الى اتخاذ قرار حاسم بصدد شن هجوم على ايران ما يؤدي بالضرورة الى تدهور الاوضاع على الحدود مع حزب الله وحماس الامر الذي يفضي الى قصف ثقيل للجبهة الداخلية في اسرائيل. كما ان الجيش الاسرائيلي يستعد لهذه الاحتمالات او بعض منها في السنة المقبلة. وسيقول ايضا ان هيئة الاركان تؤيد بصورة واضحة القيام بخطوات سخية نسبية في التفاوض مع سورية من اجل ابعادها عن المحور الراديكالي الاقليمي واضعاف ايران.

ايشل الذي يتولى مهمة البناء المهني للجيش واعداد خطة لبناء قوة الجيش الاسرائيلي لا يقول كل هذه الامور بسبب إدراكه للحساسية العالية التي تستقبل فيها مقولات كهذه من العسكريين في البلاد. ولكن هذا هو السياق الصحيح الذي يتوجب فيه اجراء مقابلة مع رئيس قسم التخطيط في الجيش ونشرها في هذه الأوقات العصيبة.

البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها اسرائيل والتي يتولى ايشل مهمة مركزية في تحليلها ستصبح اكثر تعقيدا في السنة المقبلة. في الخلفية ومثلما هو الحال في كل مقابلة مع شخصية عسكرية بارزة في السنوات الاخيرة ما تزال صدمة ما بعد حرب لبنان الثانية قائمة. ولكن على المحك هناك تحديات اكثر جسامة: ايران على رأس القائمة والى جانبها العلاقات المعقدة مع الفلسطينيين في الضفة وغزة والمساعي لعقد اتفاقيات تقلص وتضبط تهريب السلاح لحماس وحزب الله ومشاكل تزود الجيش الاسرائيلي بالعتاد.

امير ايشل 50 عاما هو ملاح جو حربي من حيث التأهيل والإعداد. وقد قاد طائرات اف 16 وفانتوم وكان قائدا لقواعد سلاح الجو في رامون وتال نوف، وكان رئيس سرب جوي ورئيس طاقم قيادي في سلاح الجو (في فترة الحرب في لبنان وقصف المنشأة النووية في شمال سورية)، وقبل عام ونصف تم ترفيعه الى مرتبة جنرال وعين رئيسا لقسم التخطيط في هيئة الاركان. وان لم تحدث مفاجآت استثنائية فسيعين بعد عامين ونصف قائدا لسلاح الجو.

من دون راية بيضاء

 في صبيحة اليوم الذي اجريت فيه المقابلة اشرف ايشل على تدريب كتيبة المشاة للواء غولاني على مسار القتال مع حزب الله في قاعدة الياكيم. "عندما تنظر الى الجيش وترى كيف يتطور التأهيل فيه في القوات البرية تجد ان هناك تقدما في كل المقاييس، انا آت من سلاح يقول: ان لم تتدرب فلن نتحدث معك بالمرة. المجريات في سلاح البر عميقة ومثيرة للاهتمام وانت ترى البريق في عيون قادة السرايا ليس من الممكن تجاوز مثل هذا الموقف هناك قيادة واحتراف وهذا الامر يؤثر في نفسك كثيرا. جيش ما بعد العام 2006 لم يكن كذلك هو بنى نفسه من جديد".

-أليس هناك خطر من ان تؤدي ثقتكم الذاتية بقدراتكم الى اثارة رغبتكم في حرب صغيرة بلا داع؟

- انا اعتقد اننا اكثر فطنة في الجيش الاسرائيلي. التأهيل تحسن بصورة دراماتيكية ولكني لا اريد ان نخدع انفسنا. ليست هناك اختراعات سحرية لكل وضع. في الجانب الآخر ايضا تتطور القدرات، والتهديد العسكري الذي تواجهه اسرائيل يزداد حدة في كل الجبهات. طابع الحروب يتغير: لم يعد هناك عدو يرفع راية بيضاء فوق الجبل ويستسلم. عموما يتوجب تدارس قضية الحسم. حرب حزيران كانت انتصارا لا تشكيك فيه ولكن بعد مدة من الوقت بدأوا يطلقون النار مرة اخرى وهذا كان عدوا يوشك على الغرق وفي حالة من اليأس.

بن غوريون أدرك جيدا تناسب القوى بين الاطراف وفجوات الحجم. ليست هناك ضربة قاضية. نحن نبحث ولكن ذلك غير موجود. اعداؤنا يعترفون بتفوقنا في مجالات معينة ويعملون بجد لتقليص هذه الميزة والتفوق. هم يستخدمون وسائل ليست لدينا حلول لها جميعا بالمستوى الذي كنا نريده: كالصواريخ والقذائف. من جهة لدينا الحماس الذي يتمتع به القادة الميدانيون. ومن الناحية الاخرى لدينا رؤية فطنة جدا.

في نظرة للوراء يقول ايشل ان خطأ اسرائيل الاكبر في حرب لبنان الثانية كان انها فوتت الخطوات الواضحة والاكثر سرعة. "هذه هي الفرصة الضائعة لقد كان بالإمكان التوصل لإنجاز اكبر ومشكلتنا اننا لم نفهم القوة التي كانت بأيدينا بصورة صحيحة. سارعنا لنعي النتائج بصورة مبكرة ولكن ذلك لا ينظفنا من الاخطاء التي ارتكبناها. انا لا اذكر متى كان لدينا ردع كما نمتلكه الآن في الشمال في مواجهة حزب الله حتى وان لم يكن ذلك يعني ان شيئا قد ينفجر في وجهنا في الحدود غدا صباحا. كما أن مستوى الردع مع حماس بعد عملية "الرصاص المصهور" اعلى مما كان عليه ومع ذلك فقد بقيت المنطقة قابلة للاشتعال. نحن نفكر بمفاهيم ليست ملائمة بدرجة كافية للاوضاع اليوم وهي مستقاة من الصورة التقليدية التي نعرفها. ليس من الممكن اخفاء تنظيم ارهابي مغروس عميقا في قلب السكان. من الممكن ضربه واخافته وانا انطلق من نقطة افتراض بأن التسلح بالصواريخ سيزداد نوعية ومدى. الجميع يدركون انه عندما يتسلح طرف ويزداد قوة تزداد ثقته الذاتية وبإمكانه خوض المخاطر واستخدام ذلك. وعندئذ نحصل على حرب ليست ذات ميزة موقعية محلية وانما حرب اقليمية شاملة. هذه فكرة سائدة ايضا في الولايات المتحدة ومصر بعد عملية "الرصاص المصهور". هناك مغزى كبير لفعالية النظم الأمنية الإقليمية بعد الصراعات، فالنظام الامني الفعال يؤجل المعركة التالية لسنوات.

يقول ايشل بأن اسرائيل اكثر ادراكا اليوم من أي وقت مضى للعلاقات المركبة بين الجبهات المختلفة التي تنشط فيها. "الارتباط بين الجبهات قد تعزز وان كان حزب الله قد جلس صامتا خلال عملية "الرصاص المصهور" ولم يطلق الصواريخ على الشمال. أنا لا اعتقد أن الضغط على مفتاح Enter في ايران يعني ان حزب الله يفعل ما يقولونه له فورا. ولكن يتوجب الخروج من نقطة افتراض بأننا إن اصطدمنا في جبهة واحدة فليس من المستبعد ان تشتعل جبهة اخرى إثر ذلك. المحور الراديكالي في المنطقة برئاسة ايران يسير نحو الذرة. وقد بنى لنفسه كل القدرات فأعد حزب الله في الشمال وأمده بالسلاح ليوم الحساب وبنى قاعدة لوجستية (سورية وشبكات تهريب السلاح) وقوة تتولى مهمة استنزافنا في الجنوب (حماس). هناك منطق في هذا النهج وهناك تقاسم وظيفي. كل واحد ودوره في هذا المحور".

-أليس هذا واقعا يعزز المصلحة الاسرائيلية بدق اسفين في هذا المحور الراديكالي من خلال التفاوض السياسي المكثف مع سورية؟

-إن خرجت سورية غدا بأعجوبة من هذا المحور فإن ذلك لن يتسبب بانهيار هذا المحور وانما يؤثر بصورة دراماتيكية على قدراته ويهز المنظومة هزا. على الجهاز ان يسأل نفسه: ان كانت هناك مجابهة الآن بعد السلام الاسرائيلي السوري فماذا سيحدث في اليوم التالي من دون قاعدة لوجستية؟ هل يساوي ذلك مجابهة مع اسرائيل لا يعرف احد ما هي نتائجها. السؤال ان كان اخراج سورية من المحور ممكنا وهل يعرف احد ما الذي يدور في عقل الرئيس بشار الاسد. سورية الآن ترقص في عرسين ولا تدفع ثمنا لاي شيء، فهي تلعب لعبة ثنائية سخيفة. تواصل الانشطة الضارة في العراق ولبنان وتتمسك بارتباط قوي مع حزب الله. ومن الناحية الاخرى فإن الأسد يلتقي بكارلا بروني بعد عزلة طويلة. وهو لا يدفع الثمن. لدينا هنا أمر استراتيجي ومنطقي: يجب دفع سورية لحسم أمرها إن كانت ستتوجه الى هنا أم الى هناك. هذا سؤال موجه للأسرة الدولية التي يتوجب عليها أن تقترح على سورية إمكانية الانتقال للطرف الآخر. السوريون قلقون من مشاكلهم الاقتصادية الصعبة والمسألة لا تخص مستقبل هضبة الجولان فقط. واسرائيل وحدها لا تملك الروافع لهذا الامر.

الرجل في الصورة

 الى جانب الصور الضرورية المعلقة على الجدار لرئيس الدولة ورئيس هيئة الأركان هناك صورة معلقة على جدران مكاتب الجنرالات في وزارة الحرب في تل أبيب لأسراب سلاح الجو الاسرائيلي المحلقة فوق اوشفيتس في العام 2003. ايشل كان حينئذ قائدا لقاعدة تل نوف وقاد ثلاث طائرات اف 15 في اجواء معسكر الإبادة في اوشفيتس. قائد سلاح الجو السابق اللواء اليعزر شكدي وزع الصور كهدية وداعية لرفاقه في هيئة الاركان واضاف اليها عبارة اهداء عميقة المعنى: "تذكروا ولا تنسوا أن علينا ان نعتمد على أنفسنا فقط". شكدي كان واضحا جدا في الاستخلاصات التي استنتجها من المحرقة النازية بالنسبة لدور الجيش الاسرائيلي في مواجهة تهديدات الإبادة الايرانية.

ايشل حذر. "ذكر الكارثة هو جزء من التمعن في كل ما نفعله ولكن يتوجب علينا ان ننظر بصورة فطنة وليس من الممكن التفكير هنا من البطن. انا لا استطيع التفكير بهذا الامر وتجاهله ولكني لا اشعر ان هذه الصور من اوشفيتس تدخل منطقا خاطئا لرؤوس الاشخاص. كل واحد يسير مع ملفه الشخصي وملفه الوطني. هذا لا يضعف أحاسيسنا لدرجة ارتكاب الحماقات بالتأكيد لا. نحن اشخاص مع أرجل على الارض ولكن من المهم ان تكون هناك اضواء تحذيرية. ماذا تعني 60 عاما في التاريخ؟ لا شيء انها مجرد فقرة بسيطة".

وهو يقول عن الذرة الايرانية بأنها يجب ان تكون هاجسا للعالم المتحضر. والاسرة الدولية بقيادة الولايات المتحدة ملزمة بالتطوع من اجل التأكد من إيقاف هذا المشروع.

في السنة المقبلة ستوجب على الحكومة وعلى جهاز الامن حسم مسألة التزود بالطائرات الحربية لسلاح الجو وهي على الاغلب ستكون الـ اف 35 . ويواجه ايشل كرئيس لقسم التخطيط وضعا استثنائيا، فهو شريك في التخطيط والقرارات المتعلقة بشراء الطائرات التي ستمتلكها اسرائيل في نهاية الفترة التي سيكون فيها قائدا لسلاح الجو على ما يبدو.

ويعد قائلا "انا لست سفيرا لسلاح الجو في قسم التخطيط. انا أعرف أننا موضوعيون. ولدينا إله واحد فقط: الأمر الصحيح بالنسبة للجيش يتمثل في رؤية شمولية من الطرفين. هذا هو التحدي الأكبر في بناء القوة".

والآن طبعا يأتي دور سلاح الجو. ايشل لا يبذل جهدا خاصا لإخفاء تأييده لصفقة شراء الـ اف 35 وهو يعتبرها سلاحا استراتيجيا بالنسبة لدولة اسرائيل، التي امتلكت منذ الخمسينيات الطائرة الحربية الأفضل في العالم لتلك الفترة على الدوام. والمسألة تخص رؤساء الحكومات في اسرائيل.

"طائرة اف 35 ليست مجرد سلاح اضافي. في العالم القائم على توازن الردع يوجد لمثل هذه الامور وزن مهم. الردع عموما مسألة يصعب تقديرها وقياسها. اليوم في مواجهة ايران يمكن لاميركا ان تعطي دول الخليج اسلحة اكثر تطورا مما نمتلكه نحن. بالنسبة لقوة الدولة، الطائرات الحربية هي عامل مهم وذو وزن. واستخلاصي هو اننا يجب أن نمتلك السلاح الافضل في الجو وفي البحر وفي البر ولكن ليس بأي ثمن".

الصفقة مع الولايات المتحدة التي ستصل الى مرحلة حاسمة في مطلع العام المقبل لم تعقد بعد. وقد بقيت عدة عقبات في جدول الاعمال وعلى رأسها درجة الاستقلالية التي ستعطى لاسرائيل في استخدام الطائرات والثمن طبعا.

ايشل يدعي أنه ان لم تكن الطائرة داخل شبكة اسرائيلية فإن استنفاد قدراتها سيكون محدودا جدا. ولذا، يتوجب ربطها بالمنظومة الاسرائيلية من كل النواحي. هناك مفاوضات حول القدرات وحول الاسعار وأنا اشعر بالتشجيع إننا وجدنا حلولا لبعض الامور التي استعصت على الحل قبل ثلاث سنوات ونصف.

رئيس قسم التخطيط متفائل - وهو يرفض الادعاءات بأن ثمن طائرة منفردة قد يصل الى 130 مليون دولار. ويقول: "الـ اف 35 لن تكلف 130 مليونا للطائرة الواحدة. هذا رقم لا أساس له".

التعليق